استثارت المناظرة القلمية التي دارت بيني والاستاذ صديق محمد عثمان وبمشاركة كريمة من الدكتور علي الحاج محمد والأستاذ مصطفي البطل في عموده المقروء (غربا بإتجاه الشرق) كثيرا من الإهتمام والتعليقات لأنها لمست عصبا حساسا في توثيق اللحظات الحرجة في تاريخنا المعاصر خاصة ملابسات إتفاقية السلام الشامل وتوثيق محاضر المفاوضات وحيثيات إنفصال جنوب السودان، وسعدت خاصة بالتعليق الزاهي لأستاذنا البروفيسور السفير الخضر هارون الذي وصف هذه المناظرة القلمية بأنها "لم تنزلق إلى مهاوى العنف اللفظى  والعواطف الملتهبة كالحمم الحارقة التى جبل عليها المثقفون السودانيون فى أمور بطبيعتها لا شخصية ولا ضير من الإختلاف عليها فى التحليل أو فى  جهود إصلاح  الخطأ فى إيراد المعلومات والوقائع التأريخية".
و سعدت أكثر كذلك بالإحاطة الكريمة التي نقلها الي علمي الصديق المثقف و الدبلوماسي عمار محمد محمود الذي يعمل مستشارا في سفارتنا في نيروبي وهو سبق وأن عمل تحت قيادة السفير الراحل الدكتور تاج السر محجوب اثناء عمله سفيرا للسودان بأبوجا الذي يعتبر مشاركا وصانعا لإتفاقية السلام الشامل من خلال رئاسته للجنة قسمة الثروة أثناء التفاوض. ولعل الذي أحزن عمار واقض مضجعه هو اعتمادنا علي مصادر اجنبية في التوثيق لمسار مفاوضات إتفاقية السلام الشامل خاصة وأن أسرار المفاوضات ظلت حبيسة وكتيمة في صدور الرجال وهي عرضة للضياع من الذاكرة الوطنية بفعل تقلبات الحياة و أقدار الموت الغلابة.
يقول الصديق والمستشار عمار في رسالته:"عملتُ عن قرب مع السفير الراحل تاج السر محجوب بنيجيريا ولمدة عام ونصف، وخلال هذه الفترة أطلعني على الكثير من سير عملية التفاوض في كينيا، والخلاصة التي خرجت بها من نقاشي معه هو أن القضايا موضوع التفاوض والصيغ التي تمّ التوصل إليها هي بالأصالة ملكاً للوفدين المفاوضين، وأحياناً عندما يتعذّر الاتفاق حول قضية ما كان الوسطاء يأتون ببعض المقترحات والتي هي بطبيعة الحال خاضعة للقبول أو الرفض أو التعديل، وهذه المقترحات لم تكن كثيرة على أية حال".
قبل رحيله الفاجع بأسابيع قليلة أنتهي السفير الراحل د. تاج السر محجوب من توثيق تجربته في مفاوضات السلام في كتاب حمل عنوان:" صدى السنين الحاكي:رحلة 45 عاماً في فضاءات العمل العام"، وقد أرسل السفير الراحل للصديق عمار نسخة الكترونية من هذا الكتاب الذي أمدني مشكورا بالفصل الثاني عشر والذي خصصه لتوثيق تجربته في مفاوضات السلام بنيفاشا.
ولا شك أن هذا الفصل من الكتاب يمثل صورة حية ونابضة بالحياة لشهادة صادقة من لدن مشارك ومفاوض وصانع لاتفاقية السلام الشامل. وتنسف الشهادة التي وثقها السفير الراحل الكثير من شبهات نظرية المؤامرة حول ترفيع وفد التفاوض برئاسة علي عثمان وإزاحة الدكتور غازي صلاح الدين. أكد السفير الراحل وجود مجموعة مختصة ومساندة لتسجيل الوقائع ومتابعة مسار التفاوض وكانت مكونة من الاستاذ السفير عمر صديق والسفير محمد عبدالله ادريس والدكتور محمد مختار من المؤتمر الوطني اضافة الى آخرين.  يصف السفير الراحل تاج السر محجوب حالة الركود والفتور التي بدأت تتسلل للمفاوضات حيث كان يقضي الجميع الوقت دون فعل شيء واصبحت الرياضة ولعب الورق سلوتهم الوحيدة، وقال بروح الدعابة والمرح أن بعض أعضاء الوفد أظهروا مهارة فائقة في لعب "الكنكان": خاصة من الذين كنا نظن انهم لا يعرفون كيف يمسكون الورق !!.وفي ظل هذا المناخ الفاتر والركود الذي بدأ يسري علي عروق التفاوض بادر السفير الراحل بالإتصال بالوسيط الكيني الجنرال سيمبويا. و نسبة لأهمية شهادته سأقتبس نصا من الكتاب الجزء الخاص بحيثيات ترفيع الوفد ومشاركته الشخصية في بلورة هذا المقترح واقناع الوسيط المشترك سيمبويا وكذلك المبعوث الخاص البريطاني آلن قولتي. حيث قال:
"  كان الجنرال سمبويا يحترم مقامات الناس وبالنسبة له كنت أمثل الرجل الثاني في فريق التفاوض كوزير مع ادريس عبد القادر لذلك لم يتوانى في قبول دعوتي له واتفقنا على ان نلتقي الساعة السادسة مساء في الفندق .. والتقيته في الانتركونتيننتال في نيروبي وعبرت له اثناء المقابلة عن بطء سير المفاوضات وأقنعته بان استمرارها على هذا النحو سيكون تحصيل حاصل فكلنا لا يملك التفويض الذي يمكن فريق التفاوض للجانبين من اجتياز الحواجز التي واجهت المجموعتين والتي لا يمكن تجاوزها الا اذا دخلت المفاوضات مرحلة مغايرة من الاولى .. وكان الجنرال سمبويا يظن انني اعني د. غازي وسفاكير ولكنه تفاجأ  بقولي انني اعني السيد/ علي عثمان ود. جون قرنق .. صمت برهة ثم قال انه لا يظن ان ذلك  ممكنا فذلك امر لا يستطيع تحقيقه .. طلبت منه ان يطرح الامر على الخبراء وأصدقاء الإيقاد والذين يمكن ان يعينوا بجعل الامر ممكناً .. وأخبرته بان السيد " ألن قولتي" سفير بريطانيا موجود بالفندق الذي ينزل فيه دائماً ويمكننا ان نتصل به لنلتقيه صباح الغد على الإفطار .. واتصلت بقولتي الذي كان يجمعني معه ود خاص فوافق على الفور بأن نلتقي عنده في الصباح على طاولة الإفطار .. والتقينا صباح اليوم التالي وطرحنا عليه المقترح الذي نحن بصدده فأبدى ارتياحه لذلك ودعم موقفي بأن سقف التفاوض يجب ان يرتفع حتى يمكن تجاوز الحواجز الموجودة .. واتفق قولتي وسمبويا على توزيع الأدوار بينهم لبداية التحرك طالباً منهم ان يكون ذلك بيني وبينهم فقط إذ انني لم أخطر أي أحد من وفد التفاوض لأنني كنت اعلم ما كان يمكن ان يحدث. وبدأت التحركات في الخرطوم وجوبا ونيروبي وبدأت تصلنا بعض المؤشرات على ان التفاوض سيتخذ مساراً جديداً وبعد فترة تم تأكيد الأمر وإخطارنا رسمياً بحضور السيد/ علي عثمان ود. جون قرنق لرئاسة المفاوضات .. سررت كثيراً لذلك لأنني كنت اعلم ان ذلك هو المخرج الوحيد لكسر الحلقة الشيطانية التي كنا ندور فيها لنرجع الى نفس المربع".(انتهي الإقتباس).
هذه الشهادة التي وثقها السفير الراحل في كتابه الذي لم ير النور بعد تؤكد مرة أخري ما ورد في كتاب يوميات نيفاشا الذي حرره السفير عبدالرحمن ضرار أن قرار ترفيع وفد التفاوض لم يكن مجرد مؤامرة سياسية لإبعاد الدكتور غازي صلاح الدين عن قيادة وفد التفاوض كما أشاع البعض ولكنها مبادرة اتت من أطراف عديدة علي رأسها وزير الخارجية الكيني مسيوكا الذي طرح المبادرة عند مقابلته للرئيس البشير يوم 30 اغسطس 2003 والتي تزامنت ايضا مع مبادرة السفير الراحل تاج السر محجوب كما روي تفاصيلها في هذا الكتاب. لكن للحق رصد السفير الراحل العديد من التحولات التي اقلقته وظلت علامات استفهام حتي رحيله وهو اختفاء نجوم نيفاشا من المشهد السياسي وكذلك تراجع دور البعض وظهور شخصيات لم يكن لها وجود أثناء جولات التفاوض الحاسمة خاصة الشخصيات العسكرية من جانب الحكومة و ناشطي قطاع الشمال من جانب الحركة الشعبية. يؤكد السفير الراحل في شهادته أن اعضاء التفاوض كانوا اصحاب القيادة في مركبة التفاوض لم يستطع أحدا أن يملي عليهم شيئا وقال بالحرف " أن ما يسوقه البعض من أن الوثائق كانت تعد بواسطة آخرين من المجتمع الدولي ويبصم عليه من قبل المفاوضين مجرد هراء وتهريج اذ ان ذلك لا اساس له من الصحة البته .تلك شهادة للتاريخ الدافع فيها اظهار الحق وانصافا لأصحابه ولو كانت غير ذلك لقلناها دون خوف أو وجل".
اشكر الصديق عمار لكشفه عن وجود هذه الشهادة الموثقة في كتاب السفير الراحل تاج السر محجوب وهي شهادة منصفة بحق إذ دونها السفير الراحل قبل انتقاله للرفيق الأعلي بأسابيع قلائل، وجعلها الله في ميزان حسناته إذ ترك للأجيال القادمة كلمته للتاريخ ليس من موقع المراقب والمتابع بل من موقع المشارك والصانع للحدث، وهذه مناسبة لأناشد اللجنة القائمة لتوثيق وقائع مفاوضات نيفاشا بطبع هذا الكتاب بعد استئذان ورثته التي لن تبخل بتوثيق شهادته التاريخية من اجل بناء ذاكرة الوطن وحق الأجيال القادمة.
وردتني أيضا شهادة ثاقبة من السفير حسن جاد كريم الذي كان شاهدا ومشاركا في بعض هذه الأحداث من خلال متابعته مع آخرين للمسار الإقتصادي حيث عمل وكيلا لوزارة التعاون الدولي ومديرا عاما للتعاون الدولي في وزارة الخارجية، لكنه يخشي بفعل المعمعان السياسي من توثيق تجربته في وسائل الإعلام السيارة خوفا من تغذية الجدل السياسي وملابسات التوظيف الحزبي، وهذه مناسبة أيضا للإستفادة من شهادته من قبل المجموعة المختصة بتوثيق هذا العمل الهام في تاريخ السودان الحديث. أتحفنا أيضا المهندس حسن الصادق أحمد برأي طريف يستحق التأمل حيث كتب من الدوحة في اطار اهتمامه بالتوثيق للأحداث التاريخية الحقيقة ومن خلال خلفيته الهندسية في علوم الحاسوب بأن (تقوم وزارة الثقافة بتوفير مجرد غرفة ووسائط تتيح لكل من كان له شأن وإسهام في صناعة تاريخ البلد أن يأتي فقط لوحده مع "فني تسجيل" ليقول ما يريد ليخضع هذا في المستقبل للتقييم الموضوعي من قبل الجامعات ومراكز البحث التي أستغرب ماذا تبحث إذا لم يكون هذا عملها الأول). وهذا المقترح يشبه الي حد كبير ما اسماه البروفيسور عبدالله علي ابراهيم توثيق التراث الشفاهي وهي فكرة نبعت من المهنية الأكاديمية العالية للبروفيسور يوسف فضل أثناء تقلده أعباء إدارة معهد الدراسات الأفريقية والأسيوية وهي ذات الفكرة التي صنعت الأسم الرنان في تاريخ توثيق الفلكور السوداني وهو العلم الراحل الطيب محمد الطيب الذي أخترع له البروفيسور يوسف فضل وظيفة (جامع فلكلور) في معهد الأفرويشين.
أختم هذا المقال أيضا بالمداخلة القيمة التي تبادلتها مع الصديق والسفير محمد الغزالي سراج الدارس والمختص في العلوم السياسية الذي خالفني الرأي في أن اتفاقية السلام الشامل ليست مثل الإتفاقيات الدولية الأخري كالإتفاق النووي الإيراني فهو لا يتعلق بالمصير المحتوم لأمة وشعب كإتفاقية نيفاشا ولذلك فهو يري أهمية توفر المرجعيات والتدقيق في النصوص وشرح معانيها حتي لا تقبل اللبس والغموض.وبحكم دراسته للعلوم السياسية يري السفير محمد الغزالي أن مصطلح (الجاذبة) المرتبط بوصف الوحدة مفهوم قيمي مجرد لا يمكن وضعه في المختبر وقياس سعارات جاذبيته الحرارية مما يقود للإلتباس والتغبيش، لذا لا بد من وضع الأسس والمعايير الصارمة لمعرفة خلفيات هذه الإستخدمات من خلال وثائق التفاوض.
لا بد وأنا اختتم سلسلة هذه الحوارات القلمية مع الأستاذ صديق محمد عثمان أن احمد له سعة صدره وافقه وابتعادنا جميعا من الملاسنات اللفظية غير المجدية وسعينا لترسيخ مبدأ الحوار واحترام وجهات النظر، ولا شك أنني تلعمت وافدت كثيرا من مداخلاته وردود وتعليقات القراء ونقد المثقفين والأصدقاء.
 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////