أتشرف ان افسح هذه الزاوية اليوم لتعليق استاذي الدكتور عطا البطحاني أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم  ردا علي مقالي الذي نشر الاسبوع الماضي عن (الطبقة الوسطي ومقايضات السلطة في السودان) ، وهو  تعليق كما سيطالع القارئ الكريم  يحمل قيمة إضافية ليس فقط لموقع د. البطحاني المتميز في الحقل الأكاديمي فحسب، بل من موقفه الفكري كفاعل في الفضاء الثقافي ويحمل رؤية مغايرة وبديلة  لمجمل الحراك السياسي والاجتماعي والاقتصادي في السودان، ومصدر سعادتي ايضا هو هذا التورط الجميل  لدكتور البطحاني وخوضه في معمعان الحوار والجدل في الصحافة السيارة وهو معترك ظل يتحاشاه  رغم ناشطيته  وفعاليته وإبداعه في منابر الحوار والنشر الأكاديمي ومراكز الفكر والحوار ومنابر السياسة داخل وخارج السودان خاصة مجموعة "الديمقراطية اولا".
وإذا ارادت الصحافة ان تلعب دورها الأتم في حركة التنوير والوعي يجب عليها ان تسعي لإستكتاب واستقطاب  د. البطحاني وامثاله للحوار والتعبير عن المتغيرات التي تكتنف مسيرة البلاد و جدليات صناعة المستقبل، لأن المثقف الحقيقي هو ضمير الأمة وذاكرتها الحية وان تعدد الآراء واختلاف المشارب والتوجهات هو مصدر للثراء الفكري والثقافي وتوسيع لآفاق البحث عن الحقيقة.
بهذا التعليق والرد العميق من الدكتور عطا البطحاني الذي يكفيه ان ألقي حجرا في البركة الساكنة فإنني اناشد اصحاب الثقافة والفكر والرأي ان نفتح جميعا بابا للحوار والتفاكر حول قضية الطبقة الوسطي وغيرها من القضايا الحيوية الآخري.
وأتشرف مجددا بنشر الرد كاملا كما وردني دون تدخل.
 

 الاستاذ خالد موسى دفع الله
 
تحياتى الطيبة
 
قرات باهتمام مقالك العميق "الطبقة الوسطى ومقايضات السلطة فى السودان" فى صحيفة السودانى 10 يناير 2016 وأرجو ان تسمح لى ابداء بعض الملاحظات مع حذرى الشديد الكتابة الصحفية اذ انى لا اجيد تقنيتها. وقبل أن أبدأ أود ان اشيد بتناولك للموضوع حتى وان اختلفت مع بعض ما جاء فيه واعتقد ان ما نحتاج اليه هو الحوار الفكرى العميق. سآخذ بعض المتن من مقالك (وارجو الا اكون قد انتزعتها من سياقها) واثير حولها بعض التساؤلات لعل ذلك يدفع آخرين للدخول فى حوار فكرى عميق ومفيد.ومهما كان الرأى فيما يخطه قلمك – اتفاق او اختلاف – فانه يجبر القارىء على التوقف طويلاً حوله.
 
1. تاريخ الطبقة الوسطى
 
لفترة مضت شكل مفهوم الطبقة والتحليل الطبقى فى السودان مادة للجدل والمساجلة بين من يرى ان الطبقات لم تعرف طريقها للسودان ومن يرى ان نواة تكوينها تعود للعهد السنارى. انتهى الجدل باعتماد التحليل الطبقى بالمعنى السيوسولوجى الغربى عند البعض والمعنى الماركسى عند البعض الآخر. ومع ذلك فالحذر واجب خاصة ونحن نتحدث عن "طبقات" فى مجمتع هجين التشكيل الاجتماعى لم تستقر خصائصها على درجة من الثبات النسبى وهذا راجع لغياب التصنيع كمعبر لنقلة بنيوية للمجتمع من مجتمع زراعى – رعوى – تقليدى الى مجتمع تسود فية علاقات التبادل السلعى. ومع ذلك فالخصائص التى اوردها مقالك هى نتاج الهندسة الاجتماعية للاستعمار البريطانى ومن هنا جاء مدخل المقال سليما اذ ارجع نشأة الطبقة الوسطى لعهد الاستعمار وفيما بعد "دولة الموظفين التى احتكرت الامتيازات للنخب الصاعدة واغدقت الميزات الوظيفية على هذه الطبقة التى ظلت تنسب الى الى اصحاب الوظائف والياقات البيضاء ومنتسبى قطاع الانتاج الحديث فى شقيه الخاص والعام".
 
كنت اتوقع الاشارة ولو سريعا للمراحل التى مرت بها الطبقة فى فترة ما بعد الإستقلال، خاصة التمييز بين مرحلة سادت منذ الاستقلال حتى عام 1969، ثم فترة أخرى اعقبت التأميمات وتغول جهاز الدولة البروقراطى فى الانشطة الاقتصادية مما شكل ضربة لطبقة التجار والصناعيين واصحاب الاعمال خاصة الاجانب لكن سرعان ما استعادت الدوائر المحلية مواقعها بعد التراجع عن سياسات التأميم والمصالحة الوطنية عام 1977 (الصراع بين القدامى والجدد فى الاتحاد الاشتراكى). ثم جاءت مرحلة فاصلة ومهمة شكلتها جملة عوامل تشابكت منذ السبعينيات فتحت المجال لنمو وتطور ما يمكن تسميته طبقة وسطى ذات "اسلامية"، فقد دشنت المصالح الوطنية عام 1977 البداية لذلك وترافق ذلك مع قيام البنوك الاسلامية والثورة الايرانية وحرب افغانستان فى بداية الثمانينيات فكسبت الحركة الاسلامية الصاعدة المال والخطاب السياسى الراديكالى ومن خلال التحالف مع نظام النميرى واستراتيجية "العمل من الداخل" بدأت ارساء البنية التحية لنفودها الاجتماعى والاقتصادى الذى ترجمته سياسيا فى الحصول المرتبة الثالثة فى برلمان 1986. حتى ذلك الوقت هى جزء او واحدة من مكونات الطبقة الوسطى فهناك ايضا المكونات الاخرى المنتمية سياسيا للاحزاب الكبرى (الامة والاتحادى) واجتماعيا واقتصاديا لشرائح رأس المال التجارى والصناعى والزراعى.
 
الملاحظ ان العلاقة بين هذه الشرائح لم تكن ودودة فساد توتر اججه النقد الاجتماعى الراديكالى لنشاط البنوك الاسلامية (معركة بنوك العيش) وسادت حالة توازن للقوة بعد الانتفاضة بعد أن استعادت الجبهة الاسلامية السيطرة على الشارع السياسى فى الوسط النيلى واستطاعت تحييد الحزبين الكبيرين من اتخاذ موقف عدائى ضدها ونجحت فى ذلك نتيجة للامتدادات (المالية والمصرفية) بين منظومة البنوك الاسلامية وعناصر من الحزبين. وعندما بدا للجبهة الاسلامية ان ميزان القوة قد يميل لتحالف الحركة الشعبية والاتحادى الديمقراطى واليسار سارعت بالسطو على السلطة.  
 
ما حدث بعد استيلاء الجبهة الاسلامية على السلطة وفرض مشروعها بالقوة الجبرية (التى يستنكفها المقال على حركات التمرد) هو عملية احلال وابدال فى مراتب ومكونات الطبقة السودانية. فعبر سياسات لا يتوفر المجال للتفصيل فيها زحفت الشرائح الدنيا فى الطبقة الوسطى فى الجبهة الاسلامية لاحتلال مواقع الطبقة الوسطى ذات الجذور التاريخية وشمل هذا الزحف نخب من الهامش. فخبا نجم اسماء عائلات وافراد كانت معرفة فى مجال التجارة والزراعة والصناعة وظهرت للسطح اسماء جديدة فى مجالات وانشطة جديدة  كالمضاربات والتوكيلات والعقارات ومعظم الانشطة غير الانتاجية بما يمكن مقاربته بمصطلح "راسمالية المحاسيب" او الاثرياء الجدد.
 
تشير فترة التجريب السياسى فى اوائل التسعينيات من اللجان الشعبية الى المؤتمرات الى المؤتمر الوطنى الى حراك داخل الطبقة الاسلامية بتوجه من قيادتها السياسية بفتح الباب للعناصر التى تميل للتحالف معهم. وفى سياق السيطرة المركزية للإسلاميين انفتح الباب واسعا لعناصر الاحزاب من أصحاب المصالح لاستعادة مواقعهم والحصول علي الرخص والعطاءات والتسهيلات المصرفية الميسرة بتوصية سياسية واداء شعائر الولاء، وقطاع     آخر من رجال الأعمال يبحث عن موطئ  قدم في ميدان النشاط الاقتصادي الذي دشنه تصدير البترول، والتعدين فى الذهب وعودة  الشركات الأجنبية للاستثمار في السوق السوداني فى قطاع الخدمات غير الانتاجية وضم التنظيم السياسى زعامات وبيوتات إدارة أهلية كانت فى المعارضة وتم تدجيمها. وهناك مجموعات من الرموز السياسية تعاونت مع حكومة الانفاذ لمصالحها وحماية لمكاسبها (أحد عوامل ظاهرة الانشقاقات الحزبية). خلاصة ذلك ترهل فى الطبقة الوسطى ذات الملامح الاسلامية وربما وصفك لها "تتكون من ثلاث شرائح متنوعة (متنفذة ومستقرة وفقيرة) قد اصاب كبد الحقيقة وهذا ربما يفسر الحراك السياسى الداخلى والانقسامات فى اوساط الاسلاميين.

2.  الدور الانتاجى للطبقة الوسطى
 
جاء فى المقال "الطبقة الوسطى فى السودان بطبيعتها ليست ضد الدولة بل داعمة لها. وقد تصدت هذه الطبقة ضمن تحالفتاتها التاريخية مع منظومة الدولة لمشروعات التمرد المختلفة منذ ارهاصات مشروع الحركة الشعبية واطروحة السودان الجديد حتى تمرد حركات الهامش – لأن مصلحة الطبقة الوسطى مرتبطة ببقاء الدولة لا هدمها، كما أن مصالحها الطبقية الحقيقية مرتبطة ايضا باقتصاد السوق والانفتاح الليبرالى وتوسيع قاعد التعليم وتوفير الحماية الاجتماعية والاستقرار السياسى وكذلك الاستثمار فى رأس المال البشرى". كنت اتمنى لو ان الوقائع تدعم هذا الطرح. ان الدور الانتاجى للطبقة الوسطى ذات الملامح الاسلامية محل شك كبير والوقائع تقول ان الطبقة الوسطى الاسلامية فى السودان اقعدت بقطاعات الانتاج فى البلاد. لدى مقال نشرته  صحيفة الايام يوم الاربعاء  31/8/2005  العدد 8287 اثرت فيه مقاربة بين الانظمة الشمولية فى السودان ممثلة فى نظام الانقاذ والانظمة الستالينية فى روسيا واوروبا، بل حتى النظام العنصرى فى جنوب افريقيا. جاء فى المقال ان الانظمة الاخيرة حدث فيها التحول من الداخل وذلك عندما وصلت النخبة الحاكمة لقناعة استحالة استمرار النظام بصورته القديمة، فانبثقت قيادات اصلاحية من داخل النظام (غورباتشوف، وف. و ديكليرك) وحتى هذه القيادات الاصلاحية لم تهبط من السماء، انما هى نتاج للتحول الاجتماعى الناتج من نمط التنمية الذى ادى الى تغيير نوعى فى تركيبة المجتمع، ما عاد المجتمع هو ذات المجتمع عندما قامت هذه النظم سواء فى روسيا او جنوب افريقيا: تصنيع، عمال، طبقة وسطى، مدن، نهضة مادية-اقتصادية، غزو فضاء، مؤسسات دولة وبنيات تحتية للحكم. بالاضافة الى ان التنمية حققت هدفا آخر لا يقل اهمية عن ذلك وهو الحفاظ على الوحدة العضوية للمجتمع فى جنوب افريقيا وتزويد الجمهوريات السوفيتية ببنيات تحتية مهدت لإستقلالها، دون تفتتها، عندما حان الوقت.  
 
وذهبت للتأكيد أن المجال هنا ليس مجال مقارنة بين ما حدث فى الاتحاد السوفيتى وجنوب افريقيا وما حدث ويحدث فى السودان. لكن هذا لا يمنع من استخلاص بعض الدروس من تجربة التحول فى هذه البلدان. ما الذى سهل المهمة هناك ولماذا تبدو صعبة هنا فى السودان؟ لماذا، بالرغم من الادلة على فشل المشروع الاسلامى فى السودان (بلسان الاسلاميين انفسهم)، لم تبرز للوجود شريحة اصلاحية من داخل النظام تعمل على تعديل بنية النظام من الداخل وتلتق مع المعارضة فى نصف الطريق؟   
 
الاسباب متعددة، لكن السبب فى تقديرى يرجع لفشل الانقاذ فى احدث التغيير النوعى/الهيكلى فى المجتمع، فهى قد استهلكت جزء من فترة حكمها فى الجهاد،ومقارعة القوى الكبرى. وبالرغم تسييس الخدمة المدنية بالكامل، و تحويل ملكية مؤسسات وموارد الدولة لافراد يدينون بالولاء للجبهة (باسم سياسات الصالح العام، التحرير الاقتصادى ....الخ) وبالرغم من اكتشاف البترول والتوسع الكمى فى التعليم العالى، وهندسة النظام الاهلى والتحركات السكانية، الا ان كل ذلك لم يكن كافيا لإحداث التغيير المطلوب فى بنية المجتمع لأنها فى الاساس عمليات تمت خارج دائرة الانتاج المستوعب والموظف لقدرات الغالبية فى الريف والمدن والمستجيب لاحتياجاتهم. ما حدث فى السودان؟
"نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع" رفعت الانقاذ الشعارات الصحيحة بالطريقة الخطأ (عبدالله على ابراهيم) واضيف عبر الحاضنة الخطأ. و باختصار ومنذ البداية طغت نظرة السيد – التابع على علاقة السلطة والمواطن وهى على كون انها وليدة التغيير "بالقوة الجبرية" هى نظرة سلبية: فهو (أى المواطن) موضوع للترويض و"اعادة الصياغة" ومصدر للجباية، وليس كانسان له حقوق وقدرات انتاجية يستثمر فيها بالمشاركة السياسية والخدمات الاساسية (من تعليم وصحة). وحتى بعد الجباية والتجنيب وبدعة الشركات الحكومية نجد ان ما راكمه انصار الجبهة من مال لم يتحول للانتاج بل اصبح يدور فى دائرة التداول والمصارف والودائع والمضاربات والعقارات ومجالات اخرى تمتص الطاقة الانتاجية للمواطن والعامل والمزارع: فهى لا تنتج سلعة ولا تقدم خدمة مفيدة. وبالمقارنة نجد ان البوير فى جنوب افريقيا لعبوا دور الطبقة التى عملت على الاستثمار فى الانتاج ولو قهرا (كسياسات النيب عند ستالين) بهدف بناء قاعدة انتاجية وتوسيع الماعون الاقتصادى والمادى فى المجتمع مما ساعد على خلق مصالح (صناعية، زراعية، تجارية، مصرفية) تغيرت خلالها تركيبة المجتمع و اشبعت نهم الشرائح الدنيا من الاقلية البيضاء اولا وصعدت لأعلى السلم الطبقى ثم وهذا هو الاهم فتحت الباب لاتساع قاعدة النظام الاجتماعية ببروز طبقة وسطى من السكان الاصليين لهم مصلحة فى النظام الرأسمالى. بالرغم من عسف الاقلية البيضاء فقد احدثت نمواً اقتصادياً هائلاً  تحول – او فى واقع الامر بدأ يسير -  بعد التسوية (المقايضة) السياسية الى التنمية الاجتماعية.
 
3. المضمون الاقتصادى للمقايضة
 
رجوعاً الى جنوب افريقيا نجد انه بفضل النمو الاقصادى فقد توفرت للنخبة البيضاء الحاكمة قاعدة مصالح مستقلة عن جهاز الدولة، اصبحت هناك مسافة بين النخب الاقتصادية التى صعدت لأعلى وبين الدولة، الشىء الذى ساعد ايضا فى التسوية السياسية أو المقايضة كما يسميها مقالك، فقد توفرت البيئة لصيغة مفادها "الكل يكسب من التسوية " بالفعل وليس بالقول،  او ان شئت يمكن القول ان كل ما حدث هو انسحاب البوير من السياسة للسيطرة على الاقتصاد وترك مجال السياسة للمؤتمر الوطنى الافريقى وحلفائه. اما فى السودان وفى التسعينيات قامت القيادة السياسية تحت مسمى التحرير الاقتصادى بتحويل ملكية موارد الدولة لأفراد وشرائح لدعم قاعدة الحكم و ما حدث وما هو اقرب الى النمو كان فى عقد البترول (1999-2011) وهو نمواً ريعياً بجدارة. فالطبقة الاسلامية الحاكمة لعبت دور صاحب العقار الذى يقبض نصيبه من عائدات البترول وقطاع الخدمات الذى اشرت اليه مرتبط بالانشطة الريعية من بترول وذهب واخيرا استئجار الاراضى للدول والشركات الاجنبية. والاستقرار السياسى الذى عملت على تحقيقه قام على جذب حركات التمرد للدخول فى شبكات الزبائنية والنفعية، فالاصل الطبقى واحد رغم اختلاف الاقاليم والسحنات، والارتباط مع جهاز الدولة هو مصدر امتيازات النخب.
 
بتدمير القطاعات الانتاجية فى الريف تحديداً سواء بفعل فاعل او بالإهمال تدنت الخدمات الاجتماعية (الصحة والتعليم والعمل) المرتبطة بهذه القطاعات الانتاجية لكن ذلك لم يحل دون ان تلتقط شرائح الجبهة الاستثمارية فرصة الولوج للسوق وتحويل هذه الخدمات الى سلع تحت مسمى اقتصاد السوق وما هو باقتصاد سوق إلا فى الإسم. اكرر ان الطبقة الاسلامية الحاكمة فشلت فى توسيع القاعدة الانتاجية والماعون الاقتصادى والمادى والخدمى، لأنها فى الاساس هى طبقة ريعية- راسمالية تابعة، لا تهتم للوسط الاجتماعى الذى تعمل فيه، لانها بطبيعتها تنفر من الانتاج وترتع فى التداول والمضاربة والصيرفة محمية بسيف الدولة،"وشريعتها".  بل فى تقديرى ان الشريحة المهيمنة فى الطبقة الحاكمة سعيدة بان تلعب دورالوكيل التابع حيث تتشابك مصالحها مع مصالح بيوتات المال الخليجى والشرق-اوسطى  ومع جنوب شرقى اسيا و شركات البترول والتعدين فى ظل عالم معولم ومندمج تحت منظمة التجارة الدولية! وهى حتى الان لا توجد مسافة بينها وبين جهاز الدولة (انظر تقارير المراجع العام حول الشركات الحكومية، التجنيب،الجباية، الصرف خارج الميزانية).  
 
المقايضة تتم على اساس من تبادل المصالح بين الاطراف التى تمسك بميزان القوة. من هنا فالتفسير الاقتصادى لشروط المقايضة يقول ما لم تتضاءل الأهمية الإقتصادية للدولة بالنسبة للنخبة الحاكمة لن تجد النخبة الحاكمة حافزاً للتخلى عن تمسكها بالدولة، وتضاؤل اهمية الدولة النسبى وتخلي النخبة عنها يتم فى واحدة من حالتين (1) اذا تحولت النخبة الحاكمة لطبقة منتجة: اى تتحول من طبقة ريعية - تابعة  لطبقة منتجة لها مواقع نفود وقاعدة مصالح خارج جهاز الدولة، وتهتم بالوسط الاجتماعى للمواطنين لدورهم الانتاجى أو (2) اذا زادت كلفة التمسك بالدولة عن العائد منها.  ولكن السؤال يبقى ما هو العائد للمواطن من المقايضة؟ الخوف ان تتم المقايضة بين النخب الحاكمة والمعارضة على ارضية تقاسم اسلاب الدولة المترهلة.
 
 
4.  لماذا العداء للهامش؟
 
لاحظت ان هناك موقفا سلبيا يقترب من العداء تجاه الهامش وحركات الهامش. "......جوهر مصالحها الطبقية والحيوية مرتبطة ببقاء الدولة، على عكس اطروحات حركات الهامش الاحتجاجية التى تسعى الى هدم الدولة وتغيير هويتها الاجتماعية والثقافية وعناصر وهياكل الانتاج الاقتصادى" وجاء فى اخر المقال "على عكس  اطروحة حركات الهامش الاحتجاجية التى تسعى لفرض مشروعها بالقوة الجبرية على قاعدة من التطلعات الاثنية وتناسل الغبن الاجتماعى".
 
الهامش ليس فقط مقولة جغرافية  او اثنية بل الهامش مقولة او مفهوم مركب له ابعادة الاجتماعية والطبقية والسياسية. فابرز كوادر الحركة الاسلامية وفى قلب الطبقة الوسطى ذات الملامح الاسلامية هم من الهامش وهم الان فى قلب الطبقة الوسطى "الاسلامية". كما ان هناك فى المركز الجغرافى من هم فى قاع المجتمع طبقيا واجتماعيا وبالتالى هم ايضا هامش! وربما يكون تخوفك سليما ان كنت تقصد هذا الهامش الطبقى فهو ثورى النزعة ويفتقد القيادة وان لا يزال فى مرحلة التشكل.      
 
أتفق معك فى حديثك" دولة الموظفين التى احتكرت الامتيازات للنخب" فى الماضى وربما يحاجج البعض وله الحق بان الدخول (حتى الوقت الحاضر) لنادى الامتيازات هو الاثنية-الجغرافية النيلية ولكن ما فطن اليه دكتور الترابى هو الابقاء على هيكل احتكار الامتيازات (المسنود بسلطة الدولة) لكن هذه المرة على اسس جديدة ليست بعيدة تماما عن الذهن الشعبى ويمكن تطويعها متى ما استجدت الظروف وذلك بالحديث المتواصل عن الشريعة وجعلها سياجا "رمزيا وماديا" لحماية مصالح الطبقة الجديدة، وهذا ما يفسر ابتزازه للحزبين الكبيرين وايضا حديثه عن من يسميهم بالمسلمين السود فى السودان والظلم الواقع عليهم وعبره اقتحم نادى الكبار المهدى والميرغنى، بل انتزع منهم الريادة. نظريا التحليل الطبقى يفسر العلاقة الوثيقة بين المركز والهامش وعمليا تجد هذه العلاقة تجسيدها فى الترابط الشديد بين قوى المركز وحركات التمرد (المؤتمر الشعبى وحركة العدل والمساواة مثالا).
 
اخيرا لك الشكر على هذا المقال الجيد لقد حرضنى المقال على الكتابة بالرغم من اننى مريض اتلقى العلاج وآمل أن يفتح هذا المقال الجيد الباب لنقاش عميق حول ما جرى خلال اكثر من ربع قرن والاهم ان يعمل على كشف وتعرية اللقاءات والمحادثات والحوارات التى تجرى فى غياب ما يسمى باصحاب المصلحة الحقيقيين.  
 
 د. عطا البطحاني
أستاذ العلوم السياسية. جامعة الخرطوم


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.