أســـــتـدراكات

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تحفظ الذاكرة الثقافية لتاريخنا المعاصر أن الخلاف بين الدكتور حسن الترابي والأديب الراحل الطيب صالح، لم يتفجر لخلفية المجايلة وغيرة الأنداد، كما لم يستفحل نتيجة للصراع الفكري أو التنافر الشخصي بل أنطلق من فكرة مؤداها أن الطيب صالح كان يري أن المشروع الذي أبتدرته الأنقاذ أول عهدها بقيادة الدكتور الترابي يكلف السودان ما لا يطيق ويرهقه من أمره عسرا، لأن السودان بطبيعة تنوعه الثقافي ، وموقعه الجغرافي وتباينه الأثني وثراءه اللغوي ليس مهيئا للقيام بهذا الدور في وجود دول أسلامية رائدة وقائدة، منها ما هي مهبطا للوحي والرسالة الخاتمة ، و دولا أخري كانت مراكزا للأشعاع الثقافي ، ومهدا للحضارة الأسلامية عبر حقبها التاريخية المختلفة مثل الدولة الأموية في الشام ، والعباسية في بغداد والفاطمية في مصر. فلماذا يتصدي السودان لهذه المهمة وليس في تاريخه الثقافي أو الحضاري ما يؤهله للقيام بهذا الدور، سيما وأنه لم ينزل في أرضه فقيه تشد اليه الرحال أو عالم تضرب إليه أكباد الأبل  ، أو مذهب فقهي معلوم ، أو حافظ تواترت عنه قراءة مشهورة . عندما صدع الأديب الراحل بهذا الرأي في وجه الدكتور الترابي في أحدي اللقاءات النادرة في أروبا ، رد عليه الدكتور الترابي بطريقة تهكمية ساخرة، تشير الي أن رأيه يكشف عن أستلاب ثقافي وتأثرا بالغرب، وقصورا في الأصالة المعرفية، لأن الترابي يؤمن أن التحولات والأكتشافات الكبري في التاريخ قامت نتيجة ثورات علمية أو أجتماعية وليست نتيجة حتمية للتراكم المعرفي أو الأتصال التاريخي. وبالتالي فأن السودان لا ينظر الي الأقدار التاريخية بأعتبارها كوابحا تجره للوراء، وتحرمه من التفاعل التلقائي لتحديد دوره المستقبلي.وظاهرة النبوة أيضا قائمة علي فكرة الثورة هذه، لأنه نزول الوحي وبعث الأنبياء لا يقوم علي تراكم المعرفة الدينية المفارقة للحس التوحيدي لدي البشر ، بل ينهض برسالة تحدث ثورة جذرية في المجتمع بأحقاق الحق ودحض الباطل فينتج عن ذلك أنقلابا في التصورات العقدية ، وتحولات في البنية الأجتماعية والثقافية، وتنهض علاقات جديدة رأسيا وأفقيا .وهذه الفكرة التي أومأ اليها الترابي لها أثر في تاريخ الفلسفات والعلوم الغربية، وقد أشتهرت وذاعت بعد نظرية توماس كوهن الذي أرجع تطور العلوم والتكنلوجيا للثورات العلمية وليس للتراكم المعرفي التاريخي.ولعل هذا الجدل قد لخص المفارقة بين رؤية المثقف المشفق علي  شعبه من ويلات الطموح الأيدلوجي، الذي سيجر الشعب الي مواجهات حتمية ستكلف البلاد والعباد ثمنا باهظا ، وبين القائد السياسي الذي يري قدرة شعبه علي خوض غمار التحديات وتحقيق الأنتصارات .

ظل هذا الجدل محتدما ويلقي بظلاله علي آفاق الحياة العامة في السودان، رغم مرور الوقت ، و أنحسار نفوذ الخطاب الديني، وتبدل الشخوص والحيثيات، إذا لم تعد الأنقاذ تتبني النموذج الصدامي الذي أنتقده الطيب صالح، ولم يعد الشيخ حسن الترابي يتبني نهج المقاومة والمصادمة والثورات بعد  خروجه من الحكومة، بل صار يطرز خطابا ينادي بالحريات ويتماهي مع حقوق الأنسان.

يستخلص البعض من المواجهة الرمزية بين الأديب الراحل الطيب صالح والدكتور الترابي، بأن رؤية الفنان والمبدع دائما ما تتعرض للقمع والتبخيس من الفاعل السياسي، وإن طرزتها خصائص الرشد و فصوص الحكم. رؤية الفنان التي عبر عنها الطيب صالح هو أن السودان لا يطيق أن يحمل الطموحات والأعباء التاريخية أنابة عن العالم الأسلامي ، بل عليه أن يدرك حتميات أقداره التاريخية وأن يقتصد في طموحاته والتركيز علي حل مشاكله الداخلية التي تحتوشه من كل جانب.

رغم كل الأصباغ والألوان التي بذلت لتجميل وجه الثقافة ، إلا أنني لمست قناعة راسخة وسط الناشطين، والفنانين والمثقفين تزعم بأن الأسلاميين وأهل الأنقاذ لديهم جينات مضادة للثقافة،وأن جذور ثقافتهم السلفية تحجب عنهم منابع الألهام والأبداع. ويستدلون علي ذلك بأن النخبة المثقفة من الأسلاميين أبتعدت أو أبعدت لأنها تعبر عن المرجعية الأخلاقية والتاريخية للمشروع، وتعتبر الذاكرة الحية للحقيقة، ويمتد الزعم الي أن المثقفين من ناشطي الأنقاذ المشاركين في حقل الدولة والعمل العام تم أفراغ شحنتهم المعرفية والثقافية حتي لم تعد مرجعا حقيقيا للتوجهات والسياسات الكلية . في المقابل يدحض البعض هذه الأتهامات مشيرين الي أن النخبة الحاكمة الآن هي نتاج طبيعي لحركة الصفوة الأسلامية التي أرتكز برنامجها الأول علي قواعد فكرية وثقافية براقة وملهمة.إن الأنطباع السائد عن العلاقة السالبة بين النخبة الأسلامية الحاكمة وبين الثقافة والفنون ،خاب أم صح، فأنه صار يشكل صورة نمطية ذائعة بين العاملين في حقل الأبداع. ويرون أن الثقافة لا تكتسب أهمية أعتبارية في مشروع الأنقاذ إلا من باب التوسل للغايات السياسة. ووقر في ظن الشانئين علي الأنقاذ أن كل من لمسوا منه نبوغا ، أو تفوقا في مجالات الأبداع قالوا أنه ضل طريقه الي العنوان الخطأ لأن الأبداع والخلق والأبتكار لا يتماشي مع الثقافة السلفية المتزمتة. هذا رغم أن منسوبي الحركة الأسلامية يعلنون أنهم من دعاة الوسطية التي لا تلفظ الموروث الثقافي السوداني ضربة لازب، بل تتوخي وتوائم بين مبادئ الأسلام السامية والتقاليد الأجتماعية السائدة.ولعل النكتة الذي ذكرها الدكتور فرانسيس دينق تلامس شيئا من هذا المعني إذ قال أنه زار أحد الوزراء الجنوبيين في مكتبه أثناء حقبة الرئيس الراحل جعفر نميري ، فرد عليه سكرتير المكتب بأنجليزية مكسرة minister go, minister no فقال له الدكتور فرانسيس ولماذا لا تجيبني باللغة التي تعرفها وتوضح لي أن الوزير غادر مكتبه. فتعجب السكرتير من لباقة د. فرانسيس وبلاغته باللغة العربية وقال له: آسف والله يا أستاذ قايلك جنوبي. كما تشبه أيضا الرواية التي ذكرها السياسي المخضرم بونا ملوال الذي قال أنه كلما دشن أنجازا ، أو أتي فعلا جميلا أثناء فترة عمله وزيرا للثقافة والأعلام في حقبة الرئيس الراحل نميري، أتاه بعض أصدقاءه  يحثونه علي الأسلام، لظنهم أن الأبداع والأنجاز لا يتأتي لجنوبي مسيحي ، بل لا بد أن يخرج من لدن شمالي مسلم.

وقد ساعد في ترسيخ هذه الصورة النمطية عن العلاقة العدائية بين الثقافة والأنقاذ أن الدولة لم تعر الثقافة أهتماما بل وضعتها في آخر سلم أولوياتها. وقد سبق وأن صرح الدكتور غازي صلاح الدين عندما تولي منصب وزير الثقافة والأعلام في السابق بأن الدولة لا تضع الثقافة في سلم أولوياتها لأنها تظن أن الأستهداف الأمني والعسكري هو المهدد الأول.ولا شك أن الذهنية السياسية التي تهمل الأمن الثقافي لهي غافلة عن حقيقة الأشياء..لأن الهزيمة الثقافية تعني أنهيار خط الدفاع الأول عن هوية وروح الأمة. والهزيمة الثقافية هي المقدمة للهزيمة العسكرية والسياسية الماحقة.

قادتني الأقدار الي الدخول في مساجلات، وحوارات مع عدد من المبدعين والفنانين، وأتفق جل رأيهم علي أن السياسيات الكلية للدولة في مجال الثقافة تضيق الخناق علي الأبداع . منها عسف السلطات ضد المناشط الأبداعية التي تتطلب قدرا من المواءمة والحرية، وقد إلتقيت عددا من المبدعين الذين أحتضنتهم المنافي ، يتحدث بعضهم بمرارة عن بعض الحوادث التاريخية التي غلبت عليها التصرفات الفردية ، والتي يظنون أنها أهدرت القيمة المعنوية والأدبية لشخصية الفنان.وذكر فنان مشهور في أحدي الفرق الغنائية أنهم أعتادوا أن يركبوا البوكس الذي كان ينتظرهم خارج مكان الحفل دون أن يطلب منهم أحد ذلك تسهيلا لمهمة أحد الضباط الذي أعتاد أن يقتادهم للتحقيق عقب كل حفل لأنه يظن أن الأغنيات التي تقدمها المجموعة  تفوح منها رائحة الأحتجاج والمعارضة السياسة.وبعد تدخل جهات عليا معنية بالعمل الثقافي تم تقديم أعتذار للمجموعة التي أكتشفت أن تلك التصرفات بنيت علي تقديرات فردية وليست سياسة رسمية مجازة من الدولة.إلا أن هذا الأعتذار لم يشفع في تغيير الصورة النمطية عن عداء الدولة للثقافة. ولعل روح المفارقة تكمن بأن ذات الفرقة الغنائية سبق وأن أحيت حفلا في أحدي الأدارات العسكرية بالقيادة العامة، وشاءت الصدف أن يشرف ذلك الحفل الرئيس عمر البشير ، ودشنت الفرقة حفلها بأغنية الأحتجاج علي الدرادر والعساكر التي كان يظن صاحبنا أنها مما يصب في خانة المعارضة السياسية، فكان أن صفق لها الرئيس وعرض علي نغماتها، فتعجب فنانوا الفرقة بين أغنية تقود للتحقيق ، وهي ذات الأغنية التي يعرض الرئيس البشير علي نغماتها، ويصفق أستحسانا لأدائها.

 علي هامش أحدي البروفات لفنان القرن محمد وردي، دار حديث شفيف حول هموم الفن ، وأسباب أزمة الأغنية السودانية ، هل هي أزمة نص شعري ، أم ضعف في ملكات التلحين ، أم غياب الأصوات الجملية ، أم تدهور في ذوق وأذن المستمع. فقال وردي مجيبا ، أنها أزمة شاملة ، حيث أصاب التدهور كل مظاهر الحياة العامة في جميع جوانبها.والغناء جزء لا يتجزأ من هذا التدهور الكلي وقال أن الأنقاذ رغم دعمها الظاهري للفنون إلا أنها لا تستطيع أتاحة الحرية للأبداع نسبة لظلال النفسية السلفية المسيطرة..وأستدل بأن أحد رموز الأنقاذ قال له: لا نريدك يا وردي أن تغني للأنقاذ ، يكفي أن تتغني للوطن وأن تمجد مشروعات التنمية والعمران ، فقال وردي ساخرا يريدونني أن أغني للسيخ والطوب والأسمنت وليس للثقافة..هذه العبارة البسيطة التي عبر عنها وردي في أطار من السخرية الشفيفة تكشف عن عمق الأزمة التي أفضت الي تكريس الصورة النمطية للثقافة في عهد الأنقاذ. أستدل فنان مشهور بأن فترة الرئيس نميري رغم ما شهدته من ديكتاتورية وقمع سياسي إلا أنها في مجال الثقافة نجحت في نشر وتنشيط الأبداع عبر المهرجانات والمسابقات القومية، حيث شهدت تلك الفترة بروز أصوات جميلة ما زالت تحتكر الأبداع في الساحة الفنية ، كما تميزت تلك الفترة بميلاد أغنيات حفرت أسمائها في وجدان الشعب السوداني.في المقابل يقولون ، أنه بقدر نجاح الأنقاذ في نشر و أزدهار فن الأنشاد الديني والمديح، إلا أنها في مجال الأبداع والثقافة والفنون سجلت فشلا ذريعا ، حيث لم تشهد هذه الفترة بروز أصوات جميلة ، أو أنتاج أغنيات وأعمال فنية كبيرة تضاهي الأبداعات السابقة.

البعض يرد ذلك أضافة الي تضاؤل أهتمام الدولة بالمسألة الثقافية، الي الموروث الفقهي للنخبة الأسلامية التي تنظر لقضايا الفن والثقافة بعين الريبة والشك، والأحتراز.وتقع الفنون علي هامش أهتماماتها المعرفية والأبداعية ، فرغم المحاولات التي بذلها بعض المفكرين والمثقفين وعلي رأسهم الدكتور الترابي وفضيلة الشيخ يوسف القرضاوي في تأصيل قضايا الفن ،وفقه السماع ،إلا أن السياسات العامة ، والتوجهات الكلية ، وسلطات أنفاذ القانون يطغي عليها روح التوجس من ليبرالية الفنون،  ورحابة الأبداع، علما بأن الفن لا يحارب إلا بالفن لا بالقمع والأسكات.  يقول الدكتور أمين حسن عمر في حوار أستثنائي عن سيرته الذاتية في مجلة أفكار جديدة عام 2006 ، أنه عندما تأكدت رغبته في الأنضمام للأتجاه الأسلامي بجامعة الخرطوم بعد أنسلاخه من الحزب الشيوعي،ونسبة لنفوره من التزمت السلفي الذي كان يطبع السلوك العام لأفراد المجموعة ، وجد فيمن أسماهم (صعاليك الحركة الأسلامية) ملاذا مناسبا ، ومدخلا مأمونا يركن اليه من شنشنة السلفيين. ومن أسماهم رمزا (صعاليك الحركة الأسلامية) كانوا يسهرون علي قضايا الأعلام والثقافة و يحررون صحيفة آخر لحظة ، و رغم جليل العمل الذي كانوا يقومون به إلا أن سلوكهم الليبرالي -إذ كان بعضهم يدخن السجاير- قد شكل لهم عزلة داخل تنظيم الطلاب. هذا يؤكد أن النزعة السلفية المتزمتة التي كانت سائدة آنذاك قد ألقت بظلالها علي المزاج النفسي العام. ولا شك أن رموز تلك الحقبة المتأثرة بتلك النفسية ما زالت تمسك بمقاليد ومداخيل العمل الثقافي والفني إما بالأشراف المباشر أو بالتحكم في مصادر التمويل.

صفوة القول أن الأنقاذ رغم نجاحها في ميادين العمل الأقتصادي و البني التحتية، و التنمية العمرانية ،إلا أنها  فشلت في تقديم نموذج ثقافي يعتد به،وعجزت بمشاركة الحركة الشعبية في أن تصوغ من أتفاقية السلام التي تم توقيعها عام 2005 مشروعا ثقافيا للتواؤم ليعزز من قيم التعايش والسلام الأجتماعي .لقد أستنكف الطرفان أبتدار مشروع للحوار الثقافي بين مفردات السودان الجديد، وعناصر المشروع الحضاري، والمشروغات الثقافية الأخري للبحث عن المشتركات وتكريس قيم التعايش المشترك...إن الأمل المرتجي ليس أشعال ثورة ثقافية كالثورة الصينية ، بل أفساح المجال للأبداع ،ورعايته وتشجيعه ودعمه ،  وتجاوز ذخيرة الفقه التشكيكي في جدوي الفنون، ولبيرالية مناشطه . إن الثقافة قادرة علي تدعيم أواصر السلام، وترسيخ قيم التعايش السلمي وصنع مستقبل أفضل للأجيال القادمة دون أن تتخطفها أهواء السياسة.

تبدوا النخبة الأسلامية الحاكمة زاهدة في تجسيير الهوة بينها وبين المثقفين والمبدعين لأنهم لا يشكلون خطرا سياسيا ، أو رقما أنتخابيا مهما ، كما أنهم لا يشكلون تمردا مسلحا يزحف من أطراف البلاد.إن أشرس الحروب التي تواجهها الأمة الآن هي حرب الهوية تحت مزاعم التهميش، وأحتكار المركز والنخبة النيلية لمقدرات وثروات البلاد، مما أفرز خطابا أحتجاجيا وتبريريا لأنهار الدماء و العنف المسلح. وهذه القضية لا تحلها الدبابات ولا المدافع لأنها قضية ثقافية في المقام الأول..لذا كلما أستهجن السياسيون دور المثقفين والمفكرين في حل قضايا الأمة ، كلما أستفحل الأمر ، وتعقدت الحلول وبعدت المسافة للهدي والرشاد.

 وعودا الي الجدل الذي صدرنا به هذه المقالة ،بين رؤية السياسي والفنان ، فأن رؤية الفنان أولي بالأتباع في قضايا الثقافة من رؤية السياسي، لأرتفاع حسه الأنساني والوجودي، وأحتفاءه المعنوي بقيم الخير والحق والجمال. ولعلنا لو أتبعنا رأي الطيب صالح بألا ينوب السودان عن تحقيق التطلعات التاريخية للأمة الأسلامية لأنه لا يملك عوامل الدفع الحضارية والتاريخية، في وجود من هو أقدر منه علي قيادة الأمة ، لربما كان لنا الآن موقعا مرموقا تحت الشمس..