خصني الصحفي الصديق والأستاذ الكبير طلحة جبريل الذي تقلد رئاسة تحرير أربع صحف مغربية بمطالعة رسائل خاصة متبادلة بينه والروائي المغربي الكبير محمد شكري صاحب رواية (الخبز الحافي) التي ترجمت الي أكثر من ثمانية وثلاثين لغة عالمية. وهي رواية كتبت بالإسبانية أولا عام 1972 وطبعت بالعربية عام 1982 وأعتبرت في حينها مغامرة إبداعية كبيرة لأنها تضمنت سيرته الذاتية وحياة البؤس التي عاشها في طفولته في مدينة طنجة ومنعت في العديد من الدول العربية لإحتوائها علي مشاهد فاضحة وأنكرتها بعد ذلك أسرته. وعد الأستاذ طلحة جبريل أن يعكف علي تحرير مادة الرسائل المتبادلة ونشرها في كتاب سيما وقد سبق وأن أخرج مذكرات رئيس الوزراء الليبي الأسبق في عهد الملكية محمد عثمان الصيد ومذكرات الملك الحسن الثاني الصادرة تحت عنوان (مذكرات ملك) ضمن سلسلة كتاب الشرق الأوسط. تذكرت رسائل طلحة جبريل ومحمد شكري وكذلك سلسة مقالات الدكتور عبدالله علي إبراهيم وهو يسجل وقائع حلم متكرر يعاوره ليلا عن فترة أختفائه المتطاولة تحت الأرض ضمن نشاط ومقاومة الحزب الشيوعي لنظام مايو.تذكرت ذلك وأنا أخوض تجربة حوار عبر الأسافير من مجهول مع الصديق الصادق الرزيقي رئيس تحرير صحيفة (الإنتباهة).وهو حوار ولد عفو الخاطر دون سابق ترتيب إذ تداخلت خطوط الإتصال عبر الوسائط المتعددة واستخفيت بهويتي عنه وطلبت منه خوض غمار المنازلة من مجهول عبر هذه الوسائط. وبعد إرزام وتمنع وافق علي خوض المغامرة وإجراء حوار صامت مع مجهول. ولأني أعلم سيولة قلمه ووجيب قلبه ولفتات فكره وينابيع إبداعه فقد تدفق كعادته مستلهما تراث دارفور وحميمية المثقف، ولكن ثوب الصحفي كان يغلب أحيانا تطبعه علي طبعه.هأنذا أبسط حصيلة هذا الحوار الذي يكشف الوجه الآخر للصادق الرزيقي ليس بإعتباره أحد قادة الصحافة في الوقت الراهن، ولكنه مثقفا بعيد الغور، وأديبا سلس العبارة كما ستكشف حيثيات الحوار. ولا أبسطه من باب الأخوانيات والإحتفاء الشخصاني رغم أن عندي من المبررات ما يكفي إذ أنه أول من نال فضل تقديمي للصحافة السودانية ونحن في عهد الطلب الجامعي.ولكن للصادق الرزيقي ما يقوله في مخاضات اللحظة الراهنة:
الصادق:من أنت لتحاورني عبر هذه الوسائط وأنت مجهول الهوية؟.
الكاتب: هل أغرتك الشهرة للإزورار عن محاورة البسطاء؟
الصادق:ليست مشهورا أنا أنسان بسيط أبن أمرأة بيضاء النية وتأكل القديد.ولكن مبدئي ألا حوار مع المجهولين.
الكاتب: ربما تكون الأفكار والمواقف التي سنناقشها أهم من هويتي لأنها مجرد أسم فقط وهو رمز دال علي وجود وليس ماهية. ألم تسمع مصطفي سعيد يقول أنا وهم أنا أكذوبة.أقتلوا الأكذوبة.
الصادق: صمت أكثر من ساعتين ومن ثم عاود الكتابة مرة أخري قائلا: كنت أحاول الأكتشاف فقط ومستعد للحوار.
الكاتب: أنت رجل أتيت من دارفور الي صخب المدينة تحمل قلبا يافعا وقلما متطلعا واخذتك أضواء العاصمة وشهرة الصحافة.هل كتاباتك عن مواطن صباك تعويضا عن هذا الحنين ومحاولة للإلتصاق بالجذور لتجاوز الإحساس بالتقصير أم أنها نزوة أديب يسجل ذكرياته فقط؟.
الصادق: أكاد أعرف صاحب هذه الكلمات.
الكاتب: لأنك تشرب من ضوء النجيمات البعيدة وأنت تشعل بوتقة الحنين في فوهة القلم.
الصادق: ينقطع مجددا لأكثر من ساعتين ومن ثم يعود ليكتب. أنا عدت.
الكاتب: لماذا تبدوا الأنثي في كتاباتك مستضعفة، هائمة ورومانسية والرجل هو السيد المبجل؟
الصادق: بالعكس..لكن الأنثي في حياتي ضئيلة الحضور ضامرة المعني.
الكاتب: هل هذا بسبب طغيان الثقافة الذكورية في مجتمع دارفور.
الصادق: ربما لكن في مجتمعي متسع للمرأة كبير.
الكاتب: لماذا أنت شديد الخوف والتوجس من المرأة وهل لميراث الثقافة الدارفورية أثر في ذلك؟ ولماذا تكون المرأة مستودعا للعاطفة واللذة العابرة ولا تمثل رمزا ثقافيا في عالمك الرجالي؟
الصادق:لا..لكن الثقافة الدارفورية تجعل المرأة بلا ملامح خاصة للإندماج في الحياة وعدم وجود خطوط تماس واضحة مع الرجل فتقل الدهشة أحيانا ويؤخذ من أنوثتها ما تعطيه علي أستحياء.
الكاتب: لماذا ليست رمزا للخصب والنماء. ولماذا هي سلعة تستدعي عند الحاجة لأرواء الظماء والشبق الطفولي؟.
الصادق:رمز الخصب مفهوم نيلي فرعوني وأغريقي لم تألفه السافنا الفقيرة عندنا. وأنا سليل مجتمع رعوي مزاجه التنقل الترحالي..لم يتح سوانح لترميز المرأة غير أنها للحلب والصر.
الكاتب: ولكنها رمزا للجمال يتبدي في رقصات دارفور ورمزا للمدافعة وقوة الشكيمة والنزال والمقاومة والإحتفاء بالقيم القبلية كما في غناء الحكامات؟.
الصادق:كثير من رقص أهل دارفور تعبيري للحرب والحصاد والقليل منه تجريدي. لا جذر عميق الغور يحدد غاياته ويفسر رمزياته..اما غناء الحكامات فهن مغردات في بلاط  الرجل والقيم الذكورية، ولم يعبر غنائهن عن حالة وعي إجتماعي أصلاحي خلاق.
الكاتب:حرفك يضج من جراحات تجاه المرأة هل لأن لك خيبات في هذا المنحي أم موقف فلسفي حيث تأبي ميوعة العاطفة كما قال محمد الواثق في هجاء المدن؟.
الصادق: لا خيبات لي ما أتهم نفسي فقط. فقط أري من زاوية حادة ليست منفرجة.
الكاتب:أنت كثير الإستدعاء للماضي فيما تكتب هل لأنك متشائم وتخشي الحاضر أم لا أمل لك في المستقبل؟.
الصادق:فقط لأن الماضي أجمل من الحاضر وأكثر لمعانا من المستقبل..الماضي تكون كشعلة متوهجة وأضاء ما حولنا.لكن الحاضر معتم والمستقبل مجهول.
الكاتب: ماذا يمثل لك المتنبئ في مشروعه الشعري وانت كثير الإقتباس من قوافيه.هل حالة من التسول الإبداعي علي مقامات الملوك أم حالة إنسانية أضناها الترحال والبحث عن المجد.بقيت قوافيه متوهجة وما نزال نلعق جراحاتنا من هجاء كافور أحد أجداد السودانيين بالتبني؟.
الصادق: أكاد أؤمن أن قبسات من الحكمة الإلهية نفحت عطرها في قصيد المتنبئ. لم يكن حلمه مشروعا سياسيافقط كان إستحضار لحالة أنتباه جامح لزمن أنطفأت فيه فوانيس المجد اليعربي فوق العروش.ولقد قرأ المتنبئ حالة التيه السلطوي وأستفزه السقوط العمودي للقاع..تلك حالة إنسانية باهرة ماتزال تثير السؤال تلو الآخر.كم  هو مجيد ذلك الرجل.
الكاتب: هل من مقاربة ثقافية للخروج من مأزق دارفور لأن السياسة عجزت والبندقية فشلت وبقيت نخبتها المثقفة في حالة من التيه والشلل الفكري والعجز الثقافي والحرب تحصد كل يوم مزيد من الضحايا؟.
الصادق: منذ متي كانت الثقافة تزاحم السياسة والبندقية وتتقدم لتعطي حلا.لقد جرت السياسة عند انحطاطها كل شيئ حتي الثقافة الي الحضيض.
الكاتب:إذن تعترف بعجز المثقفين عن إيجاد مقاربة ترتق النسيج وتضمد الجراح وتبعث الأمل؟.
الصادق: لا دور لأي مثقف دارفوري في هذه اللحظة التاريخية. همشتهم جحافل النفعيين والفطريات والبكتريا السياسية.
الكاتب: وحسين خوجلي يعتبره البعض رمزا للمثقف النرجسي وتعتبره حالة إبداعية خاصة هل لأنك سرت علي دربه وقطفت بعضا من رياحين حديقته؟.
الصادق: حسين خوجلي تعبير عن مثقفي الضرورة. وهو إمام مدرسة اللفظ في الثقافة السودانية.
الكاتب: هل لأن حسين خوجلي أنتجته مخاضات اللحظة الراهنة والثقافة الإستهلاكية أم تعبير عن حالة كامنة في خارطة الوجع السوداني؟.
الصادق: مثقف ومبدع وإعلامي تمنيت لو أكتمل بنيانه في جوانب عدة، رغم أنه ملم بحقائق ومعارف متنوعة. وهو كما يصف آخرين أمام في مدرسة اللفظ والمذاهب الكلامية.
الكاتب: ماذا أعطتك الصحافة وماذا أخذت منك. هل تعلمت منها المساومة والمواقف الرمادية والنسبية والقدرة علي التعايش والتلون والتعبير بقدر ما يسمح به الرقيب المستتر أم أنك في حالة سلام داخلي وإتساق فكري مع نفسك؟
الصادق:انا في سلام مع نفسي، لكن الرقيب في داخلي مقيم وهو الإلتزام السياسي والفكري الذي يصادم في بعض الإحايين قناعات خاصة.
الكاتب: ماذا تبقي من مشروع الإسلاميين إذ تلاشت الأشواق وبقيت الأشواك تحف مسارات الواقع؟
الصادق: بقي العوسج وخدوشه..ولكن قد تكون لنشره أوار ولو بعد حين من تحت رماد الركام.
الكاتب: الآن تستتر باللغة في مقامات الإفصاح هل تخشي أن تقترب فتحترق؟
الصادق: عرفت منذ البداية ان هذا السحر والحرف الندي والعمق وبعد النظر لا يأتي إلا لخالد موسي.
الكاتب: ليتني هو. أعلم أن للرزيقات فراسة ولكنها أحيانا تخيب.
الصادق: لا تخيب.
الكاتب: دعني أكمل أسئلتي ثم نعود للهوية الشخصية. لماذا فشلت مشروعات الإحياء والنهضة في السودان، هل أزمة قيادة سياسية أم ثقافة مجتمعية أم هويات متصارعة لأمة في طور التخلق والتكوين؟
الصادق:الأزمة مركبة، وكل هذه العوامل موجودة. القيادة الخلاقة الملهة غائبة والثقافة قاصرة ومسطحة والهوية داستها اقدام الصراعات المصطنعة. هي حاضرة  لكنها ضعيفة وجهازها المناعي ضعيف.
الكاتب: هل إذا عاد بك الزمان القهقري ستمشي علي درب المتاعب والقلم؟
الصادق:كنت أرغب أن أكون ضابطا في شرطة المباحث وقد أكتشفت الآن أن التقصي والبحث عن المعلومات والإفادة يجعل من المهنتين متقابلتين..بيد أن القلم مسئولية وأمانة ضخمة أرهقت كاهلي.
وهنا أنقطع الحوار..وهأنذا أنشره ولعله الآن علم هويتي وقد صدق فإن فراسة الرزيقات لا تخيب.




عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.