عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

    هل كان انفصال جنوب السودان تعبيرا عن اتفاق سكوتي بين النخب الحاكمة في الطرفين؟، ام ان النخب الشمالية استثقلت تراكم فاتورة الدين الوطني في الدفاع عن وحدة وطنية متوهمة وقسرية، بعد ان رهنت عدة اجيال لحرب أهلية متطاولة دون نتائج ملموسة؟ ام ان الامر كان اتفاق مهزومين بعد ان بلغ الرهق مداه في الطرفين؟.
    أعاد الدكتور سلمان محمد احمد سلمان الحيوية والجدل من جديد لهذه الأسئلة وهو يحّمل  القوي السياسية الشمالية مسؤولية  انفصال جنوب السودان، وهي محاولة جادة لاستعادة الوعي بالقضية الوطنية الي حيزها المنطقي وعمقها الموضوعي وجديتها العلمية بعيدا عن هرج الذبائح والهتافات، وذلك  بعد ان اهملت النخب اجراء مراجعات عميقة ، وتقييم بحثي دقيق لأهم حدث سياسي منذ استقلال السودان. لقد مرت علي انفصال جنوب السودان خمس سنوات ولم تسعفنا طيلة هذه الفترة  دراسة علمية وموضوعية من جامعة او مركز او مؤسسة تستقصي الحدث، وتصوّب عليه ميسم الدراسة والبحث للإجابة علي الأسئلة المعلنة والمسكوت عنها والمعلقة علي صدر التاريخ. وكان حظنا منها في استقامة الوعي هرج الذبائح والهتافات وتبادل الاتهامات بين القوي الوطنية بدلا عن الرصانة العلمية والدراسة الموضوعية، التي كان من المأمول ان تنهض بها وتنجزها عشرات الجامعات وكليات العلوم السياسية والمراكز والمؤسسات البحثية المنتشرة ، لكنها وقفت جميعها عاجزة عن إصدار دراسة واحدة تحظي بالقيمة العلمية وتحفز علي المعرفة والبحث وترصد وتحلل الأحداث والمآلات، حتي يكون ما حدث عظة وعبرة في تاريخنا الوطني الحديث، ونحن ما نزال تكابد تحديات البناء الوطني الشامل. وذلك ما سخر منه الكاتب والباحث المصري فهمي هويدي في حديث عابر بالخرطوم عقب الانفصال اذ قال لي في حضور بعض المهتمين ان انفصال جنوب السودان حدث يستدعي المراجعة والمحاسبة لان فريق كرة القدم عندما يُهزم يراجع طاقمه الفني، ويفكر في تجديد اللاعبين وربما يضطر لشطب حارس المرمي او فسخ عقد المدرب، وهذا في كرة القدم فما بالك بمصير الشعوب؟.
    لقد تلاشت عن أفق الأمل  الأنباء التي كانت سائدة عن عكوف نخبة من الباحثين لتوثيق تاريخ اتفاقية السلام الشامل، وقد اجرت المجموعة المختارة والتي تضم كبار الأكاديميين والباحثين  نقاشات وحلقات  حوار مع بعض متخذي القرار السياسي وصانعي اتفاقية نيفاشا وعلي رأسهم الاستاذ علي عثمان النائب الاول السابق لرئيس الجمهورية ورئيس وفد التفاوض.  
    في غمرة هذه الإحباطات وعجز النخب والمراكز والمؤسسات عن إصدار دراسات ذات قيمة علمية وجدوي معرفية حول انفصال جنوب السودان، يطل علينا الدكتور سلمان محمد احمد سلمان خبير القانون الدولي للمياه والأستاذ في عدد من الجامعات العالمية و المستشار السابق في البنك الدولي بكتاب وسفر جديد بعنوان ( انفصال جنوب السودان. دور ومسئولية القوي السياسية الشمالية). تم تدشين الكتاب عن مركز أبحاث السودان بواشنطون بالولايات المتحدة، ويستعد كاتبه لتدشين طبعة السودان بالخرطوم قريبا. لم احظ بمطالعة الكتاب بعد، لكن مجرد الإعلان عن صدوره يعتبر نصرا لنهج البحث والتوثيق العلمي ولتجليات العقل النقدي والتحليلي والجدلي، واعلاءٓ لقيمة الدراسات العلمية والموضوعية لأمهات القضايا الوطنية في السودان. و الكتاب كما خرجت نبذته التعريفية وبناءً علي حوارات سابقة مع مؤلفه ، و متابعة محاضراته والاطلاع  علي معظم ما يخطه ويكتبه في الشأن العام فإن الدكتور سلمان لا ينطلق من ارضية محايدة ، بل يصوب إصبع الاتهام علي النخب والأحزاب السياسية الشمالية في السودان ويحملها مسؤولية انفصال جنوب السودان. وهو بذلك يصدر حكما سياسيا قاسيا، و يسعي ليدعمه بالشواهد والمواقف والوثائق التاريخية. لكن القيمة العلمية والتاريخية  لهذا الكتاب لا تستمد فقط من موضوع الدراسة والبحث عن انفصال جنوب السودان كأهم قضية وطنية منذ استقلال  السودان عام ١٩٥٦، لكن من مرتبة الكاتب العلمية كذلك كباحث مرموق وخبير واستشاري في اعرق المؤسسات الدولية، وهو كذلك باحث وقّاف مدقق يدعم منطقه وتحليله بالشواهد والوثائق العلمية والتاريخية المعضدة لنتائج بحثه.
    اعتمد منهج الكتاب حسب النبذة التعريفية علي منهج التحليل التاريخي، اي التحليل المتدرج  حسب الحقب السياسية في التاريخ السوداني الحديث منذ الحكم المدني الاول عام ١٩٥٤ قبيل الاستقلال، ويتميّز الكتاب حسب تسلسله التاريخي بتسليط الضوء علي جهد ودور القوي السياسية المختلفة وليس الحكومات فقط، لذا فهو يسلط الضوء مثلا علي مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية و دور التجمع الوطني الديمقراطي، بل يشير الي ان توقيع اتفاقية نيفاشا للسلام تعتبر رصاصة الرحمة للتجمع الوطني، كما تحدث ايضا عن خلافات الشركاء بين الموتمر الوطني والحركة الشعبية اثناء تنفيذ اتفاقية السلام.
    يبرز السؤال في حيّز هذا التنويه المبدئي بصدور الكتاب: هل تحامل المؤلف علي القوي السياسية في الشمال بمعني انه مال الي تضخيم اخطائها وتحميلها المسئولية التاريخية؟ ، في ظل وجود عوامل اخري اكثر اهمية مثل التدخل الخارجي وتقاطعات قضية جنوب السودان مع استراتيجيات الأمن الإقليمي والتخطيط الكلي لعمل منظومة الكنائس العالمية والتماهي مع اجندة اليمين المسيحي والكنسي في العالم، كما ظهر جليا اثناء فترة الرئيس بوش الابن في البيت الأبيض. ولماذا مال الكاتب لتبرئة  النخب الجنوبية وتخفيف نبرة النقد علي اخطائها وعدم تحميلها مسؤولية الفشل التاريخي؟  ويكفي ما يجري ويسيل من دماء في جنوب السودان في الوقت الراهن. وهذا الفشل هو ما دفع جامعة كارلتون في اوتوا في كندا لتصنيف دولة جنوب السودان بأنها الدولة الأكثر هشاشة في العالم وفقا لتقريرها السنوي لمؤشرات الدول في السياسة الخارجية الذي صدر مطلع هذا الاسبوع.
    ولعل منهج الدكتور سلمان في هذا الكتاب حسب فصوله وموضوعاته وعنوانه يعتبر امتدادا لمنهج إبيل الير في كتابه ( جنوب السودان والتمادي في نقض العهود والمواثيق)، اذ مال أبل الير الي تحميل القوي السياسية في الشمال مسؤولية الفشل التاريخي وعدم التزامها بإنفاذ الاتفاقيات والتعهدات، علي طريقة الجلاد والضحية، وذلك النهج ايضا استقي بعض نبعه من الدكتور الراحل محمد عمر بشير، ولعل سادنه الأكبر في العصر الحديث هو الدكتور منصور خالد الذي ظل يؤكد ويكرر في كل ما اصدره من كتب ودراسات تحميل النخب الوطنية في الشمال مسؤولية الفشل التاريخي في جنوب السودان، ولعل اخرها قصة بلدين وجنوب السودان في المخيلة العربية.
    يقف الدكتور الواثق كمير في اوراقه وبحوثه المنشورة موقفا مختلفا بعض الشيء عن هذا الطرح السائد الذي يغذي في امتداداته التاريخية صورة الجلاد والضحية، وتحميل نخب الشمال وأحزابه السياسية مسؤولية الفشل في الحفاظ علي الوحدة الوطنية وانفصال جنوب السودان. فلا يمكن لحدث زلزل الكيان الوطني، وأحدث تحولات جذرية في تاريخ وجغرافية البلاد وفي تكوينها الاثني والثقافي والديمغرافي ان يتحمل مسئوليته طرف دون آخر  ، ولا يمكن ان يمنح الكاتب صك البراءة الكامل للقوي السياسية الجنوبية وهي تتمرد وتحارب وتحمل السلاح ضد الدولة والسلطة المركزية رغم الدوافع والمبررات.
    علي عكس منهج جلد الذات السائد في الدراسات السودانية لمعرفة الأسباب والعوامل التي أدت الي انفصال جنوب السودان، وهو منهج يلهج بالإدانة الوطنية للعقل السياسي والنخب الحاكمة التي تمثل الميراث التاريخي لنخب الوسط النيلي، ينحو د. الواثق كمير منحي آخر في تحليل وتفسير مالات الأحداث بعد اتفاقية السلام الشمل، اذ يشير في ورقته التي قدمها في تكريم الدكتور منصور خالد (السلام ووحدة البلاد، الفرص المهدرة)، الي ان احد اكبر المعوقات التي اعترضت تطبيق اتفاقية السلام كانت هي عجز الحركة عن مواجهة تحديات الانتقال خاصة في التحول  من حركة عسكرية الي حزب سياسي، وكذلك عجز نخبة جنوب السودان المريع في إدارة الدولة،  وافتقاد الحركة للشفافية والحوار  الداخلي وعدم الاستجابة لمطالب عقد اجتماع مجلس التحرير القومي .  ويمضي الواثق في خطاب وجهه الي وزيرة التعاون الدولي النرويجية هيلدا جونسون  قبل عشر سنوات يقف شاهدا علي عمق قراءته وتحليله للأحداث وصدق توقعاته  تفضل مشكورا باطلاعي عليه للقول ان جنوب السودان فقد قضيته في الشمال للاداء المهزوز في إدارة الدولة، فالنخبة التي فشلت ان تحقق الوحدة بين مكوناتها في جوبا هي أعجز من ان تحقق وحدة السودان، ولم يقع الواثق في توهمات النخبة التي كانت تقودها العواطف لا الحسابات السياسية لترجيح كفتي الوحدة والانفصال فقد كان يتفق مع منصور خالد ان قيادة الحركة بعد وفاة قرنق استعادة إرث الانفصاليين في الستينات، كما كان مقتنعا ايضا ان الأغلبية في الحركة كانت تريد الانفصال وتسعي اليه. وكان الواثق يخشي تحقيق الانفصال دون تطبيق الاتفاقية كما كان يعترف بوجود ازمة قيادة ومؤسسات ديمقراطية حقيقية في جنوب السودان.
    توقع دكتور الواثق حسب ظني انفصال جنوب السودان عن طريق حق ممارسة تقرير المصير ليس لوجود أغلبية انفصالية فحسب بل لسلوك وتوجهات القيادة السياسية وهي تعمل علي تقسيم القطاعات التنظيمية للحركة وكذلك جر سلفاكير النائب الاول حينها لمجرد حاكم لجنوب السودان وزعيم قبلي محلي، بدلا ان يكون قائدا قوميا علي هدي اطروحات السودان الجديد..
    حاولت وانا استشهد بتحليل الواثق كمير ان اقدم لمحة مغايرة لرؤية اخري كانت تحّمل أسباب الفشل للطرفين نخب الأحزاب الشمالية وكذلك النخب السياسية في الجنوب ولو بنِسَب وأقدار مختلفة، و هي رؤية وتحليل يبدو مختلف نسبيا عن منهج جلد الذات الذي سار فيه محمد عمر بشير، وابل الير، ومنصور خالد وربما الدكتور علي بوب  والآن يقدمه الدكتور سلمان محمد احمد سلمان في كتابه الجديد عن انفصال جنوب السودان ومسئولية الأحزاب السياسية الشمالية.
     يكفي الدكتور سلمان وهو يقدم سفره الجديد للمكتبة السودانية ان يعيد فتح أبواب النقاش حول انفصال جنوب السودان ومسئولية القوي السياسية الشمالية عن ذلك، وهو بذلك يبعث الوعي والجدية  لمناقشة القضايا الوطنية بموضوعية وعمق ومسئولية بعيدا عن الهتافات وتبادل الاتهامات الجزافية. وما قدمه الدكتور سلمان عجزت عنه المؤسسات الأكاديمية ذوات العدد  والجامعات  ومراكز البحوث مجتمعة، ولعل كتابه هذا يحفز النخب والباحثين لتقديم رؤية مغايرة وهو ما يَصْب في زيادة  الوعي و تعدد منابر الحوار، وتنوع وتباين وجهات النظر، وهي أنجع وسائل البحث عن الحقيقة في مسيرة البناء الوطني المسئول والجاد.