عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
     أولي ملامح الخيانة الأدبية لقصة سامي الحاج انها خرجت الي المشهد الثقافي العربي بقلم الدكتور يوسف زيدان، وهو روائي مبدع  ومفكر عربي ضليع، لكنه يفتقد للحساسية الفنية في التعبير عن الشخصية السودانية التي ولدت في روايته ( محال) ضائعة، مشتتة، ساذجة ومنبتة عن واقعها. لذا  لم تجذب الرواية (محال)  انتباه النقاد، مثلما فعلت أعماله الأدبية الآخري مثل (عزازيل وظل الافعي)، و ذلك لأنها لم ترتق الي مصاف رواياته الآخري في الإلهام الأدبي رغم قوة ملكته الإبداعية في السرد والتصوير الفني وبناء الشخصيات وتطوير الحبكة الي آفاق من التألق الفني الملهم.
    فقد ولدت روايته (محال) وهي تحمل بصمته الفنية القوية في السرد ، ولكنها تفتقد الي ذلك الرواء الفني الذي يميز أعماله الآخري، وذلك في تقديري يعود الي انه عجز عن عبور ذلك الفضاء الثقافي بين مصر والسودان وهو يحاول ان يبني شخصية روايته الاساسية في عالم من التقاطعات الخيالية والثقافية، وهو يعاني من عقدة الانتماء والهوية.
    هل كتب يوسف زيدان هذه الرواية بدافع الفن ام الإغواء التجاري وسوق الرواية يشهد تحولات عميقة للتعبير عن حالة الواقع العربي الراهن والتفاعلات التاريخية والانكسارات والتطلعات؟ لا شك عندي ان هذه الرواية تعبر عن أصداء عميقة لقصة مصور قناة الجزيرة سامي الحاج الذي اعتقل في قوانتنامو. بل حاولت الراوية ان تقدم سردا موازيا لقصته رغم الحيل الفنية والخيال الأدبي للكاتب الذي وظف طاقته السردية المبهرة في بناء ذلك الفضاء الدرامي.  
    كان المشهد مؤثرا ومفجعا  وقناة الجزيرة تنقل للفضاء المفتوح مشهد نزول سامي الحاج من الطائرة في مطار الخرطوم بعد إطلاق سراحه من معسكر قوانتنامو وهو ينهال بالقبل والبكاء علي ولده محمد الذي تركه رضيعا. وهو مشهد ملهم لأي فنان او كاتب مبدع يمكن ان يصوغ من تعقيداته وانفعالاته قصة إنسانية رائعة لتوفر كل الأدوات والمشهيات  والغموض والمتناقضات والعوالم العابرة والمختلفة. وتعمد يوسف زيدان لجهله بالواقع السوداني ان يجعل من شخصيته الاساسية تنتمي الي عالمين أب سوداني وأم مصرية ، واختار منطقة أسوان والنوبة بثقافتها وأحلامها وشخصياتها قاعدة للأحداث الاجتماعية  في محاولة للربط بين عالمين. ويقدم في روايته مسحا اجتماعيا للمشتركات بين شمال السودان وصعيد مصر خاصة قبائل النوبة المتوكي والفجكي و كذلك الجعافرة القبيلة المشتركة  والمهاجرة من مصر الي السودان. ولكن اختار يوسف زيدان ان يجعل من صعيد مصر خاصة أسوان منطلقا لروايته بدلا عن الخرطوم، حيث تختار أسوان اللونين الأبيض والاسود ترميزا للحياة والملابس والنَّاس، لتبيان الحدود الفاصلة. في الخرطوم أعاد ترسيم الواقع الدرامي حيث كان يعيش اسامة بن لادن ، وتحمله الأحداث الي اسيا الوسطي وبخاري وطشقند  ومن ثم أفغانستان.
     تحفل الراوية في كثير من أجزائها الوصفية ببعض الإسقاطات العنصرية والاحكام القيمية وهو ما يضمره يوسف زيدان حقيقة في رؤيته للسودان كجزء اصيل من تفكير النخبة المصرية، وهو قد زار السودان مرة واحدة فقط في مهمة رسمية من اليونسكو. جاء في الرواية وهو يصف النيل بأنه اجمل في أسوان من الخرطوم لأنه هنا انظف وأرق اما في الخرطوم فتفوح منه رائحة عطنة في الشتاء، يقول في الرواية:(لا يبدو النيل جميلا في الخرطوم مثلما هما ، نيل أسوان ارق وألطف وأنظف ولا تفوح من حوافه رائحة عطنة في الشتاء مثلما هو حاله هناك). وفي الحوار الداخلي بين شخصيات الرواية يقول علي لسان سهيل احد المصريين، وهو ينفر صاحبه من الزواج من السودانيات لمشكلة الختان يقول: (اذا نويت الجواز يبقي سيبك من جماعتك في السودان منهم لله المفترين ، بيخربوا بناتهم بموضوع الخياطة بعد الختان. حاجة تقرف). وهذا إسقاط غريب من الكاتب حتي اذا ورد ذلك في إطار الحوار والبناء الدرامي للرواية، اذ تنتشر في صعيد مصر ممارسات الختان اكثر من السودان، وما يزالون يبتهجون في صعيد مصر في حفلات الافراح بمنديل الشرف الملطخ بدماء العذرية في ليلة الدخلة، وما استنكاره لعادة الختان علي لسان شخصية صعيدية الا جزء من الاستعلاء المستبطن، ولعل الأنموذج الأوضح إبانة لهذا الإسقاط هو وصف القاطنين جنوب سنار بأنهم من الاراذل اذ جاء في الراوية: (ذهب مع ابيه الي سنار مرة فنفرت روحه من هناك، فهو لا يهوي النواحي الحافلة بأراذل اهل الجنوب). ولا يكتفي بذلك بل يصف اهل أسوان بالطيور ويصف اهل جنوب السودان عندما يسكرون بالغوريلا وهو وصف عنصري حتي في إطار البناء الفني للرواية ، و لأنه كذلك وصف فرعي وهامشي وعابر لا يمت باي صلة فنية للرواية، غير انه حكم قيمي ووصف عنصري وإسقاط نفسي للكاتب. جاء في الرواية  
    : (في الجانب الجنوبي من السودان يسكر الرجال الضخام بأردأ انواع الخمور، ويمرون من الطرق المظلمة وهم يترنحون، فيشبهون بهيئتهم قردة الغوريلا).
    تشي تفاصيل الراوية ان يوسف زيدان اطلع بطريقة او بأخري علي القصة الكاملة لسامي الحاج،من تاريخ اعتقاله حتي ليلة الإفراج عنه من سجن غوانتنامو  وحاول ان يخلق سيرة روائية موازية، ربما بدافع تجاري بحت اكثر منه تحرّق وتطلع فني رغم انه استخدم أدواته الإبداعية وطاقته السردية في البناء الدرامي ورسم الشخصيات وتطوير الحبكة وإثراء الحوار، فهي رواية مكتملة الأركان من ناحية الشكل الروائي العام، لكنها تفتقد الي الروح الفنية الكامنة في النص ، و ألفة الفن في مصادقة شخصيات الراوية التي تبدو أشبه بالانسان الآلي اذ تتحرك في مساحات مرسومة لها بعناية في خليط فني دقيق لكن تفتقد للروح  والعاطفة والانتماء و النزعة الإنسانية المرتبطة بالقصة الحقيقية.
    لقد فشل يوسف زيدان في بناء سيرة روائية موازية لقصة سامي الحاج ، بل أتجرأ لأقول انه وقع في حيّز الخيانة الادبية والفنية لتصوير ملحمته الإنسانية، فأستباح  تجربته وانتزعها من سياقها الإنساني  ، وبالطبع ليس مطلوبا من الروائي ان يجسد الواقع او يحاكيه بحذافيره او ان يوثق للتجربة الإنسانية،  لكن يمكن من خلال استخدام أدواته الفنية ان يستلهم هذا الواقع وان يكسيه من بريق موهبته وطاقته الإبداعية حُللاًً من السحر الحلال. ولكن ولغ يوسف زيدان في مصيدة الخيانة الأدبية بل مارس استعلاءٓ فنيا وهو يسقط احكاما قيمية علي بعض مظاهر الواقع السوداني في تماهي تاريخي ساذج لمواقف النخبة المصرية.  
      لقد اطلع الكاتب والروائي يوسف زيدان علي القصة الكاملة لإعتقال سامي الحاج في الحدود بين باكستان وافغنستان والتي سجلها لقناة الجزيرة بعد إطلاق سراحه، وكان من المؤّمل صدورها في كتاب بروايته وتحرير احد كبار الكتاب في العالم العربي، وكانت ستجد مذكراته رواجا وتعاطفا مع قصته الانسانية وكشفا لأسرار حقبة هامة داخل سجون ومعتقلات غوانتنامو، وكذلك اسرار الحرب وكيف استطاعت باكستان ان تبيع للمخابرات الامريكية كل من جاء اليها بعد قبول برويز مشرف بالتعاون مع الادارة الامريكية عقب احداث سبتمبر.
     ان قصة سامي الحاج هي ملحمة إنسانية لضحية اوقعه حظه العاثر في تقاطعات مع مصالح الدول الكبري في المنطقة، ولا ادري لماذا اختار سامي الحاج ان يطّلع يوسف زيدان علي قصته ليصوغ منها عملا روائيا مؤثرا، خاصة وانه يمثل امتدادا للعقل الفني للنخبة المصرية التي ظلت تكرس لعقدة الاستعلاء المصري علي الواقع السوداني، مما يعني عجزه الفني في التقاط تفاصيل الواقع والأبعاد النفسية للشخصية السودانية في حبكة الرواية. فالواقع يؤكد ان سامي الحاج لم يرتبط يوما في حياته بمصر ولكن صنع يوسف زيدان من بطل قصته شخصا متأرجح الانتماء بين مصر والسودان منبت عن جذوره في أم درمان، وصوّره كشخص عديم الإرادة ، حائر الفكر لا يملك أدوات التفكير السليم ، كأنما ساقته الاقدار والاموال العربية والسذاجة الحائرة الي حتفه في معتقلات غوانتنامو.  
    وقد حاول بعض الروائيين السودانيين قبل يوسف زيدان ان يكتبوا نصا روائيا موازيا لقصة سامي الحاج، منهم الاستاذ اسحق احمد فضل الله ، لكن لم يكتمل المشروع الروائي لأسباب غير معلومة، لعل منها تلك البهارات الحارقة في قلم اسحق التي تجعل الرواية ذات اشتعال ذاتي لا تحتاج الي عود ثقاب، كما نظر الاستاذ ابراهيم اسحق وغيره من المبدعين السودانيين في تفاصيل قصته عسي ان تلهمهم خيطا فنيا في نسج رواية مكتملة الأركان لملحمته الانسانية ، لكن انتهي المشروع للوقوع في يد الروائي المصري ذائع الصيت يوسف زيدان.
    لقد انتقلت رواية (محال) للكاتب يوسف زيدان عبر مناخات جغرافية وتاريخية متعددة دون ان تعبر عن حقيقة تلك الانتقالات في جوهر الرواية اذ عبرت شخصيات الرواية ام درمان، أسوان، الاسكندرية، القاهرة، الشارقة، ابوظبي، طشقند، الدوحة، قندهار وغوانتنامو. دون ان تصحب هذه الانتقالات تحولات في البناء الدرامي للقصة. وحاولت الرواية ان تقدم تفسيرات لوقائع تاريخية منها إقامة اسامة بن لادن في السودان، وان الحكومة السودانية حاولت ان تسلم اسامة الي الأمريكان غدرا كي يتمكنوا من نهب امواله عقب التخلص منه، وعندما طلب منهم التريث حتي يلملم امواله المبعثرة قالوا له ارحل الآن وسنعطيك بدلا منها لاحقا صمغا. كما ورد في الرواية
    كتب يوسف زيدان عن أوزبكستان في سياق الرواية بمعرفة وحذق، مما يشي انه عاش فيها ردحا من الزمن. ولا شك ان تفاصيل التحقيقات في سجن غندهار وتعذيب السجناء هي بعض من الرواية الحقيقية لسامي الحاج، خاصة خدع المحققين، والترغيب والترهيب والتعذيب والاعتداءات الجنسية. ولعل اصدق تمثلات موقف سامي الحاج في الرواية هي اقواله في التحقيقات و دوافع عمله في افغانستان لصالح قناة الجزيرة لنقل اخبار الحرب دون دوافع سياسية اخري، وكذلك استنكاره لتفجيرات ١١ سبتمبر، وموقفه من ان امريكا هي التي صنعت بن لادن بعد ان كان صديقا مواليا فجعلت منه عدوا محاربا، ورفضت عرض السودان بتسليمه لواشنطون.
    انتهت الرواية الي مشهد الوصول الي سجن غوانتنامو، مما يعني ان هناك جزء ثاني يتعلق بتفاصيل الإعتقال في المعسكر ، وصنوف التعذيب والإغراءات التي سرد سامي الحاج جزء منها في توثيقه للقناة، وربما جزء ثالث يتعلق بإطلاق سراحه وعودته الي الحياة المدنية من جديد. لذا يبرز البعد التجاري في هذا العمل الروائي الذي يعمل يوسف زيدان لتقسيمه الي ثلاثة اجزاء بعد حصوله علي التفاصيل الكاملة لقصة سامي الحاج من لسانه وأقواله مباشرة.
    لا شك ان روايات السيرة الموازية تحفل بكثير من التعقيدات الفنية في التعبير عن جوهر القصة الانسانية، وقد ذكر الدكتور الخانجي شيئا من الأبعاد الفنية لذلك في نقده لكتاب ( منسي) للطيب صالح واعتبره رجعا لاصداء السيرة الموازية. ولا شك ان هناك ابعاد اخري لحقوق الملكية الفكرية لهذا العمل ، وهو بالطبع حكرا وحصرا بين سامي الحاج وقناة الجزيرة لأن يوسف زيدان ما كان له ان يؤلف هذه الرواية دون الاطلاع علي قصة اعتقال سامي الحاج في أفغانستان، وربما يكون هناك تفاهم تجاري وأدبي بين القناة والكاتب. لكن ما يهمنا في هذا المقام هو تمثلات البعد الأدبي والفني ، وهو ما يجعلنا نعيد التأكيد ان رواية ( محال) للكاتب يوسف زيدان لم ترق الي السيرة الموازية في التعبير الفني عن الملحمة الانسانية لسامي الحاج.
    ونتطلع دون شوفينية قطرية ضيقة ان يتصدي لكتابة هذه القصة  الانسانية  روائي سوداني يستطيع ان يعّبر عن حساسية الأبعاد النفسية لبطل الرواية، وان يعالج الأبعاد الدرامية والحبكة الفنية من استلهامات الواقع السوداني وليس في التخوم المضطربة بين حلفا وأسوان.