لم أجد في الحياة الثقافية المعاصرة رغم اضطراباتها وانشطاراتها مثقف سوداني أزري بلقبه العلمي الرفيع من الدكتور عشاري محمود خليل، لا لقصور في أدواته المعرفية فهو قد نال درجة الدكتوراة  من جامعة مرموقة في الولايات المتحدة واكتسب دربة علي البحث والإستقصاء، وظل باحثا لغويا وناشطا حقوقيا  يسبح في غدق الوظائف الأممية والمراكز البحثية عقودا طوال، لكنه يفتقد الي نبل الخصومة الفكرية وضمير المثقف الحي. وهما خصيصتان لا تكتسبان بغدق الوظائف الدولية، ولا أمتلاك الأدوات الفنية ولا طلاقة اللسان باللغات الأجنبية التي تتوفر لكل ناشط حقوقي مبتديء ، لكنه معنيًً  عزيزاً يقر في قلب المرء يعطي للمثقف معني أن يكون ضميرا حيا لمجتمعه، حاملا للمعرفة ومعبرا عن الحقيقة.

ولا اظن أن مثقفا مثله حاز علي خبرة دولية معتبرة في المنظمات الأممية، تعجزه مواهبه في سلق نظام الحكم في السودان بألسنة حداد من المنطق والموضوعية، لا سيما وهو يتوفر علي مادة مغرية من قصور التدابيرالفكرية  والسياسية لنقد نظام الحكم في السودان، ولكن لأن هذه مهمة تتطلب قدرا من العمق، واعمال الفكر والمصداقية والموضوعية والإصطبار علي مكاره الحوار مع الآخر فقد تخطاها، وأرتهن الي ما هو أدني في مدارج السالكين من الهتافيات و مراتب للغرب نعبد وبه نستعين.

محضني الناصحون خيطا حتي لا استبينه ضحي الغد، لعلي ازدجر عن الرد علي مقال دكتور عشاري (الاستاذ خالد موسي والكتابة الإحترافية المتدبرة: أنحراف وخداع وتدليس)، الذي نشره في موقع (سودانايل) وبعض الصحف الألكترونية، لما عرف عنه من هدر لغوي بالغ السخاء فيما لا يفيد، وتمحك فكري، وتهافت في المنطق، واعورار في ابتغاء سبل الحكمة ومضارب نبعها. وقد التمست زهدا في محاورته من جميع من شغب عليهم وحاول مغايظتهم ومناظرتهم في قضايا فكرية وسياسية أو أحداث في تاريخ السودان الحديث، لا لعجز في البيان أو حصر في اللسان أو عي في المنطق، ولكن زهدا في مجاراة من إهتام لنفسه مقارعات في الحجاج اللفظي والمنطق الدائري الذي لا يستهدى معرفة أو يستحصد حكمة  بل ايغال في لجاج فاحش وتفتيش في ضمائر الخلق. والفاحش هنا ليس بالسيء بل هو لكل معتل في قوله متجاوز في جوابه.وظل الدكتور عشارى في معاركه الهوائية الممتدة يعبر عن نرجسية لا تليق بالمثقف الحقيقي ، فكل معاركه تدور حول ذاته المطلقة، فتارة هو البطل الحقوقي الأوحد الذي ألزم السيد الصادق المهدي الحجة في تقريره الشهير مع الدكتور سليمان بلدو عن مذبحة الضعين، وتارة هو المدافع عن حقوق الضحايا في مذابح الحرب بين الشمال والجنوب في دار الرزيقات في معاركه القلمية مع دكتور الوليد مادبو، وتارة ثالثة هو افضل من يفهم في السياسة والإقتصاد والتاريخ في معاركه مع خالد التيجاني ومصطفي البطل. وأخيرا هو من يحمل سيف العدالة لتطهير النظام القضائي في السودان في قضية أسرية خاصة اهرق فيها حبرا يكفي لتحرير الغازيته الرسمية منذ استقلال السودان.

تمتليء الصحف والمجلات والمطبوعات ومواقع التواصل الإجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة كل يوم بأرتال من المناظرات والمحاورات والمقاربات الفكرية والسياسية والثقافية، التي ترتقي بمستوي الحوار واسلوب الحجاج بين أهل الثقافة والفكر، ولا أجد حرجا أن اصف محاولات الدكتور عشاري في الجدل والمناظرة والحجاج والنقد بأنها استرخاص لمعني الحوار في ميزان العدل العلمي والنظر الموضوعي. انقدح في صدري أن الدكتور عشاري يعاني من انفصام فكري واضح، لأنه يمتلك الأداة المعرفية والموهبة والتأهيل والخبرة المكتسبة من العمل الأممي في مجال حقوق الإنسان، ورصدت مقالاته ومحاوراته وتقاريره ومحاضراته في العديد من مواقع عمله ونشاطاته في الغرب، ووجدتها تتحلي بالإحترام والموضوعية التي تليق بالمثقف والمهني الحاذق، لكن تتحول كل هذه المزايا الي موبقات، وكرات غضب حارقة عندما ينزلق للحوار في قضايا السودان ماضيه وحاضره مع مخالفيه في الرأي.

تكاد تخلو مظان المعلومات المتاحة من سيرة ذاتية مكتملة للدكتور عشاري، لكنه مثقف واستاذ جامعي مشاغب ومهني مشغول بالوقوف أمام كاميرات المنظمات وأوراق التوظيف ومراكز البحوث في كل مدن الغرب، وملاك رحيم ومدافع صميم عن حقوق الإنسان في كندا وامريكا وبريطانيا، وعندما يتحول من المناخ البارد والصالات الصقيلة الي المناخ الاستوائي في السودان يتنازل عن كل مزايا المثقف والمنطق والموضوعية ويحول الراديو الي موجة الخطاب الهتافي الشاتم والغاضب. فخطابه في الغرب مهنيا وموضوعيا ومتماسكا، وخطابه في السودان مهلهلا و مشتتا ومشذّراً، وتلك أحد أكبر علامات الفصام الفكري، إذ يجدر بالمثقف أن يكون متسقا متوازنا مستقيما في فكره ومنطقه مع اعدائه ومع نفسه أيضا، فلا أجد له مبررا أن يكون استاذا جامعيا  محترما في أمريكا أمام العيون الخضراء والشعور الشقر وهتافيا في السودان أمام العيون العسلية والقامات التي لا يتعدي طولها خمسة أقدام وست بوصات، حسب الوصف الرسمي في بطاقات الهوية.

وقفت الناشطة الحقوقية الراحلة جميرا رون مسئولة ملف السودان في منظمة هيومان رايتس ووتش في واشنطون في الحفل السنوي لإحدي المنظمات في فلوريدا بامريكا، وقالت معقبة علي حديث أدلي به دكتورسليمان بلدو أنها فخورة وهي تري أمامها شجرة غرستها بيدها إذ أوصت في أحد تقاريرها عقب عودتها من زيارة للسودان أن تتبني المنظمات في الغرب كل من دكتور عشاري وبلدو بعد تقريرهما المشهور عن مذبحة الضعين، لأنهما قادران علي حمل رؤية الغرب عن حقوق الإنسان الي تلك البقاع في أفريقيا، وقالت فخورة أنها تلمس الآن صدق حدسها وفراسة تقييمها في تبني دكتور عشاري وسليمان بلدو لينهضا بعبء قضايا حقوق الإنسان في السودان وفق رؤية الغرب. وتلك شهادة صادقة من ناشطة حقوقية ظلت ممسكة بملف السودان في منظمة هيومان رايتس ووتش لما يقارب العقدين من الزمان. وحتي لا يتهمني بالتدليس فقد كنت شاهد عيان علي قولها سمعته بأذني ووعيته بعقلي.

بحثت في كل مظان المعرفة الممكنة لأتلمس الإسهام الحقيقي للدكتور عشاري في مسار الثقافة السودانية الراهنة، فلم أجد سوي أرتال من الشتائم في مقالاته تجاه اركان الحكم والحكماء والمثقفين علي مدي تاريخ السودان في عهوده الديمقراطية والعسكرية، ويقف تقريره عن مذبحة الضعين أنجازه الأوحد الذي فتح له أبواب الشهرة ومراكز الغرب، ونشرت له بحوث لغوية متفرقة عن التعريب والهوية في السودان اثناء حرب الجنوب. ويعد خبيرا متنقلا في مجال حقوق الإنسان وعمل في معسكرات النازحين وله أهتمام بقضايا الأطفال والنزوح في المعسكرات بحكم وظيفته في اليونسيف. وإذ وازن أي باحث حقيقي بين أنجازاته في مجال المعرفة والفكر والثقافة السودانية أو حتي التثقيف في مجال حقوق الإنسان و بين معاركه الهوائية وشتائمه وذاتيته ونرجسيته لوجد الأخيرة أثقل في ميزان العدل من الأولي. ولا ينكرن أحد تميز أوراقه المهنية في تخصصه عن حقوق الإنسان وحماية الأطفال والإتجار بالبشر، لكن يخالطها سوء الإستشهاد بالسودان، ففي ورقته الإستشارية ضمن مقرر التدريب في كلية نايف الأمنية بالمملكة العربية السعودية عن "الأطفال في وضعيات الاتجار:التعريف والمعايير الدولية والأطر البرنامجية" يقول عن السودان أن وضعية الأطفال المخطوفين بقوة السلاح من جنوب السودان تتأرجح بين الإسترقاق والخطف، دون أن يعمل معايير تعريفاته ليرجح أن ما جري في دار المسيرية والرزيقات هو جرائم ضد الإنسانية.

اصبح تقرير مذبحة الضعين للدكتور عشاري مثل بيضة الديك الذهبية،  إذ خلا وفاضه بعدها من أي عمل ملموس ذي اثر، و إذ صدق التقرير المشار اليه في تسليط الضوء علي التجاوزات والإنتهاكات واثبات وقائع الجريمة المزعومة، فإن الضمير الحي يستلزم ان يكون هذا التقرير وثيقة وطنية خالصة تستخدم لممارسة الضغوط علي الطبقة السياسية وحشد الدعم والتنويه بهذه الإنتهاكات في إطار منظومة المؤسسات الوطنية والحراك السياسي الداخلي، من اجل المحاسبة وأنصاف الضحايا، مهما بلغ الكيد وعز النصير. لكن استغلال هذا التقرير والترويج له وسط الدوائر الدولية المعادية واستخدامه للتكسب من اجل الحصول علي الوظائف الدولية والأممية فهو يطعن في صميم ضميره كوطني مثقف، وقد أعترف الدكتور عشاري أنه أرسل 1500 نسخة من الكتاب بعد اصدار ترجمته الإنجليزية الي جون قرنق الذي وزعه علي الرؤوساء الأفارقة، وتبنت الحركة الشعبية توزيع طبعة خاصة بعد تصحيح الأسماء وإضافة بعض الرسومات والتوضيحات. فهل هذا فعل يندرج تحت التحقيق والتوثيق لانتهاكات لحقوق الإنسان أم يقع تحت بند تقديم الدعم السياسي لجون قرنق؟. وقد أكدت سلسلة المقالات التي نشرها دكتور عشاري عن كتاب مذبحة الضعين عن حقيقة هدفه الأيدلوجي المذكور وهو تقديم الدعم السياسي لجون قرنق الذي احسن استغلال السانحة في شحذ ماكنة دعايته السياسية ضد الحكومة الوطنية، مما يرجح الظن حسب اعترافه أنه كان أكثر حرصا علي دعم جون قرنق من كشف جريمة  المذابح والإنتهاكات.

وجدت دكتوري عشاري وهو يسير بتهمة الكتابة المتدبرة والتدليس في مقالي عن "ترجيحات السياسة و اختلالات الاقتصاد في تقرير الإيكونومست عن السودان"، مغرما بإستخدام كلمة احتيال في وجه جميع مخالفيه من ذكر وأنثي، ففي مقاله عن أمبيكي يقول (أهمية الرد كتابة عن احتيال أمبيكي)، وفي رده علي بعض المناقشات في الوسائط الحديثة يقول في مطولاته و حولياته في ذم القضاة (وصدقني أن عمر البشير وحميدتي والتانين عليهم نور، مقارنة بالمجرمين من القضاة. لأنهم عندهم طريقة شيطانية للإفساد، ليس هنا مجال توضيحها. فقط أقول لك إن فسادهم بالكتابة. بيعملوا ملايين من الكتابة الاحتيالية). ولا أري سببا و مبررا موضوعيا لمثقف مثله يسهب في استخدام هذه الكلمة في كل من يخالفه الرأي ووجهة النظر، ربما لظنه أنها منتهي التجريم الأدبي والسياسي، فأمبيكي محتال والقضاة محتالون بالكتابة وخالد موسي محتال بالترجمة. ألا يكشف ذلك عن عصاب لغوي وتزّيد فكري، وصيغة اتهامية جاهزة لكل مخالفيه بإرتكاب فعل الإحتيال دون حكمة أو كتاب منير.

يغلب الظن عندى أن الدكتور عشاري قد أصابه داء مهني، وهو ما يسميه هو نفسه (الغزل التطبيبي)، ويصف عشاري هذا الداء بأنه أحد اساليب مدارس الدعاية والتسويق التجاري الذي يتسرب الي اللاوعي للتصدي للهجمات الإعلامية وأحد أعراضها الإنكار والإغراق في الطنطنة. وهو ذات ما يعاني منه دكتور عشاري، إذ يطنطن بمقالاته العشريات كلما همس في اذنه هامس أو تصدي له مخالف أو عارضه محاجج. إن خطاب الغزل التطبيبي كما يصفه عشاري نفسه  يتسم بغياب الصدقية، ويدخل في خانة الدعائية، و يكون فاسدا في ذاته. وهذه مناسبة أخري لأجهز نفسي لمحاضرة مجانية في سلسلة مقالاته القادمة للرد عن اصل المفهوم وقلة فهمي له وتدليسي في التعبير عنه، ولن ينسي أن يدخل كلمة أحتيال في نقل النص.

أغمط  دكتور عشاري لنشاطه الثر والفاعل في الكتابة وتسطير عرائض الإتهام والتفتيش في ضمائر الخلق، والقدرة علي أجترار الشتائم، وفحش اللغة مثل قوله عن القضاة.       ( الدفع قبل الرفع و كل القضاة كانوا تحت مركوب السيد الصادق المهدي)، فهل هذه عبارة تصدر عن مثقف علي الهواء مباشرة؟.فهي من ناحية الوصف والقاموس تبدو صحيحة لكنها جارحة المعني تفتقد للحساسية الإجتماعية التي يجب أن يتحلي بها المثقف.

وقبل أن يكمل دكتور عشاري سسلسة مقالاته لتفنيد مقالي عن تقرير الإيكونومست، والتي سيمنحها هذا الرد مزية التوالد والتكاثر كما الباعوض حول البركة الآسنة،أذّكره  أنني لست مترجما متهافتا،أرجو خيانة النص، بل قارئا شارحا ومحللا لمحتوي التقرير، وما أكتبه هو تناص في الفعل الأدبي والمعرفي، واسعد بحوار جاد علي المستوي الفكري والإنساني دون هتافيات علي موجة ما يطلبه المستمعون، وأعلم أن له اليد الطولي في ذلك بحكم التخصص والخبرة والدربة والتجربة وهو الحاصل علي درجة الدكتوراة من جامعة جورج تاون في نهاية عقد السبعين من القرن الماضي في الأنثربولوجي واللغويات.

يعتز دكتور عشاري بقشيب علمانيته، وبريق يساريته وسعة كأسه في الإغتراف من معارف وثقافة الغرب مستكثرا علي من يخالفه الرأي ويصغره بأجيال أن يكون له القدرة في القراءة من ذات المصادر التي يعتز بأنه أبن بجدتها، ورفيق حاناتها، وأن يحتكر حق الحكم علي المعرفة والثقافة والتصحيح بالقلم الأحمر علي كراستى المدرسية. علي دكتور عشارى أن يصحو من غفوة نرجسيته التي طالت واستطالت، فليست خبرته الدولية والحقوقية والأكاديمية كافية أن تنصبه ديناصورا للمعرفة، ولا تخصصه اللغوي وتمرسه القانوني وحذقه واتقانه للغات الأجنبية معاييرا كافية للتنطع الفكرى. لأنه وردة مصطنعة أنتجتها مصانع البلاستيك في الغرب ، ونحن نبت حديقة طبيعية نمت تحت سخو الخريف ووهج الشمس وارعاد السماء وبريق الزوابع، ولأنه يفتقد نبل الخصومة الفكرية وهي تصدر من معني الإنسانية والإستقامة الفكرية في تقبل الرأي ومحاورة الآخر، كما يفتقد أيضا ضمير المثقف الحى وصدقيته في التعبير عن قضايا أمته، وليس بيع آلامها وآمالها لجون قرنق والغرب وجحافل اليسار الجزافي وهو يشن حربا دموية علي الوطن والشعب في أكثر المنعطفات دقة في تاريخه الحديث.

وحتي لا تشطح في توزيع الألقاب واستخدامها مبررا لحظوة المغنم في العمل المهني والدبلوماسي  أعلمك فقط أنني لست سفيرا ، بل انعم بدرجة الوزير المفوض التي نلتها إرزاحا في سلم التدرج الهرمي منذ عقدين من الزمان، ولو كانت الأقلام تجري علي حجي الرضا والنوال، لما تقطّر لي طرس أو مداد، لأن ذات وزراء الإنقاذ أزروا بأقدار الترقي والصعود المستحق، لكن مظنة الدفاع عن المصلحة الوطنية للدولة هي التي رجحت كفة التجانف عن السعي، لتبقي نواطيرا مستيقظة تزود عن العناقيد بشم الذئاب وبطان الثعالب

يبدو ان الدكتور عشاري يعاني من وحشة المعاش ولم يتهيأ له بإعداد كرسي القماش ولعب السيجة وهو لا يحتمل نباح كلابها كما قال البروفيسور الراحل علي المك فاحتالت عليه لتحاكي صرير أقلامه وتردد صدي صوته،،  

(نقلا عن السوداني)


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.