1-2

أســـــتـدراكات

خالد موسي دفع الله

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

رغم مرور أحد عشر عاما علي ضرب مصنع الشفاء، إلا أن المعركة القانونية والسياسية مازالت تراوح مكانها بين مالك مصنع الشفاء صلاح أدريس وحكومة السودان من جانب، والحكومة الأمريكية ووكالة المخابرات المركزية CIA من جانب آخر. إذ من المقدر أن يعاد فتح ملف القضية منتصف هذا الشهر بعد أن أيدت محكمة الأستئناف الأمريكية في مارس الماضي قرار محكمة الموضوع بشطب الدعوي ورفض تعويض مالك المصنع صلاح أدريس تحت مبررات سرية قرارات ومداولات الحكومة الأمريكية وحماية الجهاز التنفيذي والرئيس الأمريكي في القرارات التي يتخذها وفق تقديراته لحماية المصلحة القومية الأمريكية.وكانت شركة مصنع الشفاء والسيد صلاح أدريس قد تقدما بدعوي مطالبين بالتعويض المادي لتدمير المصنع ، وأشانة السمعة بمبلغ 50 مليون دولار نسبة للتصريحات التي أصدرها المسئولون الأمريكيون الذين أتهموا مالك المصنع بالضلوع في جرائم غسيل الأموال، وربطه بالشبكة الأرهابية لأسامة بن لادن. 

أصدرت محكمة الأستئناف الأمريكية قرارها رقم 07-5174  بتاريخ 27 مارس 2009  برفض الدعوي المقدمة من صلاح إدريس مالك مصنع الشفاء لتعويضه مبلغ 50 مليون دولار لضرب وتدمير المصنع جراء الغارة الأمريكية، حيث تولي المحامي كريستيان فارقونس تمثيل الشاكي وهو مصنع الشفاء وصلاح أدريس ، بينما تولي فريدريك بنكر نائب مساعد المدعي العام الأمريكي تمثيل الحكومة الأمريكية المشكو ضده. وتكشف حيثيات القضية التي سنستعرضها علي مدي حلقتين عن  سقف الحصانة التي يتمتع بها الجهاز التنفيذي، لا سيما الرئيس الأمريكي عند أتخاذ قرارات تتعلق بالسياسة الخارجية لحماية المصالح الأمريكية، وكذلك التداخل العميق بين السياسة والقانون عندما يقترب الأمر من تعريف وتحديد المجال الحيوي للمصلحة القومية للولايات المتحدة.

جاء في الحيثيات التمهيدية للقرار أن الرئيس كلنتون أصدر قرارا بضرب مصنع الشفاء في السودان بعد أيام قليلة من تفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام ، بعد توفر معلومات تؤكد أرتباط المصنع بالشبكة الأرهابية لأسامة بن لادن.وصف الرئيس كلنتون المصنع بأنه "قاعدة عمليات للأرهابيين". وزعم المسئولون الأمريكيون أن المصنع تملكه مؤسسة التصنيع الحربي التابعة للحكومة السودانية ، وينتج أسلحة كيماوية . وللتدليل علي هذا الزعم قدمت الحكومة الأمريكية عينة من تراب المصنع يحتوي علي حامض أوثمنثي الفوسفات Oethylmethyl phosphonothioic acid  المعروف أختصارا بأسم EMPTA .الذي يستخدم في تصنيع غاز الأعصاب للأغراض الحربية. وفي المقابل قام محامي مصنع الشفاء بتقديم دعوي تدحض هذه الأتهامات مؤكدا أن المصنع لا يملكه بن لادن أو مؤسسة التصنيع الحربي السودانية ،بل يملكه رجل الأعمال السوداني صلاح إدريس، كما لا توجد في تربة المصنع أي أدلة تؤكد علي وجود عامل كيميائي مساعد لأنتاج غاز الأعصاب ، وأن المصنع ينتج الأدوية الطبية فقط حيث يغطي أكثر من نصف الأنتاج المحلي للبلاد. وتقول وثيقة محكمة الأستئناف الأمريكية إن أدارة كلنتون بعد أن أكتشفت بطلان زعمها لتبرير ضرب المصنع قدمت تفسيرا جديدا فحواه أن صلاح أدريس هو المالك الفعلي للمصنع ، ولكنه يعتبر صديقا وداعما للأرهابيين. ونشرت في هذا الصدد صحيفة الواشنطون بوست يوم 1 سبتمبر 1998 تصريحا لأحد المسئولين في وكالة المخابرات المركزية رفض الكشف عن أسمه قال فيه: " المعلومات المتوفرة لدينا عن صلاح أدريس تجعلنا نشك بأنه ضالع في عمليات غسيل الأموال ، كما أنه يرعي كثير من المصالح التجارية لبن لادن في السودان". 

أدي تراجع الأدارة عن أتهاماتها السابقة عن ملكية بن لادن للمصنع ، الي إضعاف موقفها القانوني ، سيما وأنها قدمت تفسيرا جديدا يزعم أن مالك المصنع ضالع في جرائم غسيل الأموال ، ومتهم بتمثيل مصالح بن لادن التجارية في السودان.وسرعان ما أستغل المحامي كريستيان فارقونس تغيير أقوال الأدارة الي الطعن في القرار ، مطالبا بتعويض قدره 50 مليون دولار لموكله مالك المصنع صلاح أدريس. ولكن شطبت محكمة الموضوع القضية أستنادا علي مبدأ "عدم صلاحية الدعوي للتقاضي" بأعتبارها مسألة سياسية لا تصلح للنظر أمام القضاء الأمريكي. وتم حفظ القضية بالمحكمة الفيدرالية تحت رقم الملف. United States, 378 F.3d 1346, 1370 (Fed. Cir. 2004). El-Shifa Pharm. Indus.

وفي ذات الوقت قدم محامي الأتهام كريستيان فارقونس أنابة عن مالك المصنع صلاح أدريس دعوي أدارية ضد وكالة المخابرات المركزية CIA تحت مواد قانون الأثبات مطالبا بالتعويض عن ضرب المصنع ، وأشانة السمعة وفقا للتصريحات التي أطلقها مسئولوا الوكالة ضد صلاح أدريس وأتهامه بالضلوع في عمليات غسيل الأموال. ولكن سرعان ما أنكرت وكالة المخابرات المركزية هذه الأتهامات ، مما دفع محامي مصنع الشفاء الي تقديم طلب الي المحكمة الأعلي (محكمة الأستئناف) مطالبا بالتعويض بذات المبلغ 50 مليون دولار لتدمير المصنع.قدم محامي المصنع في طلب الأستئناف أيضا طلبا بأعلان قضائي لصالح موكله، بحيث تعلن المحكمة أن إدعاءات الأدارة بربط المصنع بالأرهاب وأنتاج أسلحة كيماوية تعتبر باطلة وغير صحيحة، وأن رفض الأدارة الأمريكية لتعويض مالك المصنع يعتبر مخالفا "لقانون الدول أو الأمم".. لقد شطبت محكمة الموضوع دعوي مصنع الشفاء ، بطلب من الأدارة الأمريكية أستنادا علي مبدأ حصانة السيادة الوطنية في أتخاذ القرارات المتعلقة بحماية المصالح الأمريكية. ركز طلب الأستئناف لمالك المصنع صلاح أدريس علي قضية أشانة السمعة وفقا للتصريحات التي أطلقها مسئولوا وكالة المخابرات المركزية، ومخالفة طلب التعويض لقانون الدول Law of Nations. وطالبت الحكومة الأمريكية في هذا الصدد مرة أخري من محكمة الأستئناف شطب الدعوي أستنادا تحت مبدأ (عدم صلاحية التقاضي).بأعتبارها قضية سياسية وليست قانونية nonjusticiable political question.

يمور تاريخ القضاء الأمريكي بكثير من الجدل حول مبدأ حصانة المسئولين والموظفين التنفيذيين في تأدية مهامهم الرسمية ، وحماية تقديراتهم السياسية في أطار مسئولياتهم لخدمة المصلحة القومية الأمريكية، أو ما يعرف (بمبدأ القضية السياسية) ، وتحفظ أدبيات القضاء الأمريكي مقولة القاضي جون مارشال، الذي أكد علي محدودية الدور الذي منحه الدستور للقضاء الأمريكي للتدخل في فض النزاعات السياسية للجهاز التنفيذي مع أي طرف آخر. ويقر القاضي مارشال أن تلك الحماية ليست مطلقة لأنها لا تشمل كل أقسام الجهاز التنفيذي. وتقر المحكمة العليا الأمريكية بأن هذا المبدأ يمنع محكمة الموضوع من النظر في قضايا يوجد فيها إلزام دستوري بالتنسيق السياسي بين أجهزة الدولة المختلفة. ويؤكد فقهاء القانون الأمريكي أن تطور هذا المبدأ أرتبط بمبدأ فصل السلطات،حيث يمنع الدستور الجهاز القضائي من النظر في قضايا ترتبط بالخيارات السياسية، والمحددات القيمية التي أقرها الدستور في أطار السلطات الممنوحة للكونقرس ، والجهاز التنفيذي. عليه فأن القضاء لا يملك أي سلطة دستورية للنظر في النزاعات المختصة بالأمن القومي، والسياسة الخارجية ، وتقنينا لمبدأ فصل السلطات وضع الدستور هذه الأختصاصات في يد الكونقرس والرئيس وأستبعد منها القضاء.

ويبلغ التداخل السياسي والقانوني مدي بعيدا في قضية ضرب مصنع الشفاء لشطب الدعوي التي قدمها صلاح إدريس ضد الحكومة الأمريكية، حين يستخدم القضاء الأمريكي ذخيرته من الفقه القانوني لأنفاذ مبدأ حصانة الجهاز التنفيذي من التقاضي في أطار تأدية مهامه السياسية المتعلقة بالأمن القومي ، والسياسة الخارجية. وتشير محكمة الأستئناف الي أن الدستور أعطي مهمة صياغة وأنفاذ السياسة الخارجية الي الجهازين التنفيذي والتشريعي، وعليه فأن سلوك الجهاز التنفيذي في شأن السياسة الخارجية لا يقع في أي حال من الأحوال تحت طائلة المساءلة القضائية.

أقر القضاء الأمريكي، أنه ليست كل القضايا المتعلقة بالسياسة الخارجية ، تقع خارج أطار سلطته القانونية، بما في ذلك شن هجوم عسكري ضد دولة أخري.إلا أنه في ذات الوقت أكد علي أنه لا يجوز دستورا مراجعة قرارات الرئيس الأمريكي في قضايا الحرب والأمن القومي أمام محكمة فيدرالية.وبررت محكمة الأستئناف ذلك بقولها " إن الرئيس كلنتون بأعتباره القائد الأعلي للجيش الأمريكي أمر بضرب موقع محدد لأصابة هدف عسكري،لحماية المصلحة القومية للبلاد. وعليه فأن هذا القرار يتمتع بالحصانة الدستورية مما يمنع القضاء من التدخل لمراجعته أو النظر إليه".

في ظل هذا الموقف من القضاء الأمريكي الذي منح الحصانة الدستورية المطلقة للقرار الرئاسي بضرب مصنع الشفاء، قام محامي مالك المصنع صلاح إدريس باللجؤ الي "قانون الدول أو الأمم" الذي يعترف بسيادة الدول علي أراضيها، وتحت أعراف القانون الدولي فأن قانون الأمم يلزم الدول بتعويض الأفراد لأي تدمير يلحق بممتلكاتهم، وعليه فأن المحامي طالب في الأستئناف الأعتراف بأنتهاك القانون الدولي العرفي لأمتناع الحكومة الأمريكية عن تعويض صلاح أدريس عن التدمير الذي لحق بممتلكاته. و ذكرت محكمة الأستئناف في قرارها أنها لا يمكن أن تقوم بالتحكيم بين الشاكي ، والمشكو ضده الرئيس الأمريكي لأن ذلك يقع خارج سلطاتها الدستورية ، وأستدلت بعدة سوابق قضائية تم فيها شطب الدعاوي ضد الجهاز التنفيذي ،نسبة للحماية الدستورية التي يتمتع بها. من أمثلة القضايا التي تم شطبها  : شطب دعوي ضد المسئوليين الأمريكيين بزعم مساعدتهم لنظام بينوشيه. وكذلك شطب دعوي ضد بعض المسئوليين في المخابرات ، والخارجية والجيش بدعوي التخابر لصالح جيش غواتيمالا.. وكذلك شطب قضية أختطاف، وتعذيب وقتل أحد قادة الجيش الشيلي أثناء الحرب الباردة بواسطة المخابرات المركزية، وأخيرا شطب الدعوي ضد المسئوليين العسكريين بأستخدام تكتيكات مختلفة لتقليل وترحيل سكان أحدي الجزر،من أجل أقامة قاعدة بحرية عسكرية. تم شطب كل هذه الدعاوي أرتكازا علي مبدأ عدم دستورية تدخل القضاء في قضايا السياسة الخارجية والأمن القومي الذي يقع تحت أختصاص الجهاز التنفيذي والكونقرس. حسب قرار المحكمة الدستورية ، فأن هذه السوابق قيدت سلطة المحكمة في النظر لطلب الشاكي مصنع الشفاء ، رغم أن قانون الأمم يطالب المحكمة بالنظر في قرار الرئيس كلنتون بضرب المصنع والأجابة علي سؤال هل هناك مبررات كافية لأصدار مثل ذلك القرار ، أم تم نتيجة تضليل ومعلومات خاطئة وأسباب واهية مما يستلزم تعويض مالك المصنع.

فرقت محكمة الأستئناف بين دعوتين: الأولي ضد الرئيس كلنتون ، إذ أستندت علي قانون الأمم للنظر في الدعوي والحكم حول مبررات أصدار أمر ضرب مصنع الشفاء، ووفقا لقانون الأجراءات الأدارية الأمريكية ، فأن الحصانة الدستورية التي يتمتع بها الرئيس لم ترفع حتي يتم النظر في هذه الدعوي أمام المحكمة.وبالتالي تسقط هذه الدعوي تلقائيا لعدم دستوريتها. أما الدعوي الثانية فهي موجهة ضد وكالة المخابرات المركزية CIA بشأن أتهامات أشانة السمعة ضد مالك المصنع صلاح أدريس. وأقرت محكمة الأستئناف أن أتهام صلاح أدريس بغسيل الأموال، وتمثيله للمصالح التجارية لبن لادن في السودان جاءت علي خلفية تبرير ضرب وتدمير المصنع. وتقر المحكمة أنه وفقا لقانون الأجراءات الإدارية فأنه تم بالفعل رفع الحصانة الدستورية من وكالة المخابرات المركزية.وقد خالفت محكمة الأستئناف في هذا الصدد قرار محكمة الموضوع التي ربطت ربطا عضويا بين حصانة الرئيس كلنتون الدستورية بأعتباره القائد الأعلي للجيش ورئيس الجهاز التنفيذي ، وبين وكالة المخابرات التي تعتبر أحد أفرع الجهاز التنفيذي المعنية بشئون الأمن القومي. وأعتبرت محكمة الأستئناف أن الشاكي يستحق الحصول علي إعلان قضائي يقر بخطأ الرئيس كلنتون بضرب مصنع الشفاء دون تقديم مبررات كافية ، وكذلك بخطأ وكالة المخابرات المركزية في أشانة سمعة مالك المصنع عند أتهامه بغسيل الأموال ، وربطه بشبكة بن لادن الأرهابية دون تقديم أدلة أثبات كافية. وطالبت المحكمة من الشاكي، تقديم أدلة وبينات كافية تدحض تصريحات مسئولي الوكالة بشأن تبرير ضرب المصنع. وألزم القرار محكمة الموضوع النظر في طلب الشاكي ، والحكم إن كان لدي صلاح أدريس أرتباطات فعلية بشبكة بن لادن الأرهابية أم لا. وذلك حتي يتضح مدي أتفاق أو تعارض ذلك، مع المبررات التي ساقتها أدارة كلنتون لضرب المصنع.

سنستعرض في الحلقة القادمة المبررات القانونية التي أستندت عليها محكمة الأستئناف في موافقتها لحكم محكمة الموضوع بشطب دعوي تعويض تدمير مصنع الشفاء ، رغم أختلافها مع المحكمة في المبررات القانونية التي ساقتها لشطب القضية ، وكذلك مخالفتها لقرار المحكمة الأدني بشطب دعوي أشانة السمعة المرفوعة من صلاح إدريس ضد وكالة المخابرات المركزية.

(نقلا عن الأحداث)