أســـــتـدراكات

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

لم يكن الأستاذ أحمد سليمان المحامي حدثا عابرا في تاريخ السودان الحديث، بل كان أخطر أبناء جيله، فرغم وفاة الرجل قبل ما ينيف عن العامين إلا أن الأحداث التي شارك فيها، أو نسبت اليه ما زال يشتجر حولها الخلاف ويصطرع فيها الجدل العام. وما فتئت بقايا كلماته التي نثرها علي أعتاب اللقاءات الصحفية العابرة تستدعي التفسير والمقاربة والبحث عن الأسرار.فقد أفترعت خيطا قلميا علي صدر صفحات "الأحداث"،قبل عامين تصرما ألتمس فيه عزاءا ووفاءا للرجل، ردا لأعتباره الأدبي والمعنوي - وهو طريح الفراش- لسنوات خدمته الجليلة للسودان ، حيث قدم عصارة شبابه ورحيق فتوته ، وشرخا كبيرا من شيخوخته وهو يعاظل أوجاع الوطن.وما زالت أسهاماته الفكرية و آراءه المثيرة للجدل والحوار تحتل مكانا بارزا في خارطة السودان الثقافية.

عادت سيرة الرجل الي دائرة الضوء مرة أخري بفعل تصريحات ألقاها مؤخرا الدكتور علي الحاج في حوار أجرته معه صحيفة سودانايل الألكترونية حيث وصف الرجل في أجابة علي سؤال حول تفاصيل أنقلاب الأنقاذ بأنه أنقلابي بطبعه ،وسرعان ما إلتقط الكاتب الحصيف الأستاذ كمال الجزولي هذه التصريحات ليعيد أنتاج تساؤلاته التي أبتدرها في سلسلة مقالاته السابقة في الروزنامة  حول ذات الموضوع. ، مذكرا بأنه يضمر أهتماما خاصا بحادثة التحريض علي الأنقلاب وعرض الأمر علي الصادق المهدي حيث قال إن أهتمامه " ليس من باب المبالغة في تقدير دور الفرد في التاريخ، وإنما من باب عدم الإهدار المطلق لهذا الدَّور، خاصَّة وأن عقدين من الزَّمان تصرَّما، دون أن تتضح الكثير من تفاصيل الحدث".وبالطبع فأن أهتمام الأستاذ كمال الجزولي بدور أحمد سليمان في أنقلاب الأنقاذ ليس نابعا من أحساس عميق بالتوثيق التاريخي كما زعم في مقاله ،بل يصب في دائرة تكريس الصورة النمطية التي صنعها اليسار للراحل المقيم بأنه أنقلابي وأنتهازي ، وقد ذكر ذلك صراحة الأستاذ كمال الجزولي عندما قال أنه ورط الحزب الشيوعي في أنقلاب 1969. إن أنقلاب الأنقاذ تتحمله نخبة ما زالت تعترف آناء الليل وأطراف النهار بمسئوليتها السياسية والأدبية عن الأنقلاب منهم من قال أنه " خطيئة الأسلاميين"، ومنهم من قال أقبل مبدأه ولكن أرفض نتائجه. لهذا يظل السؤال قائما:لماذا البحث عن دور الأستاذ أحمد سليمان المحامي في الأنقلاب، والنخبة التي صنعته تعترف به وتتحمل مسئوليته السياسية والأدبية؟.هذا منهج بائس في البحث التاريخي ، لأنه يركز علي دور الأفراد في صنع التغيير لأغراض التجرييم السياسي،متناسيا الظروف التي قدرها هذا الكيان بأنها (موضوعية) ودفعته لأحداث تغيير شامل عن طريق الآلة العسكرية. إن الأستدلال بمناهج البحث الموضوعية في التحليل بما في ذلك المنهج الماركسي، يقود الي نتائج مقبولة وهي أن حدوث هذا الأنقلاب سببه الأساسي ليس نزعة أحمد سليمان الأنقلابية ، وتحريضه النخبة الأسلامية للتغيير العسكري ، ولكنه نتيجة مغامرة سياسية أو ظروفا موضوعية ترتبط بطبيعة الصراع السياسي والأقتصادي والأجتماعي، و الطبقي وطبيعة المهددات الخارجية والداخلية ، مما دفع هذه النخبة لأتخاذ هذا القرار المصيري أخطأت التقدير أم أصابت.

عكف الأستاذ كمال الجزولي علي مقاربة عدة روايات صدرت من شهود عدول منها شهادة الأمام الصادق المهدي التي أسر بها للأستاذ كمال شخصيا ونشرها فيما بعد في صحيفة الشرق الأوسط، وهي أن المرحوم عرض عليه خيار الأنقلاب، مما دفع الأستاذة  فاطمة أحمد أبراهيم لسؤال سماحة الأمام في القاهرة ولماذا لم تلق القبض عليه؟. لم يكن الأستاذ أحمد سليمان يكن كثيرا من الود لسماحة الأمام الصادق المهدي لظروف الصراع السياسي والتوجهات الأيدلوجية، ولصداقته القوية للمحجوب في ظل صراعه السياسي مع الصادق المهدي داخل حزب الأمة. ، وقال أنه لم يلتق الأمام الصادق منفردا قط وكل لقاءاتهما كانت عابرة ولا تتعد المرات الخمس.وفي حديث شخصي في فرجينيا قال الأستاذ أحمد سليمان أنه لا يمكن أن يقدم عرضا للأنقلاب علي الديمقراطية للسيد رئيس الوزراء لأن ذلك يوقعه تحت طائلة القانون، كما أن الكيمياء السياسية والشخصية خاصته لا تتفاعل مع شخصية الأمام الصادق لظلال الصراع مع المحجوب.وأتساقا مع ذلك أشتكي المرحوم من أن الصادق المهدي يتحرش به مشيرا الي أتهامه بأنه نسق مع الأمريكان لقيام الأنقلاب . وقال في الحوار الذي أجراه معه الصحفي الحاذق والنابه ضياء الدين البلال في مجلة الخرطوم الجديدة، وأعاد نشره بعد وفاته في الرأي العام  أنه كتب مقالات أقترح فيها ترشيح الصادق المهدي لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة فأغضب ذلك الصادق المهدي ، وحسب روايته رد عليه مجموعة من الأنصار بأيحاء من الصادق المهدي قالوا له "أنك تريد التخلص من الصادق المهدي ليخلوا لكم الحكم في السودان ، ولكننا نريده هنا ليصبح رئيسا للوزراء" . هذا التنافر الشخصي لا يتسق مع فرضية أن الأستاذ أحمد سليمان تجرأ  لعرض مشروع الأنقلاب علي رئيس الوزراء دون التفكير في النتائج السياسية والقانونية المترتبة عليه. و توضيحا لهذه القصة سرد أفادات متقاربة في حواره مع ضياء الدين البلال، و في حوار آخرمع صحيفة الصحافة حيث قال مفندا تلك المزاعم.:" أنه دخل علي الترابي ذات يوم في مكتبه فوجده ضائقا متبرما  فلما أستفسره مد اليه ورقة من رئيس الوزراء حينها يطلبه للتشاور في مذكرة الجيش.قال قلت له: إذهب، فقال: لن أذهب، لأن الصادق ليست لديه كلمة .. وأنا لا أثق به! فقلت له: هل يُعقل لرجل في المعارضة يطلبه رئيس الوزراء ليشاوره .. ويطلعه على .. معلومات خاصَّة بالجيش .. ويرفض؟! فأصرَّ على موقفه .. فقلت له: أنت حُر! فتردد ثم قال سأذهب أن وافقت أن تأتي معي .. فقلت: أنا لا أعرف الصادق .. وعندما ذهبا الي منزل السيد الصادق أبتدره بالأقتراح بضرورة أجراء سياسي وقانوني داخل البرلمان لتغيير النظام من برلماني الي رئاسي بالتحالف بين الجبهة وحزب الأمة اللذان يشكلان الأغلبية، وخلق نظام رئاسي أقرب للنمط الفرنسي يتولي فيه الصادق رئاسة الجمهورية بينما يتولي ممثل للجبهة ربما الترابي رئاسة الوزراء. فطلب الصادق المهدي الأنتظار حتى تتحوَّل الجمعيَّة التأسيسيَّة إلى برلمان، وبعد ذلك يمكن أجراء تلك الخطوة.فقال له الأستاذ أحمد سليمان الأمور لن تنتظرك لأن القوي الأخري (شغالة). حسب الوقائع التاريخية فأن هذه الرواية ربما تكون أقرب للواقع لأن الأستاذ أحمد سليمان بخبرته القانونية والسياسية لا يمكن أن يطرح مقترحا يوقعه تحت طائلة القانون ، كما أن علاقته السياسية والشخصية مع الصادق المهدي لا تسمح له بهذا الطرح الجرئ، علما بأن الأستاذ أحمد يشكو من أن الصادق المهدي دائم التحرش به لسبب لا يعلمه. ولكن الواضح أنها بعضا من ظلال الصراع التاريخي مع المحجوب.

الراوية الثانية التي أستشهد بها الأستاذ كمال الجزولي هي رواية الدكتور الطيب زين العابدين حيث ذكر بأن المرحوم كان أكثر المتحمسين للأنقلاب مستشهدا بحواره مع صحيفة الوطن في يونيو الماضي حيث قال  " أحمد سليمان ساهم حتى في إقناع الترابي نفسه بالموضوع ده! وكان يردِّد قولته المشهورة: الانقلاب زي الموزة، أحسن حاجة تأكلها أول ما تنضج، مش قبل ما تنضج أو بعد ما تنضج خالص!". الدكتور الطيب زين العابدين من أكثر الذين عارضوا قيام أنقلاب الأنقاذ وكان يري أن الجبهة الأسلامية يتعزز كسبها في المناخ الديمقراطي فلماذا تلجأ الي أنقلاب عسكري تعرض فيه كسبها للضياع، كما يعتقد أن الأسلام لا يتعزز بالتغيير العسكري بل بالتدافع المدني. لهذا فأن هذه الشهادة يبدو فيها الأختيار الأنتقائي لأنه لم يكن الوحيد الذي ينادي بذلك.لم ينكر الأستاذ أحمد سليمان المحامي دعمه ومساندته لمشروع أنقلاب الأنقاذ ولكنه لم يكن الصوت الوحيد، حيث يعلم القاصي والداني من خلال الأدبيات المنشورة للنخبة الأسلامية أنهم وضعوا تدابير الوصول الي السلطة عبر تغيير فني منذ عقود خلت وتحديدا منذ أكتوبر 1964 ، ولعل المصالحة مع نظام نميري كانت ضمن خطة التغيير الأستراتيجية للأستفادة من مساحة الحرية التي يتيحها التحالف مع نظام نميري لتعزيز صفوفهم وتوسيع قاعدة أنتشارهم ، وبناء مؤسساتهم حتي يكونوا أكثر أستعدادا ومنعة لأحدث التغيير في الوقت المناسب. لهذا لا أظن أن التأثير الشخصي للأستاذ أحمد سليمان كان حاسما في التقرير بشأن الأنقلاب ، بل كان منسجما مع خطط وسياسات تلك المرحلة ، ربما يكون الأختلاف فقط حول التوقيت ولكن ليس حول المبدأ بأي حال.وقد ذكر الأستاذ أحمد سليمان أن الترابي أشترط لتنفيذ الأنقلاب أن يكون أبيضا لا ترق فيه نقطة دماء واحدة.

وتتناسل الروايات حول دور الأستاذ أحمد سليمان التحريضي حول الأنقلاب،ولعل الشهادات الأنتقائية التي أختارها الأستاذ كمال الجزولي تكرس لهذه النبرة التجريمية ،إذ  تخلوا هذه الأستشهادات من أي آراء أخري مغايرة مبرأة لذمة الأستاذ أحمد السياسية والأدبية كما يقتضي البحث الموضوعي. في حوارات ممتدة لا ينكر المرحوم أحمد سليمان نزعته تلك في وقت مبكر من عمره السياسي لأنه أبن بيئته وثقافته وجيله، فهي لم تكن نزعة فردية تطاله دون غيره بل هي ثقافة جيل بأكمله تربي في فترة التحرر الوطني ، وشاعت الأنقلابات العسكرية في كل أنحاء العالم الثالث لا سيما القارة الأفريقية والعالم العربي. ولم تكن الأنقلابات حينها مشروعات خيانة لخيارات الأمة بل كانت سمة بطولية لأحداث التنمية وأستكمال مسيرة التحرر الوطني، ربما يكون الأستاذ أحمد سليمان أكثر تعبيرا عن تلك النزعة.في حوار صحفي قال الأستاذ نقد سكرتير الحزب الشيوعي أنه تم أستبعاده من معاينة الاختيار للجيش عندما كان طالبا في مدرسة حنتوب في الوقت الذي تم فيه أختيار جعفر نميري وآخرين.وسألوه ماذا كنت ستفعل لو أنضممت للجيش فقال دون تردد. سأعمل أنقلاب.ذات النزعة ألتصقت بالمرحوم عبدالله خليل، وعبدالخالق محجوب، الرشيد الطاهر، ميرغني حمزة، شنان وآخرين.

في جلسة سمر بريئة سألنا الأستاذ أحمد سليمان كيف تشارك في أنقلاب عام 1959 وهو يحتوش بالمتناقضات مع علي حامد والرشيد الطاهر وهو من الأسلاميين وأنت في الحزب الشيوعي. كيف كان سيخرج اللون الأيدلوجي لذلك الأنقلاب. فأجاب قائلا. إن ذلك الجيل لم يكن يبدي كثير أهتمام للفواصل والتوجهات الأيدلوجية بقدر أهتمامه بأحداث تغيير جذري لمواكبة الثقافة والأتجاهات السائدة في ذلك الوقت والتي تعتبر الأنقلابات عملا بطوليا وأسطوريا كبيرا. أتساقا مع ذلك يقول الأستاذ فاروق أبو عيسي في شهادته التاريخية إن ظاهرة الأستيلاء علي الحكم بواسطة الجيش كانت نهجا سائدا وجد دعما من الأتحاد السوفيتي،لأن "النظرية السائدة في العالم الثالث حينها تقول، إن الطبقات الحاكمة غير قادرة على تسريع وتيرة التنمية، وأن القوات المسلحة قادرة أكثر على ذلك، خاصة أن معظم أبنائها من الشعب، إلى جانب أنها أكثر تنظيماً وقدرة على الحسم، لذلك برزت القوات المسلحة كأهم آلية للتغيير والتنمية في العالم الثالث". هذه الشهادة تؤكد مرة أخري أن أحمد سليمان المحامي لم يكن نسيج وحده في تفكيره ونزعته للتغيير عبر القوات المسلحة، بل كانت ثقافة جيل وعصر،ونظرية سائدة تجد الدعم والمناصرة من جميع الأحزاب والكيانات السياسية بيد أنها كانت أظهر في الكيانات اليسارية والعقائدية.

في سفره الرائع عن "أسرار السياسة والمجتمع في السودان" كتب الصحفي المصري يوسف الشريف عن تلك الحقبة التي شهدها في ظل عنفوان المد القومي العروبي ،بأن الأستاذ أحمد سليمان كان ريحانة المجالس، بلسانه الذرب، وروحه المرحة وكرمه الفياض .فقد كانت ليالي السمر تمتد الي خيوط الفجر الأولي تطرز سماء الخرطوم بالأسرار والمؤامرات والمواجع، وقال تميز أحمد سليمان بالوضوح والمباشرة فعندما توقفت عجلة الأستوزار،عبر البعض عن زهد زائف في المناصب فكان أحمد سليمان يقول: لقد ذقنا حلاوتها وما زلنا ننتظر دورنا من جديد في بلاط السلطان.

 يقول فاروق أبو عيسي في شهادته عن أحمد سليمان المحامي" كان أحمد سليمان رقماً مهماً في المجتمع السوداني برغم صغر سنه بالمقارنة مع القادة السياسيين حينها، وكان في العمل العام سابقاً لعبد الخالق، ومعه عز الدين علي عامر؛ كانا ذراع الحزب الشيوعي الجماهيري، وكان أحمد رجلاً كريماً وشيخ عرب". الغريب في الأمر أن الأستاذ أحمد سليمان تعرض أيضا للتشطير والنقد في وثائق السفارات والمخابرات الغربية في الخرطوم.فقد كشفت تقارير السفير البريطاني بالخرطوم التي أطلق سراحها من الأرشيف البريطاني في بداية عقد التسعينات  بعد مرور 25 عاما، أنه ذكر في تقاريره أن الأستاذ أحمد سليمان يعد المحرك الرئيس لكل القرارات التي يتخذها المحجوب رئيس الوزراء حينها، وأنه كان ألعوبة في يد أحمد سليمان الذي كان يناديه أستملاحا بالريس Boss وقد ترجم تلك الوثائق ونشرها في منتصف عقد التسعينات الصحفي النابه والدبلوماسي الحاذق الأستاذ بابكر الصديق.ورد الأستاذ أحمد سليمان مفندا تلك التقارير مشيرا الي أن رئيس الوزراء محمد أحمد محجوب كان شخصية أستثنائية رصينة ، يصعب التأثير عليها حيث كان يتمتع بشخصية قوية و كان يدير شئون البلاد بأستقلالية وحكمة ومرونة سياسية مبدعة.وأتهم تقارير السفير البريطاني بأنها كاذبة ومنحولة ومسيئة لشخصية رئيس الوزراء.

رغم تقادم السنون، وأستشراء الظنون ، وظلال الشيخوخة التي ما فتئت تطرز وجهه الوقور بالخطوط والتفاصيل، فقد ظل الأستاذ أحمد سليمان محتفظا بلباقته ومناقبه الشخصية ، من ذاكرة خارقة ، ووضوح في الرؤية ، وأتساق في النظر ، وقدرة علي الغوص في لجج الوثائق و الظواهر والأشياء وأستخلاص الجوهر دون شوائب. فقد أفترع قلمه وهو علي فراش النقاهة ليرد علي الدكتور منصور خالد الذي أدعي أن نهج الحركة الشعبية هو أمتداد طبيعي لعمل حركات التحرر الأفريقية.فرد عليه مفندا تلك الأطروحة مستشهدا بالوثائق والوقائع التاريخية بأن السودان عبر حقبه الوطنية المختلفة ظل داعما ومساندا وملهما لحركات التحرر الأفريقية ، وأن التاريخ لم يثبت للنخبة الجنوبية عبر تاريخها الطويل في مختلف مراحل نضالها السياسي أي أتصال أو أسترشاد بنهج بحركات التحرر الأفريقية.

لقد غادر الأستاذ أحمد سليمان هذه الفانية زاهدا عفيفا ، حيث كان يتدبر شئون معيشته من أيجار منزله بالخرطوم، فقد ظلمته الدولة التي لم تنصفه بأرجاع حقوق خدمته المتطاولة ، وهو الذي شرخ عمره متنقلا في المناصب الوزارية وسفيرا للسودان في عدد من المواقع حتي منتصف عقد التسيعنات كان آخرها سفيرا للسودان في واشنطون.لقد رحل الرجل وصدره ينوء بالأسرار ولكنه فضل ألا يبوح بها حتي لا يكشف عورة ، أو أن يجرح كرامة أو أن يجلب سبة لأحد. وهذا منهج في الأيثار والعفة قل من يعمل به..لقد كان الأستاذ أحمد يتقن لعبة الصراع والسياسة ، لم يكن خصما سهلا يمكن هزيمته وتركيعه، فقد قاتل بشراسة في ميدان السياسة ، وأستخدم أدوات الصراع المشروعة وغير المشروعة للبقاء والأنتصار مثله مثل غيره من السياسيين في جيله ، وظل صدره يتقبل مناوشات الخصام القديمة وأغتيال الشخصية دون أن يتكلف بالرد، فقد خرجت علينا الدكتورة فاطمة عبدالمحمود الوزيرة في حقبة مايو السابقة في حوار الأسرار مع الأستاذ عادل سيد أحمد في صحيفة الوطن حيث أتهمت الأستاذ الراحل بأنه تآمر علي زوجها الدكتور سعيد المهدي أستاذ القانون بجامعة الخرطوم سابقا الذي خالفه في أحد القوانيين.فكتب الأستاذ أحمد وكان وقتها وزيرا للعدل مذكرة للرئيس نميري يعدد فيها أخفاقات د. سعيد الأكاديمية والسياسية مشيرا الي أنه يدرس الطلاب دون الأشارة للمراجع وأنه يغذي الرؤية المخالفة للنظام.وقالت الدكتورة فاطمة إن تلك الحادثة كانت مؤامرة ضد زوجها لذا فقد أجتهدت لأثبات براءته من مدير الجامعة ووزير التعليم أمام النميري الذي تراجع عن قرار فصله إلا أن د. سعيد آثر الأبتعاد والغربة تأثرا بهذا الحادث. وربما يكون هذا الحادث صحيحا ولكنه لا يعد تشنيعا بالروح التآمرية للمرحوم أحمد سليمان كما ذكرت الدكتورة فاطمة عبدالمحمود بل كما ذكرت سابقا فقد كان يتقن لعبة الصراع والمقاومة، وأنه لم يكن ممن يسهل تركيعه، ويستكن لبوائق السياسة ، بل كان يردد دوما أنه لم يكن طيبا مسكينا يسهل القضاء عليه ويستطيع أن يرد مكائد السياسة التي تستهدفه. لذا قال في حواره مع الأستاذ ضياء الدين البلال "أنا برضو زول شر".

الثابت عن موقف الأستاذ أحمد سليمان أنه كان يعلم بالأنقلاب ولكن لم يشارك في التخطيط له ، وقد كشف ذلك الدكتور علي الحاج الذي عدد أسماء الذين أسند لهم التخطيط والتنفيذ.وقد كان مقتنعا بدوافع ذلك التغيير مشيرا الي أنه يريد أن " يذيق الأحزاب من ذات الكأس الذي أذاقتنا منه". وهي عبارة حمالة أوجه ، ولم يجهد نفسه لتفسيرها ، وشرح لنا تلك العبارة بقوله إنه كان يظن أن  أنقلاب الأسلاميين إذا قدر له أن ينجح سيكون خاتمة مطاف الأنقلابات العسكرية في السودان".

 لقد عاش الأستاذ أحمد سليمان المحامي أقدار جيله المتقلبة ، وتحديات عصره بصدق وأخلاص وفقا لتقديراته الخاصة للمواقف والأحداث.فقد آثر نهج الأنقلابات العسكرية عندما كانت هي البطولة والثقافة السائدة والنظرية الملهمة التي تصدي لأنفاذها جيل بأكمله كان هو أحد أفذاذه المشهورين.وأرتضي أن يتقلب في خياراته كلما أشارت اليه بوصلة اليقين، فقد كان يحلف برأس عبدالخالق كما قال أحد كبار اليساريين ، ولكنه بذات الوضوح والشكيمة، عارض عبدالخالق وبارزه بالقلم في صفحات الصحف حين أتهمه عبدالخالق بحرق المراحل التاريخية وتبني فكر وذهنية البرجوازية الصغيرة التي لا تحتمل لأواء النضال وسط الجماهير للوصول للمرحلة الوطنية الديمقراطية.ومن ثم قاد الأنشقاق المشهور مع صديقه معاوية سورج وأنحاز الي صف ثورة مايو. وظل يردد حتي وفاته أنه خدع في شخصية عبدالخالق محجوب بيد أنه كان كثير الأعجاب بالشفيع أحمد الشيخ. وقال في حواره مع ضياء الدين البلال أنه لو كان مع عبدالخالق لمنع قيام أنقلاب يوليو 71 وحتي لو شارك فيه فسيكون ناجحا وليس فطيرا كما تم تنفيذه.وكان يقول إن عبدالخالق رجل طاهر اليد، مثقفا حصيفا ويتمتع بكارزمة شخصية عالية ولكنه يغرق في شبر موية. لقد كان أكثر شانئوا المرحوم أحمد سليمان من شيعة وتلامذة الأستاذ الراحل عبدالخالق محجوب للملابسات التاريخية المعلومة، لهذا فقد أشفق الدكتور عبدالله علي أبراهيم علي هذا النهج عندما أفترعت حوارا قلميا للأحسان الي سيرة الرجل وكسبه السياسي والفكري فقال لي "يصعب الدفاع عن الأرث السياسي والثقافي للرجل في ظل الأحداث والأحن التي شهدها أو شارك فيها ، ولكنه أستحسن خطة الكتابة والشفافية حول سيرته". وهو موقف سديد لو أتبعه شيعة وتلامذة الأستاذ عبدالخالق محجوب.

أصاب أم أخطأ الأستاذ أحمد سليمان فقد ترك بصمته وقال كلمته ومضي، عليه فليس من الحصافة في حفريات المنهج التاريخي البحث عن أدوار الأفراد في الأحداث الكبيرة بأفتراضات تجريمية، ولكن المنهج الموضوعي يتوخي البحث عن ظروف الصراع السياسي والأجتماعي والطبقي والمؤثرات الخارجية وتقديرات القوي المتصارعة لمسيرة ومآلات الأحداث. كنا نظن أنه قد مضي زمن تصفية الحسابات مع الموتي ولكن...

(نقلا عن الأحداث)