أهنيء في المبتدأ الأستاذ طارق الجزولي رئيس التحرير وكذلك القراء الكرام بمعاودة (سودانايل) للصدور مجددا بعد غيبة قسرية نتيجة لإستهداف جبان قصد منه اسكات صوت اشتهر بالموضوعية والتجرد والبحث عن الحقيقة.وهي رسالة جديرة بالإحتفاء والدعم والعرفان في سبيل الإستنارة وخدمة قضايا الثقافة والفكر والمعرفة والإصلاح السياسي والإجتماعي وبناء مستقبل أفضل للسودان.


عندما فتح الأستاذ عثمان ميرغنى في صحيفة (التيار) سلسلة تحقيقاته الشهيرة (من ضيع السودان؟ عشر مخازي سودانية) تحدث عن مشكلة التأميم التي قادها المستشار الإقتصادى لمجلس قيادة ثورة مايو احمد محمد سعيد الاسد، وعدها حسب حديث منصور خالد في كتابه النفق المظلم أن نميرى استعان بالمجموعة المنشقة لإحراز نصر سياسي ضد الحزب الشيوعى بالضغط من أجل التأميم.واتهم منصور خالد الاستاذ احمد سليمان المحامي بإعداد التفاصيل بمعاونة المستشار أحمد محمد سعيد الأسد.
وفتح باب التأميم مجددا الأستاذ مصطفي البطل في مقاله الراتب بصحيفة (السوداني) بعنوان (اخاف من الكلب يطلع لي أسد)،نوه فيه الى مقال أحمد الأسد حول احداث سبتمبر بعنوان (عصف ذهني حول أحداث سبتمبر) الذي ملأه بحتميات التاريخ، وحشاه بلغة وثوقية متعالية ومصطلحات ايدلوجية طنانة وأوصاف أطلاقية فندها البطل تفنيدا وورقها توريقا من حيث المعني والموضوعية والسند التاريخي.واستند البطل الي رواية الرائد الراحل زين العابدين محمد احمد عبدالقادر في مذكراته (مايو سنوات الخصب والجفاف) الذي نسب الفكرة والمقترح الي المستشار الإقتصادي أحمد الأسد. وطلب الأستاذ البطل من يدله علي حصن الأسد. وهأنذا أبسط خارطة الوصول اليه.
لا يوجد تناقض جوهري بين روايتي منصور خالد وزين العابدين محمد احمد عبدالقادر حول التأميم، إذ نسب منصور الفكرة والمبادرة لأحمد سليمان وعاونه أحمد الأسد، بينما أقر زين العابدين بأن صاحب المبادرة هو المستشار الإقتصادي لمجلس قيادة الثورة أحمد الأسد، ولم يذكر دورا لأحمد سليمان المحامي.
لعل الأقدار وحدها هي ما جعلتني التقي بالدكتور أحمد الأسد الذي يعيش حين قابلته في مدينة ايست لانسينغ في ولاية متشيغان بالولايات المتحدة الأمريكية والتي زرتها للمشاركة في ندوة سياسية عن قضية جنوب السودان عام 2004 نظمتها كلية الدراسات الأفريقية بجامعة ولاية متشيغان، وقد تكالب علىّ الناشطون من كل حدب وصوب وأمطرونى بوابل من الأسئلة وفيض من التجريحات واطنان من الكلام الثوري وشعارات التحرر من استعمار الجلابة.وحظيت بحضور الدكتور الأسد وشاركته الحديث بعدها في حضن اسرته الكبيرة بالمدينة الجميلة.وللحق لم أكن أعلم هوية الرجل حتي ذلك الحين، التي تكشفت لي رويدا رويدا أثناء الحديث وهو يدافع بحرارة عن سياسات الحزب الشيوعي في قضية الجنوب وأزمة الإسلاميين وهم يتورطون حسب وصفه في حرب دينية وجهادية ستضر بقضية الوحدة الوطنية.كان معظم حضور الندوة من طلاب واساتذة الجامعة خاصة الطلاب الأفارقة والناشطين الجنوبيين الذين ينتمون الي فصيلة (الأولاد الضائعين)الذين تمت اعادة توطينهم في الولايات المتحدة من معسكرات كاكوما. وقد اشفق علىّ بعض الحضور من الهجوم الكاسح والضاري من قبل المشاركين لأني في تصورهم ممثلا لدولة الجلابة والعنصرية العربية في ازهي تجلياتها.وكانت ابتسامة الشماتة تعلو شفاه بعض الحضور والطلاب الجنوبيون وبعض الناشطين الأمريكان يتناوشوني بسهام النقد وسوء منقلب سياسة الحكومة تجاه الجنوب وهم يعلنون أن مؤشرات الهزيمة السياسية والعسكرية تلوح في الأفق.ولم يهدأ سيل الشتائم إلا عندما اعلنت أن الحكومة لن تخسر الحرب وان استمرت الف عام لأنها ظلت تقاتل التمرد منذ عام 1956، وأن التفاوض السلمي والتسوية السياسية هي الأوفق حسب مسيرة السلام التي كانت تجري في نيفاشا آنذاك. ولكن انتهت الندوة بالتعادل السلبي مع بعض التجريحات والخسائر المعنوية وهي نتيجة لم اكن احلم بها في ظل هجوم ضاري لا يبقي ولا يذر.
اذكر في حديث الدكتور الأسد بعد أن مرت عليه السنون أنه كان معتزا ومغترا بتجربة التأميم، ولم يبد أي شعور بالندم أو حتي المراجعة الهادئة للآثار التي ترتبت عليها في مسيرة الإقتصاد السوداني.بل كان يتحدث بإعتبارها أنجازا تاريخيا فريدا يفخر به ويدافع عنه. وربما أشار في حديثه الي تأثره بتجربة دراساته العليا في دول أوروبا الشرقية التي طبقت ذات النمط في إطار مقاومة الإمبريالية والتحرر من الإستعمار، وظني إنه نال الدكتوراة من المجر، أو بلغاريا.
كان حديثه معي لا يخلو من استاذية ولكنه كما اتضح لي جليا بعدها أنه فقد الصلة بالواقع، فقد كان يتسقط أخبار تطورات الأوضاع في السودان من مصادر ايدلوجية تزين له أحلامه، لذا جاءت تحليلاته سطحية وفطيرة ومبتسرة، ولاحظت فعلا أن مصطلحاته التي كان يستعملها تنتمي الي حقبة الستينات وتغرف بكرم دافق من قاموس مصطلحات الثورات الإشتراكية. وأعترف لي في حديثه أنه صاحب المبادرة والفكرة لكنها تمت بمباركة ودعم وتبني كامل من الحزب الشيوعي السوداني.
ساقتني الأقدار والصدف مرة أخري لمجالسة الأستاذ أحمد سليمان المحامي في منزل أقامته المؤقت بالولايات المتحدة، وللحق كان زاهدا في الحديث عن السياسة وأجترار الذكريات واثبات بطولات تاريخية عفا عليها الزمن، ورفض توسلاتي المستمرة لتسجيل مذكراته وتحريرها لتبقي وثيقة هامة في تاريخ السودان الحديث. ورفض أن يعلق علي الإتهام الوارد بشأن تقديمه لمبادرة التأميم وتنفيذها بالمشاركة مع المستشار الإقتصادي أحمد الأسد. ولم ينشط الأستاذ الراحل أحمد سليمان في تلك الفترة سوي في الرد علي منصور خالد في آخر مقال خطه بيراعه قبل وفاته أكد فيه أن الحركة الشعبية لتحرير السودان ليست حركة تحرر وطني كما حاول منصور أن يصورها للمتعاطفين من جمهوره السياسي، وفند تلك الأطروحة بالدليل الدامغ مستعرضا دعم الحكومات الوطنية المتعاقبة لحركات التحرر الوطني الأفريقي في الوقت الذي ظلت تنأي فيه الأحزاب الجنوبية بنفسها عن تقديم أي دعم او حتي تبني الأدبيات السياسة لحركات التحرر الأفريقية.
كنت ومازلت أعتقد جازما أن الراحل احمد سليمان المحامي يعتبر اخطر ابناء جيله، وكان يرد علي اسئلتنا حول الأتهامات التي تلاحقه عن تورطه في معظم انقلابات السودان الناجح فيها والفاشل بقوله أن الإنقلابات العسكرية كانت هي الموضة السياسية السائدة لتحقيق التنمية في دولة ما بعد الكولونيالية عبر المؤسسة العسكرية ، بوسائل الثورة الوطنية والشعارات الإشتراكية. وذلك ما جعل الأستاذ كمال الجزولي يفتح أكثر من مرة كوة السؤال التاريخي عن دور أحمد سليمان المحامي في إنقلاب الإنقاذ بعد الإتهام الجهير للصادق المهدي بأنه عرض عليه الإنقلاب أثناء توليه رئاسة الوزراء في حقبة الديمقراطية الثالثة. ولكن أحمد سليمان كان يري أن الصادق المهدي ينطلق من موجدة تاريخية تتعلق بصراعه التاريخي مع الأستاذ محمد أحمد المحجوب الذي كان صديقا شخصيا لأحمد سليمان. وقد أتهمت المخابرات البريطانية في وثائقها التي نشرت في دابر الألفية الماضية أحمد سليمان بأنه كان المحرك الفعلي لمعظم قرارات المحجوب السياسية الأمر الذي نفاه وقال إن المحجوب أعظم من أن يؤثر عليه أحد.ورد الراحل أحمد سليمان المحامي رواية الصادق المهدي الي زيارة مشتركة الي الصادق المهدي في معية الشيخ حسن الترابي بحكم عضويته في المكتب السياسي للجبهة الإسلامية وحينها عرض عليه تعديل الدستور بأستخدام  الأغلبية الميكانيكية في البرلمان لعضوية حزبي الجبهة وحزب الأمة لتأسيس نظام رئاسي يتولي فيه حزب الأمة رئاسة الجمهورية وتؤول رئاسة مجلس الوزراء لحزب الجبهة الإسلامية. وقال هو انقلاب دستوري من داخل البرلمان عبر الأغلبية الميكانيكية للحزبين. ولكن طلب منهما الصادق المهدي التريث الي حين تجاوز المرحلة التاريخية في حينها.وقال أحمد سليمان لم أكن غبيا لأعرض علي رئيس الوزراء مقترح أنقلاب يعرضني للإعتقال والسجن بتهمة تقويض النظام الدستوري.ويكشف أحمد سليمان مؤكدا أن غبينة المهدي الحقيقة كانت هي مقترحه بتقديم الصادق مرشحا لرئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة ، وهو أمر رفضه الصادق المهدي وعده مؤامرة وابعادا له من مسرح السياسة السودانية، وكان حينها يتطلع للعودة الي الحكم محمولا علي اعناق الجماهير.
لقد مضي الأستاذ أحمد سليمان الي ربه، ولكن ما يزال الدكتور أحمد الأسد حيا يرزق يعيش في مدينة ايست لانسينغ بولاية ميتشغان بالولايات المتحدة ، إن لم يكن قد غادرها الي مدينة أخري.ولا شك أن شهادته للتاريخ ضرورية إن لم تكن مطلوبة بعد أن غيب الموت معظم شهود تلك الحقبة، وهو يمتلك الشجاعة السياسية والحس التاريخي دون تدليس ليدلي بشهادته وأقواله في هذا الأمر لأن هذه المعلومات تعتبر ملكا للأجيال القادمة التي تؤمن أنه من حقها أن تعرف حقائق التاريخ للتعلم من الدروس وعبر التاريخ وهي ترصف طريقها للمستقبل.فهل يستجيب الدكتور أحمد الأسد للنداء التاريخي أم يستمر متلفعا بصمته الأيدلوجي المريب؟.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.