سلطت مجلة (الايكونوميست) الشهيرة الضوء علي التحولات العميقة في سلم القيادة السياسية في المملكة العربية السعودية، وأنتقال السلطة الي جيل جديد من الأمراء، أكثر شبابا، وحيوية، وانفتاحا ويفكرون خارج الصندوق التقليدي لموازين القوي وقناعات الحرس القديم. وتعجب مراسل المجلة والأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد وهو يعلن موافقته علي بيع جزء من اسهم شركة أرامكو العملاقة للبترول في السوق العالمية، وهو تفكير كان لعهد قريب يعد من المحرمات الإقتصادية داخل المملكة لغلبة نظرية السيادة الوطنية علي جوهرة التاج الإقتصادي للملكة العربية السعودية. ولم يمضي وقت طويل علي نشر تلك المقابلة التي استغرقت أربع ساعات حتي أعلن محمد بن راشد  ولي العهد لدولة الإمارات ورئيس الوزراء الوزراء وحاكم إمارة دبي عن تعيين وزيرة للسعادة تبلغ من العمر 22 عاما، وأكد أن الخدمات الحكومية يجب أن تنافس أفضل ما يقدمه القطاع الخاص للمواطنين.

في المقابل سقطت أنظمة الحكم في مصر وليبيا عندما جرت محاولات جادة وحثيثة  لتوريث السلطة الي كل من سيف الإسلام القذافي وجمال مبارك، فأندلعت الثورات في القاهرة وطرابلس حتي انتهت الي فوضي وثورة مضادة أطاحت بالرئيسين لكنها أجهضت حلم التغيير.

هذا المشهد المتناقض في نقل السلطة الي جيل جديد في المنطقة العربية يشير الي انها قضية معقدة ومحفوفة بالمخاطر، خاصة إذا ارتبطت بإجراء اصلاحات جوهرية وعميقة في انظمة الحكم. وتكشف اغلب تجاريب التاريخ أن نقل السلطة الي جيل جديد من القيادات الشبابية  خاصة بعد بقاء قيادة كارزمية مسيطرة وملهمة تؤدي الي فوضي وحروب قاسية . في الأوضاع الديمقراطية المستقرة تتم مسألة نقل القيادة والسلطة بطريقة سلمية وسلسة رغم  ما يحتوشها من مخاطر مثل تجربة هتلر الذي انتخب ديمقراطيا الا انه قلب الطاولة علي الجميع، وأحدث الماسأة التي قتلت الملايين وأشعل الحرب العالمية ، وكذلك الخوف المسيطر الآن علي أغلبية النخب في امريكا اذا ما فاز المرشح الجمهوري دونالد ترامب الذي يعتبر معاديا لكل موروثات المؤسسة السياسية في امريكا  . في المقابل هناك نجاحات محدودة في العالم النامي ترتبط بالأحزاب ذات النزعة العقائدية والسلطة المركزية مثل الحزب الشيوعي الصيني الذي ظل يجري تغييرات راتبة في سلم القيادة داخل الدولة والحزب دون أختلال في موازين الإنتقال وأختيار الشخصيات والرموز. كما نجحت الجبهة الشعبية الحزب الحاكم في اثيوبيا في نقل تدريجي للسلطة وتجديد للقيادات من جيل الي آخر دون هزات تذكر خاصة بعد وفاة القائد التاريخي مليس زناوي، ونجح في ذلك أيضا حزب المؤتمر الأفريقي بقيادة الزعيم الراحل نلسون مانديلا الذي استطاع أن ينقل قيادة الحزب والدولة رغم الإضطرابات والخلافات الداخلية بسلاسة الي قيادات جديدة داخل الحزب دون دفع ثمن باهظ في الإنتخابات أو احتمال مخاطر تساقط العضوية وانخفاض في جماهيرية الحزب.

عندما كان الدكتور منصور خالد وزيرا للشباب في بداية عقد السبعين من القرن الماضي أهتم بقضية الفجوات الجيلية، وكانت تلك هي القضية المحورية في المنابر العالمية نسبة للقطيعة التي احدثتها الحروب الكونية  بين الأجيال.

هلل البعض في السودان لتقاعد بعض القيادات التاريخية داخل الحزب الحاكم عن العمل التنفيذي المباشر، مع استمرار دورهم السياسي في كابينة القيادة داخل الحزب، وسار مشتهي الظن السياسي أن ترجل هذه القيادات عن العمل التنفيذي المباشر هو في حد ذاته تجديدا، وسيفتح الباب تلقائيا الي صعود قيادات جديدة شابة تملأ الفراغ وتواصل التجربة.

.لكن الذي يغيب عن هذا التحليل أن التقاعد السياسي لا يصنع القيادات أو يصانع التجديد، إلا إذا ارتبط ذلك ببرامج حقيقية للإصلاح وترتيبات جدية لنقل السلطة الي جيل جديد. وبالنظر الي مجمل المشهد السياسي في السودان فإن الخمس سنوات القادمة ستشهد تنازل القيادات التاريخية والكارزمية التي ظلت مسيطرة علي المشهد منذ أكتوبر في منتصف عقد الستينات من القرن الماضي عن المسرح السياسي، نسبة لعامل السن والشيخوخة وليس لفقدان الأهلية السياسية.ولا يلوح في الأفق أي حراك جدي لملء هذا الفراغ الذي سيحدث لغياب هذه القيادات للتقاعد السياسي. ومعظم القيادات الراهنة تسنمت موقع القيادة بالإنتخاب الطبيعي سواء داخل الأحزاب التقليدية التي انتقلت اليها  بالوراثة أو القوي الحديثة التي تسلمت القيادة نتيجة للتنافس الداخلي والانتخاب الطبيعي.

فقد صعد تلقائيا الصادق المهدي لعاملي الوراثة و  الاجماع الذي حظي به وسط الانصار  رغم وجود بؤر معارضة داخل الكيان، مثّلها دينيا الامام الهادي وسياسيا المحجوب،. كانت قيادة الصادق المهدي حينها اقرب الي حيوية جون كيندي الرئيس الامريكي الشاب كما وصفها الطيب صالح  ، كما استطاع الترابي ان يزيح كل القيادات التاريخية الاخري مثل جعفر شيخ ادريس ومحمد صالح عمر وصادق عبدالله و الرشيد الطاهر بكر وبرات لأتفاف الشباب حوله وجدة طرحه وحداثة تفكيره وأسلوبه وغزارة علمه وقوة منطقه وحجاجه .كان قطبي المهدي يقول لولا صعود الترابي الي قمة القيادة وقتها لتساقط مئات الشباب من عضوية الحركة ممن كانوا يتطلعون الي خطاب عصري ملهم يفصل أسس المواجهة الحضارية مع الغرب، ولا يقع في وحل الواقع المحلي ويغرق في فتاوي الأقضية الشرعية والتمحك الفقهي.

أظل السودان الآن زمان عزيز لنقل القيادة السياسية الي جيل جديد وذلك لدنو فترة التقاعد السياسي لجيل القيادة الراهن الذين تخطوا السبعين عاما. ولن تستمر القيادات الراهنة في معظم الأحزاب السياسية لنصف عقد آخر من العطاء الثر لعامل السن والشيخوخة وعدم القدرة علي العطاء. ولا توجد دولة تتطلع للمستقبل وترهن نفسها لقيادات سياسية تخطت العقد السبعين من العمر. وكلما أسدد النظر في هيكل القيادة السياسة للأحزاب  يرتد حسيرا، حيث لا اري حراكا حقيقيا لإعداد جيل جديد من الأفراد  لتسلم مهام القيادة السياسية والحزبية. ان  أكبر التحديات التي تواجه الحياة السياسية في السودان علي المدي الطويل ليس وقف الحرب وتوطين الديمقراطية فحسب بل  الإنتقال السلس للقيادة السياسية  الي جيل جديد داخل المؤسسات والقوي السياسية سواء داخل الحزب الحاكم أو الاحزاب الأخري. ولعل اكبر كوابح هذا الانتقال  هو سيطرة اسلوب فرض القيادات من علٍ ترجيحا لولاءاتها وانتماءاتها دون أن تكون أنتخابا طبيعيا وافرازا تلقائيا من القواعد وفقا لقواعد  التنافس الحر و مباديء التدافع السلمي بين ابناء الجيل الواحد. وبالتالي فإن عملية فرض قيادات مصنوعة  لم تمر عبر مسالك التنافس والإنتخاب الطبيعي ستكون نسخا مكررة ومشوهة للقيادات السياسية والزعامات الكارزمية  السابقة من زعماء الطوائف وقادة الأحزاب وتيارات القوي الحديثة. وستكون هذه القيادات جزءا من الأزمة مرة أخري لأنها لا تملك الإرادة علي الفعل الحر، بل ستكون اسيرة لتلك القيادات وطريقة تفكيرها واسلوب عملها، وستكرر ذات الأخطاء  التاريخية مما يرجح اعادة انتاج الأزمة السياسية بوجوه اخري،  وستفقد تلك القيادات المصنوعة والمفروضة بقوة السلطان او نفوذ القيادات التاريخية في الأحزاب السياسية القدرة علي تمثيل تطلعات جيلها لأنها لم تأت تطورا طبيعيا في هذا مسار الترقي السياسي  بل تم اصطناعها وتقديمها في خشبة المسرح لتعيد تمثيل دور الحرس القديم.

و لعل الامر سيكون أسلس قيادا داخل الأحزاب الطائفية لانتقال القيادة داخل هرم الوارثة ، فلن يرأس حزب الأمة وكيان الانصار شخص من خارج أسرة المهدي، كما لن يتربع علي عرش الطائفة الختمية والحزب الاتحادي الأصل قيادة من خارج أسرة الميرغني، ولكن سيكون الأمر اكثر جدلا وصخبا وصعوبة في بقية الأحزاب الاخري خاصة الحزب الحاكم لتعقيدات السلطة وتركيبتها النوعية بين التيارين المدني والعسكري، وكذلك جميع الأحزاب الاخري خاصة تلك التي تدعي التقدمية والحداثة، اذ كشفت تجربة الحزب الشيوعي ان الحرس القديم اكثر تشبثا بالقوالب القديمة وأعنف مقاومة للتغيير والوجوه الشبابية التي تملك تفكيرا مختلفا عن الارسذوكسية الماركسية.

الناظر الي الصف القيادي داخل الأحزاب السياسية يكاد يتبين ان الشخصيات المرشحة لتولي القيادة تنتمي من ناحية الفكر والممارسة لذات القيادات التي سيشملها التقاعد السياسي ، فالحزب الحاكم تبرز منه وجوه مدنية وعسكرية متعددة لحفظ توازن القوي وتمثيل اجندة القاعدة الاسلامية الممتدة ، لذا من الصعوبة بمكان بل من الاستحالة نقل القيادة الي جيل جديد، بل أتوقع ان تتم عملية تسليم وتسلم داخل نفس الجيل الحاكم مما يضعف ديناميكية التجديد والإصلاح ، وفي حزب المؤتمر الشعبي فان الأزمة اكبر لأن كل الحزب يستمد أهميته من كاريزما الترابي، ولا يوجد مستقبل لهذا الحزب اذا ما قرر الترابي التقاعد السياسي لذا فأن مستقبله الوحيد هو العودة الي العش القديم واكمال وحدة الإسلاميين. وسيبقي الحزب الشيوعي حالة خاصة اذ ان الصراع بين الحرس القديم وقيادات التغيير الصاعدة علي أشده ولن تنتهي معركة انتقال القيادة دون خسائر كبيرة تضعف من مستقبله السياسي الي حين بناء كتلة اشتراكية جديدة. اما بقية احزاب الوسط  المنشطرة من الأحزاب الام فقد أصبحت بيوتات سياسية فقط، وما الأزمة التنظيمية التي أدت الي فصل الوزيرة السابقة اشراقة من الحزب الاتحادي بواسطة الدقير الا صورة شخصية مصغرة لأزمة الصراع السياسي داخل الأحزاب المنشقة والبيوتات الصغيرة. ولا تبدو الصورة زاهية في البيتين الكبيرين اذ تشتد المنافسة الخفية بين مبارك الفاضل وأبناء الصادق المهدي لوراثة الزعامة وقيادة الحزب، ومع بروز دور محمد الحسن الميرغني السياسي وارتفاع التوقعات لخلافة  والده إلا انه لا يحظي بأجماع البيت الاتحادي، وما تصريحات الدواعش وانشقاق قيادات تاريخية مثل حسن آبو سبيب ذات الولاء الختمي إلا تأكيدا قويا ان وراثة محمد  الحسن الميرغني سترافقها خسائر سياسية باهظة وانشقاقات اكبر مما يضعف مستقبل الحزب السياسي و نفوذ الطائفة الختمية في البلاد.

ولعل الامر داخل الحركات المسلحة أدهي وأمر، لأنها تفتقد الهيكل التنظيمي والمؤسسات السياسية والتقاليد الديمقراطية  المرعية، وهي بحكم طبيعتها غير معنية بعملية تجديد القيادات والانتقال السلس والديمقراطي داخل هياكلها السياسية لانها حركات عسكرية تعتمد علي القوة والبطش والنفوذ والوزن القبلي. لذا فإن الحركة الشعبية لا تفكر مطلقا في تجديد قياداتها بل تكتفي بتمثيل بعض الشخصيات والمناطق في هيكلها الفضفاض لأضفاء شرعية وتنوع ولكنها عملية فارغة المحتوي، اذ يتحكم في قوة ومقاليد واموال الحركة الثلاثي التاريخي مالك عقار وعبدالعزيز الحلو وياسر عرمان. و يرتبط مستقبل الحركة بخياراتهم الذاتية وطموحاتهم الشخصية وارتباطاتهم  الخارجية، وبطبيعة حال مثل هذه الحركات فإنه لا مجال للتقاعد السياسي لأن الخيار الأوحد هو اما القصر او القبر.

ظلت جزء من أزمة التطور السياسي في السودان هو فقدان جوهر العملية الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية هذا اضافة الي غلبة اهل المهن القانونية والياقات البيضاء الذين طبعوا بأخلاقهم المهنية وتوجهاتهم الحضرية مجمل الحراك السياسي في السودان. وقد توسع المجال السياسي بعد دخول القوي الحديثة ليستوعب مزيد من اصحاب المهن الاخري مثل المهندسين والأكاديميين وشهد عهد الإنقاذ توسعا لافتا في طبقة الأطباء ودخلوهم الي حلبة العمل السياسي، وقد عمقت هذه الفئات والطوائف المهنية من التوجهات الأيدلوجية بدلا عن الخيارات البراغماتية داخل الأحزاب. ويتوقع مع اشتداد رياح العولمة ان يدخل رجال الاعمال والاستثمار اكثر في السياسة لأن الاعمال الاقتصادية الكبري تحتاج الي حماية سياسية ، كما ان توجهاتهم البراغماتية ستكون هي الانسب لمواجهة تعقيدات الواقع السياسي، ويصدق من حدس هذه الفرضية توسع بعض رجال الاعمال في شراء القنوات التلفزيونية والفضائيات والصحف وإنشاء إذاعات الاف ام، وهي مجالات لم تكن معهودة ومطروقة في الاستثمار التجاري من قبل الرأسمالية السودانية، مما يؤكد تطور الحس السياسي و التوجه البراغماتي لبناء نفوذ إعلامي من قبل النخبة الرأسمالية في السودان.

خلاصة القول ان احد ابرز التحديات المهملة في تحليل الواقع السياسي الراهن هو ضعف الاهتمام بعملية نقل السلطة وإدارة العمل السياسي داخل الأحزاب والقوي السياسية و تركيبة السلطة الحاكمة الي جيل جديد من القيادات لها القدرة علي تمثيل تطلعات جيلها في الخروج من مستنقع الأزمة التاريخية ومخاطبة تحديات الحداثة والاستقرار والمستقبل، خاصة وان الجيل الذي ظل يتقلد قيادة العمل السياسي منذ أكتوبر يقف علي عتبات التقاعد السياسي ،  لكن التطورات الراهنة تشي بأن عملية نقل القيادة السياسية تعاني من صعوبات جمة داخل كل القوي والأحزاب السياسية وعلي رأسها الحزب الحاكم خوفا من مقتضيات التغيير واثمانه الباهظة خاصة للحرس القديم، لذا فأن الأرجح هو اجراء عملية تسليم وتسلم داخل الجيل الواحد ونقلها الي قيادات مصنوعة لم تمر بمرحلة الانتخاب الطبيعي والفرز التلقائي مما يعني انها ستكون اكثرا انحيازاً  للتجربة القديمة و اكبر ولاءً للقيادات التاريخية ، مما يفقدها  القدرة علي التجديد وستعيد انتاج الأزمة السياسية المتوارثة، الا اذا اقتضدت المتغيرات الراهنة  بروز قيادات نوعية جديدة من خلال هذا التدافع والمعمعان السياسي  تفرض التغيير وتسوق الجماهير الي التجديد و أهداف النهضة الكبري، لكن يبدو ان الامام المهدي والترابي وعبدالخالق محجوب ومحمود محمد طه وجون قرنق هم آخر العباقرة والقيادات الكارزمية  في تاريخ السودان الحديث.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.