عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

    مع تصاعد مطالبات الحكومة بإنجاز استراتيجية خروج بعثة اليوناميد من دارفور ترتفع اصوات أخري محذرة من إنهيار اقتصادي وشيك في مدن دارفور الكبري لإعتمادها التام علي ريع وتجارة الغوث الإنساني والخدمات المرتبطة بها. وتمت تغذية هذه المخاوف بتقارير المنظمات الدولية التي حاولت ان تستثمر في عوامل حماية المدنيين داخل المعسكرات، وكذلك الترويج لضعف بنية الإقتصاد المحلي.

    جاء الي مدينة نيالا أثناء أزمة دارفور ثلاثة من الباحثين الأمريكيين وهم الدكتورة آن بار ليت من جامعة سان فرنسيسكو، والدكتور جافيير أليكس غارسيا من جامعة ويسكنسون والباحث ديفيد ساهـ، من جامعة سان فرنسيسكو لإجراء دراسة ميدانية عن أثر نمو الحواضر والمدن تحت شروط الصراع، متخذين من مدينة نيالا نموذجا لذلك. أي أثر الحرب علي النمو الإقتصادي والحضري للمدينة. واستعرضت الدراسة مستعينة بالمعلومات والمقابلات وصور الأقمار الصناعية التطور الحضري والتاريخي للمدينة، مشيرة الي أنها شهدت قفزات نمو هائلة في البنيات العمرانية والخدمات والكتلة السكانية أثناء فترة الصراع الأخيرة. وأبانت صور الأقمار الصناعية اتساع امتدادات المدينة جغرافيا وديمغرافيا منذ العام 1972 حتي الوقت الراهن، مما جعل من الطبيعي أن تتخطى الموقع التاريخي لمدينة  ود مدني لتحتل المرتبة الثانية بعد الخرطوم في عدد السكان بتعداد يتجاوز 3 مليون نسمة. ويترافق مع ازدياد كتلة السكان توفر خليط هائل من تنوعات اجتماعية وأثنية متباينة تتزاحم علي فضاء المدينة من المقيمين والنازحين وموظفي الإغاثة الدوليين. وتقول الدراسة التي صدرت في دورية (مجتمعات المدن) الصادرة من جامعة سان فرنسيسكو مؤخرا إن تاريخ المدن الأفريقية يؤكد تنامي العنف والجريمة والفقر مع توسع المدن وبروز الحواضر لأنها تبرز علي الدوام نتيجة للتناقضات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية لا التطور الطبيعي.لكن تمثل مدينة نيالا نموذجا مختلفا لأن تزايد معدلات النمو الإقتصادي والسكاني والبناء الحضري تنامي جنبا الي جنب مع تصاعد وتيرة الحرب في الإقليم. لذا لم يبد بروفيسور أوفاهي المتخصص في تاريخ دارفور منذ بداية عقد الستين من القرن الماضي دهشته الحارة من تدفق الدراسات الدولية عن دارفور من مختلف جامعات ومراكز أبحاث العالم منذ العام 2004. ولكن يقف بروفيسور أوفاهي علي دراستين أولاهما اهتمامه هما كتاب الفرنسية مدام توبيانا ماريه جوسيه وزوجها الذي اشتمل علي مذكرات رحلتها في الإقليم في بداية عقد السبعين، وكذلك رسالة الدكتوراة التي انجزها الباحث عثمان عبدالجبار في جامعة الخرطوم عن تاريخ الزغاوة في السودان وتشاد، التي وصفها أوفاهي بالإحاطة والشمول. كما قرظ التوثيق الصحفي الذي قدمه كل من أليكس دي وال وجولي فلنت عن (دارفور:تاريخ قصير لصراع طويل).

    منذ صدور كتاب البروفيسور محمود ممداني الأستاذ بجامعة كولمبيا بنيويورك عن دارفور (ناجون ومنقذون) الذي احدث ضجة في الأوساط السياسية والأكاديمية والذي شكل تحديا للمجموعات الناشطة والمتكسبة من قضية دارفور، لم تخرج دراسة أحدثت أثرا ملموسا في رؤية الصراع في دارفور مثل الكتاب الذي اصدره مركز الجزيرة للدراسات (دارفور حصاد الأزمة بعد عقد من الزمان) الذي تولي تحريره الدكتور عبدالوهاب الافندي وسيدي أحمد ولد أحمد سالم. ويتميز هذا الكتاب فضلا عن التنوع والعمق التحليلي أنه استكتب اثني عشر عالما وباحثا، منهم عشرة من كبار الأكاديميين والباحثين في السودان علي رأسهم الطيب زين العابدين والتيجاني عبدالقادر وبلقيس بدري وخالد التيجاني النور ومحمد محجوب هارون ومحمد الامين خليفة وغيرهم. كما شارك فيه البريطاني أليكس دي وال والفرنسي جيروم توبيانا.واختلفت تحليلات الكتاب في جذور الأزمة بين من يري انها نتيجة لإشكالية التخلف والاهمال من الحكومات المتعاقبة مثل الطيب زين العابدين الي من يري ان المشكل يعود الي جذور نشأة الدولة السودانية الحديثة علي اسس استعمارية خديوية استعلت فيها الدولة علي المجتمع وهيمنت عليه كما قال التيجاني عبدالقادر. كما وقف خالد التيجاني النور علي اثر التنافس القاتل علي الموارد المحدودة مع تنامي عدد السكان والتدهور البيئي والمناخي الذي اثر علي الموارد الطبيعية. وهو ما اشار اليه ايضا محمد محجوب هارون وهو يري أن الغني النسبي بالموارد مقابل التخلف التنموي هو أحد اسباب الأزمة، معلنا تخوفه من تحول دارفور الي محميات تحت سيطرة حاملي السلاح وشباب القبائل. كما تميزت ايضا مساهمات اليكس دي وال وهو ينظر للدور الاقليمي وتقلباته الممتدة و تدخل الاتحاد الافريقي وهو يبلور رؤيته لحل النزاعات في القارة، كما سلط الفرنسي توبيانا الضوء علي تقلبات الموقف الدولي واستخدام سلاح العقوبات ضد الافراد.

    يوجد شبه اجماع بين الدارسين والمهتمين ان المساهمة المحترمة والعميقة التي قدمها هذا الكتاب عن أزمة دارفور الذي اصدره مركز الجزيرة للدراسات بإشراف الدكتور صلاح الزين مدير المركز تعتبر من أميز و افضل الدراسات في مجالها، وهي تقدم رؤية لعدد من ممثلي النخبة السودانية في تحليل وكيفية معالجة أزمة دارفور. وفي ذات السياق صدر مطلع هذا العام عن  معهد ميشلسن في بيرغن بالنرويج دراسة جديدة عن دارفور بعنوان (دارفور صراع السلطة والموارد. وجهة نظر مؤسسية)، للباحث يوسف سليمان سعيد تكنه، وهي عبارة عن دراسة أهلته لنيل دراجة الدكتوراة بجامعة الخرطوم عام 2013، قام المعهد النرويجي بترجمتها ونشرها باللغة الإنجليزية. وهذه الدراسة التي تميزت بالإحاطة والشمول هي مشروع اكاديمي مشترك رعته جامعة بيرغن ومعهد ميشلسن وجامعة الأحفاد ووزارة الخارجية النرويجية . إذ لم  يكتف الباحث بتحليل عوامل التطور التاريخي والسياسي لسلطنات دارفور المتعددة، أو تحليل سياسة الأراضي والحواكير، بل توسعت لتشمل النظم القانونية والمؤسسات التقليدية عند عدد من القبائل مثل المساليت والبقارة وغيرهم، و قانون الدالي العرفي ونظام الدملج، كما تناول أثر التدهور البيئي والمناخي والهجرة والنزوح وكذلك انهيار الإدارة الأهلية وما ترتب عليها من اشتداد وتيرة الصراع وتعميقه في دارفور. تميزت الدراسة أيضا باستنطاق اعداد كبيرة الزعامات القبلية والمشاركين في الصراع، مما أعطي البحث اصالة أكاديمية وهو ينظر للأحداث في دارفور بأنها انعكاس انثربولوجي للماضي وأثرها علي الواقع الحاضر. استند الباحث علي خبرته الإدارية الواسعة المستمدة من بيت النظارة في دار الهبانية وكذلك من مشاركاته السياسية في مختلف الحقب والعهود في العمل السياسي علي المستوي الإقليمي والمركزي.

    لا شك أن كل هذه الأعمال والإسهام الأكاديمي والبحثي المتميز يمكن أن تشكل أضافة نوعية للنخب ومؤسسات الدولة المختلفة في بلورة رؤي وبرامج سياسية وتنموية لحل الصراع والإشكال القائم في دارفور، تستكمل ما بدأته الدولة من جهود وتسويات لإيقاف الحرب واستدامة السلام.

    لكن تتميز الدراسة التي أنجزها الباحثون الأمريكيون والتي استعرضنا فرضيتها الأساسية في صدر هذا المقال عن أثر الصراعات في النمو الإقتصادي والحضري في مدينة نيالا بإفتراع خيط يحفل بإختلاف نوعي في حقل الدراسة خاصة في المنطقة الأفريقية، لأنها اعتمدت علي رصد التحولات الفعلية علي الأرض بالإحصاء التنموي والديمغرافي والرصد والتحليل والمقابلات الشخصية المباشرة وكذلك صور الأقمار الصناعية مما يقدم صورة تقريبية للواقع، أكثر من التحليل النظري الذي أشبعه الدارسون استعراضا وبحثا من قبل.

    لقد أثر اقتصاد الحرب علي تشكيل النمط الحضري لمدينة نيالا من عدة أبعاد، منها رفع اسعار العقارات خاصة في وسط المدينة الي أضعاف مضاعفة تضاهي معدلات الإيجارات في المدن الكبري في العالم مثل لندن وشيكاغو، وقد دفع ذلك الشرائح الإجتماعية الفقيرة ومتوسطة الدخل للنزوح الي اطراف المدينة لعدم قدرتهم علي تحمل كلفة السكن الباهظة ،  مما جعلهم أكثر عرضة للمخاطر الأمنية، هذا فضلا عن تزايد الضغط علي الخدمات والبنيات الأساسية التي لم ترتفع طاقتها التصميمية لتلبية أحتياجات المدينة القديمة. ونسبة للخليط والتمازج الذي جمع بين أهل المدينة والتجار والنازحين وموظفي منظمات الغوث الإنساني اصبحت نيالا مدينة كوزموبلوتانية وعالمية الملامح، حيث تنتشر فيها المقاهي والمقاصف علي النمط الغربي، وتنوعت الخدمات من المشروبات والمأكولات وطالبي المتعة ، في ظل وجود تدفقات نقدية كبيرة خاصة لدي موظفي الوكالات الدولية. أدي هذا النشاط الإنساني ايضا الي توظيف أعداد كبيرة من شباب المدينة في النقل والخدمات وأعمال وبرامج المنظمات المختلفة، خاصة مع توسع وتمدد معسكرات النازحين في المدينة. خطورة هذا النمط الإقتصادي الذي يعتمد علي نشاط المنظمات الإنساني وكذلك عمل بعثة السلام الأممية المختلطة (يوناميد)، في أنه خلق نمطا من الإعتماد المتبادل خاصة مع زيادة النمو الحضري والسكاني وأتساع رقعة البناء العمراني نتيجة للتدفقات المالية المرتبط بنشاط وعمل المنظمات، وكذلك تشغيل الشباب مما قلل من معدلات البطالة وسط الشريحة الشبابية العاملة. وأمتد الاثر السالب للنزاع و اقتصاد الحرب  لبروز شرائح أرتبطت مصالحها بإستمرار هذه الصراعات، لأن تجفيف هذا النزاع ووقف الحرب وعودة النازحين الي قراهم يعتبر نكسة أقتصادية لعدد كبير من المستفيدين خاصة في قطاع العقارات والخدمات وكذلك النشاط التجاري السائد في المعسكرات خاصة بيع و مقايضة السلع الغذائية بأخري في السوق المحلي. ساهم هذا الإقتصاد أيضا في أدخال أنماط جديدة من الأساليب الإجتماعية والثقافية المستحدثة خاصة في المقاصف التي ادخلت أنواع متعددة من الأطعمة الإيطالية واللبنانية والتركية والمصرية والأثيوبية وكذلك أنتشار المقاهي علي النمط الغربي مثل مقهي (بيتلز) في وسط المدينة.

    أهم ما تقدمه هذه الدراسة أنها تنبه الي أبعاد أخري غير منظورة في بنية الإقتصاد المحلى في مناطق النزاعات، وهي ارتباط النمو الحضري والإقتصادي مع استدامة وبقاء الصراع كما يحدث الآن في مدينة نيالا. وهذا يشير الي أهمية تبني حزمة من المعالجات المتنوعة والمختلفة، إذ يفرض ذلك ضرورة تعويض الإقتصاد المحلي مع خروج هذه المنظمات بمساعدات قوية من المركز لإستدامة معدلات النمو الحضري والعمراني والإقتصادي وتخليصه تدريجيا من إعتماده التام علي أنماط أقتصاد الحرب واموال المنظمات الإنسانية. ولعل العامل الأكثر خطورة هو فقدان اعداد ضخمة من الشباب العاملين في هذه المنظمات لفرص العمل التي خلقها اقتصاد الحرب والغوث الإنساني مما يرجح تلقائيا زيادة نسب البطالة، وهذا سيصب في تغذية حركات التمرد بمزيد من الغاضبين والعاطلين عن العمل.