عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 الخرطوم مدينة خالية من المرح والدراما، ولكن صارت قهوة الكبتشينو رمزا للطبقة الوسطي المتصاعدة. هكذا كتب الصحفي البريطاني جيمس كوبنال الذي حرر كتابه العام الماضي عن الإنفصال بعنوان (الشوكة المسمومة في قلب السودان).وهو يرصد بروز المقاهي في الخرطوم التي اصبحت ترتادها الطبقة الوسطي الجديدة بفعل عوائد النفط. وكانت الطبقة الوسطي قبل عقود خلت تأكل التسالي  في قاعات السينما وملاعب كرة القدم وامام مدرجات  الجامعات، حتي كتب التيجاني عبدالقادرمقاله المشهور في جامعة الخرطوم عن آكلي التسالي في الشعب السوداني. لعل افضل وصف تاريخي لمظاهر بروز الطبقة الوسطي وهي تكابد للخروج من خصائص هويتها الإجتماعية وقيود تعريفها الإقتصادي هو الأديب الراحل معاوية محمد نور وهو يصف مدينة الخرطوم في العقد الثالث من القرن الماضي.كانت الخرطوم تبحث عن الحداثة تحت عرش المستعمر  والخروج من غياهب الفقر لذا وجد الشغيلة والطلبة والتجار والموظفون يرددون الأغاني الشعبية في هالة من الحزن والمرح ويفتتنون بإيقاعها وقال: "بل بلغ إفتتانهم بها أن الرجل يشتري الأسطوانة الغنائية بعشرين قرشا وهو لا يملك قوت يومه". وهذا يلامس بعض متعلقات التعريف الإقتصادي لأفراد الطبقة الوسطي وهو أن ينفقوا علي السلع غير الضرورية بما فيها الترفيه و تغذية الوجدان بأكثر مما ينفقون علي اشباع حاجياتهم المادية وهم علي اعتاب حداثة دولة المستعمر.

    بلغ الهجاء بحكومة الإنقاذ في السودان أن اتهمت من قبل مناوئيها بهدم الطبقة الوسطي نتيجة قرار سياسي مدروس لتمكين المشروع البديل وإحلالها بطبقة من الرأسمالية الطفيلية المرتبطة بالحكم والسلطة.وجادلت الأدبيات الشائعة أن الطبقة الوسطي هي الحاضنة الثقافية والإجتماعية والسياسية للتغيير لما تملكه من حيوية علي الحراك، وتراكم الوعي، والقدرة علي التأثير،والإنتاج الثقافي والإبداعي ويستدلون علي ان ثورتي اكتوبر وأبريل في تاريخ السودان الحديث هما نتيجة وثمرة طبيعية لقدرة وإرادة الطبقة الوسطي علي التغيير.وأن السودان الآن يوشك ان يودي به الإنهيار الإجتماعي لتآكل وغياب الطبقة الوسطي نسبة لإصطفاف المجتمع في طبقتين، الأولي ميسورة حاكمة والأخري فقيرة كادحة. ويستمد هذا الطرح زعمه من معايير القياس الإقتصادي للطبقة الوسطي دون النظر الي مقاربات الهوية الإجتماعية. ويتعزز ذلك بمعايير القياس الإقتصادي للطبقة الوسطي خاصة في الإنفاق الأسري وهي أن يتخطي انفاقها الإجمالي خط الفقر، علي أن يبقي أنفاقها علي السلع والخدمات غير الأساسية دون ذلك.

    لقد انتجت الدولة الحديثة في السودان مع بداية عهد الإستعمار تشكلات الطبقة الوسطي وساعدت عي تقويتها وتعميقها دولة الموظفين التاريخية التي احتكرت الإمتيازات للنخب الصاعدة وأغدقت المميزات الوظيفية علي هذه الطبقة التي ظلت تنسب الي اصحاب الوظائف والياقات البيضاء ومنتسبي قطاع الإنتاج الحديث في شقيه العام والخاص الذين اتخذوا من التعليم والتدريب رافعة للترقي الإجتماعي والوظيفي. وهم اقرب في التصنيف الماركسي الي البرجوازية الصغيرة. وهي الطبقة التي اتهمها الحزب الشيوعي بحرق المراحل والإنتهازية واجهاض الثورة الوطنية الديمقراطية عندما قيام نظام مايو بقيادة جعفر نميري.

    .وقد انتجت الأنظمة التاريخية الحاكمة في الدولة الريعية التي تشكلت في مرحلة  ما بعد الكولونيالية عقدا اجتماعيا مع الطبقة الوسطي وفق مقايضات سلطوية منحت فيها بعض الامتياز المادي والإجتماعي وفق منظومة الدعم الإقتصادي واتيح لها لعب دور محدود علي هامش الحياة السياسية مقابل شرعية الحكم والسلطة. وقد برز ذلك جليا اثناء ثورة 1952 بقيادة جمال عبدالناصر التي وسعت من قاعدة الطبقة الوسطي في مصر نتيجة التحولات الهائلة التي احدثها تجاه ملكية الأرض وفتح أبواب التعليم، وتقوية بيروقراطية الدولة، والنخبة الإدارية العليا والقوات النظامية وانشاء البنية التصنيعية.و تشكلت وفقا لذلك طبقة وسطي لم تطالب بالديمقراطية والتوجهات الليبرالية بل منحت صكوك الشرعية السياسية للمشروع القومي العروبي بقيادة عبدالناصر، واستمرت في لعبة المقايضات السياسية حتي ثورات الربيع العربي حيث برزت أكبر خيباتها السياسية  والثقافية، لأنها صنعت التغيير لكنها عجزت عن قطف ثماره وأكمال مساره حتي اختطفته قوي أخري وأفرغته من طاقته الثورية ومغازيه في التغيير السياسي والإجتماعي والإقتصادي.

    جاءت ثورات الربيع العربي نتيجة حتمية لتململ الطبقة الوسطي التي أدركت أن الأنظمة العربية الحاكمة لم تعد تفي بتطلعاتها، فكسرت قاعدة العقد الإجتماعيالذي تأسس بعد خروج المستعمر مباشرة والتي قبلت بمقتضاه الطبقة الوسطي بالمقايضة السياسية والإجتماعية وهي منح الشرعية للسلطة، والتنازل عن المشاركة السياسية الفاعلة وارجاء صنع التغيير مقابل ريع الدولة في الدعم والإمتيازات والتعليم وأقتصادالسوق، والإستقرار السياسي والإجتماعي والحياة الليبرالية في المساق الشخصي والثقافي والإجتماعي.

    تقع الطبقة الوسطي بين أعلي السلم الإجتماعي وأدناه،وهي تتميز بدرجة عالية من السيولة وهي ليست كتلة صماء بل تتميز بالتنوع،وعدد من الخصائص الحضارية،وقد صنف الدكتور أحمد موسي بدوي في دراسته العامة عن (تحولات الطبقة الوسطي في العالم العربي)، الفئات المكونة للمجتمع لست طبقات هي: الطبقة المركزية المتحكمة، والطبقة الوسطى المتنفذة، والطبقة الوسطى المستقرة، والطبقة الوسطى الفقيرة، والطبقة العاملة،والفئات اللاطبقية الكادحة. وحسب الدراسات الصادرة من الأمم المتحدة فإن حجم الطبقة الوسطي في السودان 43,4% ، وهي نسبة ربما تبدو متفائلة لكنها لا تبعد عن الحقيقة كثيرا، وهي أقل من متوسط المعدل العربي الذي يصل الي 50% من السكان تقريبا.

    يزعم الحجاج العقلي في هذا المقال أن الطبقة الوسطي لم تتلاشي أو تضمحل بل اتسعت قاعدتها في السودان،ليست بمعايير الدخل فقط بل بترسيخ هويتها الإجتماعيةايضا، وان بعض اسباب بقاء حكومة الإنقاذ علي سدة الحكم طيلة الفترة الماضية لا يعود فقط الي ادعاءات ومزاعم الدولة البوليسية وقوة وعصبية التنظيم الإسلامي بل لوجود طبقة وسطي متماسكة طورت مصالح عضوية للحفاظ علي استقرار الدولة السودانية لأنها أهم خصائص هويتها الإجتماعية. ولا يتوجب قياس حجم الطبقة الوسطي وفق المعايير الديمغرافية أو الإقتصادية فحسب مثل مستوي الدخل والإنفاق الأسري وغيره، لكن يجب التحقق من حقيقة وجودها ومدي تأثيرها وفق معايير الهوية الإجتماعية وخصائصها الحضارية.

    ظلت الطبقة الوسطي في اطار تطورها التاريخي السودان مرتبطة بالدولة، لأنها المخدم الرئيس للنخبة المتعلمة وكذلك لإرتباط الحراك الإقتصادي في القطاعات المنتجة خاصة التصنيع والخدمات وهي الحاضن الأساسي لهذه الطبقة بسياسات الدولة الكلية، لذا فإن الطبقة الوسطي في السودان بطبيعتها ليست ضد الدولة بل داعمة لها، وقد تصدت هذه الطبقة ضمن تحالفاتها التاريخية مع منظومة الدولة لمشروعات التمرد المختلفة منذ ارهاصات مشروع الحركة الشعبية وأطروحة السودان الجديد حتي تمرد حركات الهامش. لأن مصلحة الطبقة الوسطي مرتبط ببقاء الدولة لا هدمها، كما أن مصالحها الطبقية الحقيقية مرتبطة أيضا بإقتصادالسوق والإنفتاح الليبرالي وتوسيع قاعدة التعليم وتوفير الحماية الإجتماعية والإستقرار السياسي، وكذلك الإستثمار في رأس المال البشري. والطبقة الوسطي في أغلبها ظاهرة حضرية وليست ريفية أو بدوية، ولما كانت حركات الهامش والتمرد قد أنطلقت من الريف وعملت علي تكسير قاعدة الإقتصاد الريفي فإنها صارت بطبيعتها حركة تستهدف المركز الحضري بدعوي أنه مركز السلطة، ولكنه في ذات الوقت هو مركز الطبقة الوسطي، وعليه فقد أتخذت المواجهة مظهرا مغايرا فإصبح في تجلياته الأخري مواجهة بين الهامش والمركز،والريف والحضر وبين كتل الطبقات المهمشة ضد توازنات الطبقة الوسطي لأنها مناط الإستقرار. كما أن غالب أنتماءات الطبقة الوسطي بحكم هويتها الإجتماعية وخصائصها  الحضارية هي من الوسط النيلي وأمتدادته الثقافية وتحالفاته الإقتصادية المرتبطة بمناطق الإنتاج في دورة الإقتصاد الحديث، بل اجتذبت أيضا كتل مقدرة ومؤثرة من مراكز الإنتاج التقليدي خاصة الزراعي.وبهذا قاومت الطبقة الوسطي اطروحات التمرد والحركات الإحتجاجية الأخري لتعارضه مع منظومتها القيمية  ومصالحها الطبقية، عليه فإن تماسك هذه الطبقة وليس أنهيارها هو سبب بقاء حكم الإنقاذ من أجل الحماية الإجتماعية والإستقرار السياسي. ونشأ وفقا لهذا الحراك عقد إجتماعي غير معلن يختلف عن المقايضات التاريخية السابقة، وهو الحفاظ علي جوهر بنية الدولة السودانية،مقابل توسيع قاعدتها ورعاية مصالحها في اعادة هيكلة الإقتصاد وتوجيه سياساته الكلية. ولا يظنن ظان وفق تحليل رغبوي أن الطبقة الوسطي جنحت لمشروع الإنقاذ بدافع التدين والهوية الإجتماعية لإنتماءاتها الحضرية الي الوسط النيلي وامتداداته المهنية والثقافية والإقتصادية فحسب، ولكن لأن جوهر مصالحها الطبقية والحيوية مرتبطة ببقاء الدولة، علي عكس أطروحات حركات الهامش الإحتجاجية التي تسعي لهدم الدولة،وتغيير هويتها الإجتماعية والثقافية، وعناصر وهياكل الإنتاج الاقتصادي.

    إن اعتماد حوالي  70% من الناتج القومي علي قطاع الخدمات يعني وجود طبقة وسطي حية، مع تنوع مهني مضطرد، وتوسع في أدوات ووسائل الانتاج الحديث والتقليدي، لكن اختلف دور هذه الطبقة عن السابق فهي لم تعد بؤرة فوران متقدة لتأجيج الحركات الإحتجاجية كما تخيلها جيل أكتوبر الرومانسي أو كما يريدها التحليل الماركسي الطبقي ، ولكن اصبحت مصالحها مرتبطة ببقاء الدولة والحفاظ علي تماسكها ودعم توجهات اقتصاد السوق وتوسيع مواعين الحياة الليبرالية، وتوفير الإمتيازات للبيروقراطيين واصحاب الياقات البيضاء والتوسع في التصنيع واقتصاد الخدمات.ولكن ما تزال الطبقة الوسطي هي مركز تأجيج المطالب الفئوية والمهنية.

    رغم تطلع الطبقة الوسطي لإحداث التحول الديمقراطي لأنها وعاء حامل للقيم الليبرالية إلا أن تجارب الربيع العربي كفتها مشقة إعادة التجريب دون هدي أو كتاب منير، واصبح التحول الديمقراطي في السودان لا يعتمد علي الطبقة الوسطي لأنها كتلة عالية السيولة ومتنوعة المشارب والتوجهات ومتشابكة المصالح، لا سيما وهي تتكون من ثلاثة شرائح متنوعة (متنفذة ومستقرة وفقيرة) ولكن يعتمد علي جملة الحراك الإجتماعي خاصة إذا صحبته سياسات اقتصادية مكنت للإنتهازية والرأسمالية المتوحشة وتعميق الفساد وبناء طبقة رأسمالية جديدة ترتبط بالسلطة ومنظومة الحكم. واصبحت الطبقة الوسطي في تجلياتها الراهنة احرص علي الانتقال السلمي السلس والمتدرج للديمقراطية لبناء الدولة الانمائية بدلا عن الثورة الهوجاء التي تجر البلاد نحو الفوضي وتؤدي الي انهيار بنية الدولة مما يعني تهديد جوهر المصالح الحيوية للطبقة الوسطي.

    زعم البعض  ان سياسات التحرير الإقتصادي وسحب الدعم، وخفض النفقات هي من الأسباب الرئيسة لإنهيارالطبقة الوسطي، ونسب بعض المحللين قيام مظاهرات سبتمبر إحتجاجا علي سحب الدعم من الوقود الي الطبقة الوسطي وهي تتصدي مجددا لصنع التغيير. لكن فات علي هؤلاء أن الطبقة الوسطي بحكم طبيعة هويتها الإجتماعية لم تتحالف في تاريخها مع حركات الهامش الإحتجاجية لتضارب المصالح، لعلمها ان سيطرة هذه الحركات علي مركز السلطة يعني تلقائيا مسح المنظومة القيمية للطبقة الوسطي التي تعتمد علي الكفاءة والتدريب والتعليم والعمل الذهني والمهني والإستثمار في رأس المال البشري، علي عكس اطروحة حركات الهامش الإحتجاجية التي تسعي لفرض مشروعها بالقوة الجبرية علي قاعدة من التطلعات الأثنية وتناسل الغبن الإجتماعي.

    كما فشلت قوي المعارضة الاخري في استقطاب طاقتها الخلاقة نحو التغيير لعدم قدرتها علي تقديم نموذج مقنع يحافظ علي مكتسباتها الطبقية والانتصار لرؤيتها السياسية نحو التغيير المتدرج السلس وليس الثورة الهوجاء التي زرعت شعارات مثالية براقة وحصدت هشيما، وأرتالا من الدموع والضحايا والدماء وهي ترى جموعا متدافعة من بقايا الأنظمة التي ثارت عليها الشعوب تتسلم السلطة من جديد.