عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

للدكتور فرانسيس دينق عبارة حارقة ، ذاعت بين النخب ، لأنها أختزلت توصيف أوجاع السودان وهي  (المسكوت عنه هو ما يفرقنا)، وهي العبارة الوحيدة التي ظل يقتبسها الزعيم الراحل قرنق من أدبيات الدكتور فرانسيس المحكية، لدعم نظريته للسودان الجديد التي تستند حسب وصفه الي ما أسماه التنوع التاريخي ، والتنوع المعاصر. ولعل الأشارة الذكية التي أفترع بها الدكتور عبدالله حمدنا تعليقه علي كتابة التاريخ في السودان ، تقتبس شيئا من ذات المعني ، حيث نسب كتاب (حياتي) لبابكر بدري الي ما أسماه (مدرسة الرباطاب التاريخية) التي تقوم علي سرد الوقائع ، وأبراز الحقائق التاريخية المجردة دون الألتفات الي قواعد الستر الأجتماعي التي يبالغ السودانيون في رعايتها والأهتمام بها أكثر من الحقائق الموضوعية.

ذكرت في الحلقة السابقة أن المهندس النمساوي بول حفيد سلاطين باشا الذي زار السودان مؤخرا يري أن جده قد أنصف السودانيين في سفره المشهور (السيف والنار في السودان)،وأنه لم يطلق عليهم أوصافا تنم عن الإزدراء والتحقير،بل قدم وصفا موضوعيا لفترة حكم المهدية خاصة عهد الخليفة عبدالله الذي أعاد السودان حسب وصفه الي العصور الوسطي، وفشا فيه الظلم والتنكيل، وقطع تطور السودان الطبيعي نحو التمدن والحضارة.وحسب رأي أسرة سلاطين فأن جدها لم يكن مستعمرا بالمعني الحرفي للكلمة ، حيث لم يكن عسكريا فظا سام أهل السودان أضطهادا وعسفا، بل كان مصلحا مدنيا، وأداريا حاذقا حاول أرساء قواعد الأدارة الحديثة والتمدن في السودان.

لقد عاش سلاطين باشا ستة عشر عاما في السودان، منها أربعة أعوام موظفا وحاكما علي أقليم دارفور، وأثنتي عشر عاما أسيرا وعاملا مع المهدي والخليفة عبدالله. ولا شك أن مرارة الأسر، قد ولدت لديه دافعا قويا للأنتقام سيما وأنه ختم كتابه بكلمة معبرة أكد فيها أن الخليفة عبدالله هو عدوه اللدود، وأعدي أعداءه ما دام علي قيد الحياة، وظل يحرض القوي الأروبية في محاضرته وفصول كتابه للقضاء علي المهدية وأعادة أستعمارالسودان كما سنبين في هذا المقال.

منذ أن أعلن سلاطين أسلامه في دارفور وسط جنوده ، لكسب قلوبهم وولائهم ليتقوي بهم ضد تمرد القبائل وأنتصارات المهدي الساحقة في كردفان، كان يدرك أن المعركة بينه وبين المهدية هي معركة ذكاء من أجل البقاء في المقام الأول.وكان أحد قواده أبلغه سرا أن سبب تذمر جنوده لا يعود الي سحنته وجنسيته الأروبية بل الي مسيحيته، سيما وأن جنوده أظهروا تعاطفا مع ثورة المهدي الدينية . ويعترف سلاطين أن أسلامه الزائف حقق له مكاسب فاقت توقعاته،حيث أظهر له الجنود ولاءا كبيرا، كما أصدر المهدي عفوا عنه إذا ما وافق علي تسليم دارفور دون قتال. يقر سلاطين باشا أن الصراع القبلي بين الجلابة خاصة قبائل الشايقية والدناقلة والجعليين كان له أكبر الأثر في تشكيل تاريخ السودان الحديث. ويعتقد أن المكيدة التي دبرها الدناقلة لسليمان بن الزبير باشا في بحر الغزال ودارفور والتي أدت الي تصفية نفوذ وقوة الجعليين في تلك المنطقة ،خلقت توترا ومرارات تاريخية بين القبلتين حتي العصر الحديث، هذا أضافة الي المجزرة التي تعرض لها الجعليين من قبائل العرب والدناقلة عندما أمر غردون باشا بمصادرة أملاكهم وسجنهم بعد تحريم التجارة الحربية مع قوات الزبير باشا، ففقدوا آبائهم وأولادهم وأسرهم بعد سنين متطاولة من التصاهر والأندماج في المجتمع المحلي. في ظل هذه الأضطرابات يسهل تفسير السر الذي كشفه لاحقا أحد الجعليين للخليفة عن تحركات وأتصالات الخليفة شريف أحد أقرباء المهدي (دناقلة) لتدبير ثورة ضد حكم الخليفة بالتعاون والتنسيق مع الأشراف وأسرة المهدي. في الجانب الآخر أتهم سلاطين باشا جباة الضرائب من الشايقية بالفساد والثراء علي حساب الضعفاء مما أنضج أسباب أندلاع الثورة المهدية. وأمعانا في ربط الشايقية بالفترة الأستعمارية قال إن الخليفة عبدالله أصدر أوامره بقتل كل الشايقية عقب فتح الخرطوم بينما أصدر عفوا علي بقية القبائل الأخري. وصور سلاطين بطريقة درامية مقززة مزاعم التنكيل التي قام بها الخليفة ضد قبيلة البطاحين التي تأخرت في أظهار الولاء والبيعة ، فأغار عليها وأسر 67 رجل وعدد كبير من النساء، ونصب لهم المشانق في شوارع أم درمان حتي طفحت بالجثث ، و أبدي رجال البطاحين بأسا وشكيمة في مواجهة الموت وكان الرجل يقول وهو يواجه المشنقة : "من لم ير منكم رجلا شجاعا يواجه الموت فليأت الي هنا".

خلال الستة عشر عاما التي قضاها سلاطين باشا في السودان، تزوج ثلاث مرات.عاشت معه زوجته الأولي وهي محظية سوداء حسب وصفه في داره بدارفور وهي مدينة (نيالا) الحالية حسبما أظن. وقد تم أقتيادها الي بيت المال عقب تسليم دارفور.والغريب في الأمر أن سلاطين ظل يتحاشي سيرة النساء في كل كتابه، وما فتئ يصور نفسه بمثابة الفارس الأروبي النبيل الذي يعف عن مغانم النساء الذين وصفهن تارة بالقبح وتارة بسواد البشرة حتي لا يثنيه ذلك عن مهامه الحضارية في أفريقيا.و في المقابل صور حياة الأمام المهدي والخليفة عبدالله وكبار قادة المهدية بالأغراق في الملذات ، والأهتمام بتحصيل النساء.وزعم أن الخليفة لوحده كان يحوز أكثر من 400 أمرأة يتألفن من زوجاته الأربع حسب الشريعة، والمحظيات والسراري.وزعم أن الخليفة عمد الي تقنين تلك الملذات لأسترضاء جنوده وقواده في ظل الكبت السياسي والأجتماعي الذي وسم عهده، إذ كان الرجل يتزوج حوالي 40 أمرأة خلال عشر سنوات لكثرة الطلاق، كما كانت المرأة تتزوج حوالي 15 رجل خلال ذات الفترة. وحسب أدعاءه فقد كان الخليفة يختار أجمل الأسيرات لمتعته الخاصة ويفرق بقية الجميلات علي خلفائه وأقربائه. نفي سلاطين للخليفة أنجابه لأي أبناء من زوجاته في السودان ، فقال له الخليفة:"الرجل بلا أبناء كالشجرة بلا ثمرة" وأهداه أحدي محظياته بعد أن أعتقها له، وأمعانا في ترسيخ صورة الفارس الأروبي النبيل أعتذر سلاطين بأنه لا يستطيع أن يدخل علي أمرأة وطأها الخليفة. وفي ذروة معركة الذكاء المشتعلة بين الخليفة وسلاطين عرض عليه الخليفة أن يتزوج بنت عمه ليصاهر القبيلة ويتشرف بالقرب من الخليفة. وكان الخليفة يهدف من ذلك الزواج كسب ولاء سلاطين باشا بالتصاهر والولد. ولكن سلاطين أدرك الخدعة فأعتذر قائلا أنه ربما يرتكب حماقة بالأساءة الي بنت عم الخليفة مما يترتب علي ذلك عواقب وخيمة لا يستطيع أحتمالها في مواجهة القبيلة الملكية، وكان ذلك أعتذارا مبطنا صرف الخليفة عنه النظر أنتظارا لسانحة أخري. وظل الخليفة يهديه المحظيات الجميلات كلما رضي عنه ، ويراوغ سلاطين ويستنكف عن مس أحداهن أحتفاظا بصورة الفارس الأروبي النبيل . ولعل أغلظ الأتهامات التي ساقها سلاطين في هذا الصدد هو زعمه بأنتشار الفساد الأخلاقي رغم التمسك الظاهري بالشريعة والأكتفاء بأربع زوجات ، مشيرا الي أنتشار ما أسماه كثرة المحظيات والسراري وتبادلهن وسط ثكنات الجيش.  نفي المهندس بول وجود أي أبناء لجده في السودان ، وظل هذا السؤال يمور بالأستفهامات في التاريخ الشفاهي غير المكتوب. إذ كيف يتثني لرجل عاش 16 عاما في السودان ، وتزوج ثلاث مرات ، وتمتع بأكداس من النساء المحظيات والسراري دون أن ينجب طفلا واحدا. أعترف مرة واحدة أنه تزوج أبنة جندي مصري تسمي فاطمة البيضاء أرسلها له الخليفة، ولكن سرعان ما أرسلها الي بيت أمها الحبشية بأم درمان عندما تكاثر أهلها لزيارته بالمنزل وهو ما يحذر منه الخليفة بعدم الأختلاط بالأهالي. ولعل التاريخ دل بعد ذلك علي أن سلاطين لم يكن عاقرا ، لأنه تزوج  في فيينا وأنجب بنتا واحدة هي آن ماري التي تزوجت وعاشت في لندن حتي توفيت قبل ثلاث سنوات، وأنجبت آن ماري ثلاث أبناء هم:  ألسكاندر وكارولين و جورج الذي سيمثل دور سلاطين في الفيلم الوثائقي الذي ستنتجه شركة فيشر السينمائية هذا العام، كما لا أظن أن سلاطين كان يستعمل حبوب تنظيم الأسرة في ذلك الوقت.

يطفح كتاب سلاطين باشا بكيل السباب والشتائم لشخص الخليفة وعهده السياسي ، الذي وصفه بالجهل ، والأستبداد والتسلط والظلم وحتي مخالفة التعاليم الدينية ، حيث أشار الي أن الخليفة منع الناس عن الحج الي بيت الله الحرام ، وأمرهم بالحج الي قبة المهدي بأم درمان، وقال أنه لم ير الخليفة يصلي في عقر داره ، وكان لجهله حسب وصف سلاطين يستظهر الخطب الدينية التي يكتبها له السكرتيرون. في المقابل أشاد بعلم وذكاء أخيه يعقوب جراب الرأي.

عمد سلاطين في كتابه الي أشعال الكراهية والعواطف المسيحية ضد المهدية ، وفي أطار تحريضه القوي الأستعمارية لأعادة فتح السودان ، أشار الي أن الخليفة لا يكتفي بالرقيق من السود فحسب بل يسترق المسيحيين الأروبيين والأحباش الذي أسر منهم حمدان أبو عنجة الألوف وأرسلهم الي أم درمان.وكان يري أن دولة المهدية قائمة علي الظلم والعسف والتعصب الديني، لذلك لا بد من تدخل الدول الأروبية لفك أسر الأرقاء والأسري المسيحيين من الأروبيين والأحباش. وكان يبالغ في وصف صور الظلم التي وقعت علي هؤلاء الأسري والأرقاء، فقال: كانت تقطع آذان الأرقاء من الذين لا يستطيعون مواصلة السير الي أم درمان أو يموتون في الطريق حتي يقدم الدليل  للخليفة عبد الله علي موت هؤلاء. وفي أطار تبكيته علي عهد الخليفة قال إن سياسة القمع أظهرت تدينا ظاهريا ،  خوفا من بطش الخليفة ، وتفشي الفساد الأخلاقي لأن الناس كانوا يظهرون من مسوح التدين والطاعة خلاف ما يبطنون. ومما قاله سلاطين في هذا الصدد (، كان الحل الوحيد الذي أجمع عليه السودانيون في ظل أنعدام حياة أجتماعية ، وتبادل بين النفوس، هو الأغراق في بحر الشهوات ، والميل الي جسد النساء ميلا بهيميا لا ينتهي عند حد).

أجتهد سلاطين أن يظهر عزلة الخليفة عن محيطه الأجتماعي و السياسي وحرصه علي أستعمال العنف لأدارة الدولة والحفاظ علي السلطة.فأبرز حوادث التنكيل بأقرب حلفائه وقواده مثل الزاكي طمل الذي مات في السجن ، وهو الذي أبدي قدرات فائقة في نشر المهدية وتحقيق الأنتصارات العسكرية ، وكذلك سجن الخليفة شريف، الخليفة الثالث وأحد أقرباء الأمام المهدي، وغيرهم من رواد وقواد المهدية. حرص الخليفة علي مراقبة سلاطين ، ووضعه تحت عيونه طوال الوقت لذا أمره بملازمة بابه وتأدية الصلوات الخمس بالمسجد، و يعتقد سلاطين أن الخليفة سعي لتقريبه لسببين.الأول أنه يدرك أن فرار سلاطين وهروبه يعني سعيه لأغراء الحكومة المصرية والدول الأروبية الأخري لفتح السودان وغزوه وأسقاط حكم المهدية. والسبب الثاني هو أنه يسعي لأرضاء كبرياءه الشخصي حتي يري أعضاء قبيلته أن سلاطين الذي حكم دارفور يعمل تحت أمرته ،وهو أسير ذليل يرجو رضاء الخليفة ، ويقبل يديه ويسعي لطاعة أوامره دون أبطاء.

مهد سلاطين لهروبه ، بأتصالات ومكاتبات متوالية مع أسرته بفيينا والقنصل النمساوي بالقاهرة.ولعل الخطاب الذي أرتكز عليه الفيلم الوثائقي عن حياة سلاطين باشا من أنتاج شركة فيشر النمساوية والذي سيتم تصويره في السودان هذا العام، يعود الي أن سلاطين أوحي لأهله أن يكتبوا خطاب شكر للخليفة باللغة العربية، حتي لا يشك في أمره مع أرسال بعض الهدايا الشخصية له. وعندما وصل الخطاب أمر الخليفة بكتابة رد عاجل يدعوا أسرة سلاطين الي زيارة السودان للأطلاع علي أحوال أبنهم الذي يتقلد مكانة كبيرة في الدولة، وكتب سلاطين في ذيل الخطاب باللغة الألمانية لأشقائه ألا ينخدعوا و يصدقوا دعوة الخليفة. وعندما وصل رد أسرة سلاطين للخليفة التي أعتذرت عن تلبية الدعوة لأنشغال أشقاء سلاطين في خدمة الجيش وأمبراطور النمسا ، أمر الخليفة سلاطين بالتوقف عن مراسلة أسرته بفيينا.

أستطاع سلاطين أن يهرب من أسر الخليفة بمساعدة وتدبير قنصل النمسا في القاهرة والسير ونجت حاكم سواكن.وقد ساعده علي الهرب كثير من السودانيين عبر خطة محكمة أشترك فيها أكثر من عشرين شخص تولي كل منهم تنفيذ مرحلة من المراحل. لعل بعضهم كان دافعه الأكبر الحصول علي المكافأة والمال الذي وفرته أسرة سلاطين في النمسا عبر القنصل بالقاهرة.ولكن بعضهم كان متعاطفا معه حسب روايته ، ليستدل بذلك علي الأنقسام الداخلي الذي كانت تعانيه المهدية في ظل حكم الخليفة عبدالله. حسب رواية سلاطين فقد أشترك في تهريبه أفراد من قبائل الشكرية ، جهينة ، الأمرأر ، البشاريين ، الكبابيش والعبابدة، وذكر في كتابه أسماء الذين ساعدوه علي الهرب بكثير من الشكر والأمتنان.

لم يضع سلاطين وقتا ثمنيا عند هروبه من أسر الخليفة ووصوله الي أسوان عام 1895.إذ سرعان ما عكف علي كتابة تقرير رسمي عن الحالة في السودان ، مع تحليل دقيق لوضع الدولة المهدية وحكم الخليفة ومواضع الضعف والقوة ، و قد ضمن بعض فقرات ذلك التقرير الهام في كتابه المذكور. ولعل من أهم الأشارات التي وردت هي أنتباه المهدي الي الدين كعامل توحيد بين القبائل السودانية المتناحرة، ولكن سرعان ما تحول الدين حسب زعمه من عامل توحيد الي عصبية دينية بفعل الممارسات والسياسات الخاطئة من قبل الخليفة. وأكد علي غياب الدفع الروحي والسلطة الدينية بوفاة المهدي، فأضطر الخليفة لأستخدام سلطة الدولة ومسوح الدين للحفاظ علي حكمه. وعكف سلاطين علي تحريض الحكومة المصرية والدول الأروبية الأخري للأسراع بأعادة فتح السودان، معددا كثيرا من الأسباب، منها أهمية السودان الأستراتيجية لمستقبل مصر لتأمين تدفق المياه، والحصول علي العبيد للجيش، ولكن الأهم بالنسبة للحكومات الأروبية والبعثات التبشيرية هو أنهاء بؤرة التعصب الديني في أفريقيا ، وتحرير الأسري والأرقاء المسيحيين من الأروبيين والأحباش. وقال سلاطين في كتابه (من الواجب أن أقر ليس مدفوعا بنزعة الثأر لنفسي مما قاسيت من ويلات ، ولكن مدفوع بوازع الضمير ، بأني لا أستطيع ذكر أمة ظلمت في حياة المدنية أكثر من نصف قرن ، ثم هبطت في الدرك الأسفل من الهمجية غير السودان،حيث أصبحت المهدية عقبة كأداء في سبيل المدنية الناهضة). وأمعانا في أضفاء بعد درامي علي ما أسمهاه الهمجية والبربرية في السودان ، قال أن 75% من سكان السودان ماتوا نتيجة للحروب والمجاعات والأمراض ، وتبقي 25% يعيشون تحت الظلم والعسف والأضطهاد. وأشار الي  أن المهدية أوقفت المدنية الناشئة في السودان، وردته الي الظلام، وأقر بأن السودان كان يعتبر زهرة المدائن في أفريقيا حيث كان يتمتع بقدر وافر من الحضارة والمدنية مقارنة ببقية أنحاء أفريقيا الأخري ، ولكن مع المهدية تدهور السودان ، في الوقت الذي أخذت فيه المناطق الأفريقية الأخري في التطور والنمو والتمدن نتيجة للحكم الأروبي المستنير.

في تحريضه لأعادة أستعمار السودان ، قال إنه من الجنون المطبق نجاح ثورة داخلية للأطاحة بحكم الخليفة،لذا لا بد من تدخل قوة خارجية لأن حكم المهدية غير قابل للإندراس إلا بمؤثر خارجي. وهكذا ظل سلاطين يحرض القوي الأروبية الأستعمارية لغزو السودان، وزار في هذا الصدد العديد من العواصم الأروبية ، وزار لندن في أغسطس 1895 حيث حضر أجتماعات الجمعية الجغرافية، وهناك تفاجأ بسيفه النمساوي الذي فقده في دارفور منقوشا عليه أسم سلاطين باللغة العربية يعاد إليه بواسطة جون كوك أحد رؤساء شركة كوك البريطانية الذي أقتناه من أحد الأعراب بمصر بعد معركة توشكي. فقال كيف لسيف أضعته في دارفور أن أسترده في لندن.

وضع سلاطين نصب أعينه أسقاط حكم الخليفة، وأنهاء الدولة المهدية بغزو خارجي لأن سلطان الخليفة قادر علي سحق أي ثورة داخلية. وأعترف سلاطين أن الخليفة عبدالله هو أعدي أعداءه طوال حياته في الدنيا. يكشف كتاب سلاطين (السيف والنار في السودان) الأسباب الحقيقة لأعادة أستعمار السودان، ولعل العلاقة بين الخليفة عبدالله وسلاطين هي العامل الحاسم الذي أدخل الصراع بين المهدية وقوي الأستعمار الأروبي الي دائرة الضوء مرة أخري.لقد كانت المعركة بين سلاطين والخليفة عبدالله هي معركة ذكاء في المقام الأول ، أشبه بمعركة الشطرنج بين أمهر اللاعبين.أستطاع الخليفة أن ينتصر في الجولة الأولي بذكائه وحنكته وسلطانه، حيث عاش سلاطين لمدة أثني عشر عاما ذليلا بين يدي الخليفة يسعي لرضاه،ويقف علي باب بيته طوال اليوم، ويقبل يديه، ويستعطفه ليبقي علي حياته في جو من الدسائس والفتن السائدة.وكان الخليفة يضع سلاطين تحت مراقبته الدائمة حتي لا يهرب، لأن فراره يعني الأستعانة بقوة خارجية للأطاحة بالمهدية.كانت المعركة بينهما أشبه بلعبة القط والفأر، وكان الخليفة يعلم أن سلاطين إذا تمكن من الهرب سيعود يوما للأنتقام الشخصي علي ظهر قوة أجنبية، مهما برع في إلباس الغزو لبوس المدنية والحضارة.

مع أهمية الأسباب التي سردتها أسفار التاريخ عن أعادة غزو السودان، ولكن يظل سلاطين باشا، وكتابه (السيف والنار في السودان) العامل الأهم الذي دفع البرلمان البريطاني لأجازة قرار الغزو من جديد. كما جدت عزيمة مصر لأستعادة نفوذها بعد أن زين لها أهمية مصالحها الأستراتيجية في السودان.عاد سلاطين في جيش كتشنر الغازي، ولكن تعمد كتشنر وضعه في الصف الثاني حتي دخول أم درمان خوفا من كارزميته.وتولي من بعد ذلك التفاوض مع زعماء القبائل للتسليم وحقن الدماء. لقد أنتصر الخليفة عبدالله في الجولة الأولي،ولكن سلاطين أضمر الرغبة في الأنتقام فجاء في معية الجيش الغازي بأسم المدنية والحضارة. وبهذا يظل كتاب السيف والنار أكبر وثيقة هجاء في تاريخ المهدية،ورغم ضعف مصداقية سلاطين في سرده للحقائق التاريخية في عهد المهدية لأنه تذوق في عهدها مرارة الهزيمة وذل الأسر ، إلا أنه أستطاع أن يقنع القوة المؤثرة في بريطانيا لأعادة غزو السودان. لقد قسا سلاطين علي الخليفة عبدالله لدوافع الأنتقام الشخصي،ولكنه من ناحية أخري أنصف كثير من عوائد أهل السودان. لهذا يقول بول حفيد سلاطين باشا أن جده أنصف السودانيين وكان يفرق بين حكم المهدية وبقية أهل السودان. ولكن كما قالت صاحبة أحدي الأندايات في دارفور لأحد عسسه إن الجنود عند سكرهم يقولون إن سلاطين رجل طيب إلا أن عيبه الوحيد أنه مسيحي. لذا يصبح من العسير علي أهل السودان أن يصدقوا رجل تقلب في ديانته وعقيدته من أجل أستمالة ولاء جنوده،وأن يضمر مسيحيته 16 عاما يشهد الصلوات الخمس في المسجد، و يكر مسبحته مصليا علي النبي (ص) ولكن في سريرته يعبد الله الذي يعرفه في عقيدته المسيحية.

لقد كتب سلاطين سفره (السيف والنارفي السودان) ليخاطب ذهنية وعواطف المجتمعات الأروبية التي كانت تظن أن لها مهمة حضارية لتمدين أفريقيا.وحاول أن يصور نفسه طيلة فترة أقامته في السودان لمدة ستة عشر عاما بصورة الفارس الأروبي النبيل،الذي أستعلي علي الواقع المتخلف وأستخدم الحيلة والمكر والذكاء للحفاظ علي حياته.  ولكن من المهم كذلك، أن نعترف أن كتاب السيف والنار قدم وصفا للحالة السياسية والأجتماعية في السودان، ورغم ضعف مصداقية الكاتب، إلا إنها تمثل جزءا من الحقيقة. يختلف الناس في حيثيات ووقائع التاريخ ودور الأفراد فيه، ولكن يظل الأمام المهدي هو الأب المؤسس للدولة القومية السودانية الحديثة رغم أنف سلاطين باشا.

(نقلا عن الأحداث)