عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

أهريق حبر كثير لتحليل وسبر أغوار ومآلات الأستراتيجية الأمريكية التي أعلنتها أدارة أوباما مؤخرا.كما أستطالت المنتديات ، وتكثفت الأستطلاعات علها ترفد الرأي العام بمقاربات  تضيق من شسوع المساحة الفاصلة بين فتق التحليل و رتق الحقيقة.وقد إرتأيت ألا أخوض في حيثيات الأستراتيجية في نصها المنشور متوخيا تقديم خلفيات مفاهيمية عسي أن تضئ بعض جوانب الصورة المعتمة وتثري من حيثيات النقاش الممتد عبر فضاءات الأثير وأوراق الصحف.

أبرز سمات السياسة الخارجية  الأمريكية هي أنها في الغالب حصيلة التجاذب والمساومات بين أجهزة الأدارة التنفيذية والكونقرس أضافة الي نفوذ النخبة السياسية والأقطاب المؤثرة. هذا النموذج هو ما أسماه الدكتور توماس أليسون بنموذج تدافع المنظومات حيث تسعي كل منظومة لتعظيم مصالحها.. ويقل دور التكنوقراط في التأثير علي رسم السياسة الخارجية كلما  زاد دفع الناشطين الذي يحرك الكونقرس، فتتجافي جنوبه عن المضاجع حتي يقوم بدوره بالضغط علي الأدارة التي تغض الطرف عن توصيات البيروقراطيين وتغلب الأستجابة لضغط وتطلعات الشارع لأعتبارات سياسية معلومة..وقضية السودان أصبحت خارج نموذج تدافع المنظومات بصيرورتها جزءا من تعقيدات السياسة الداخلية التي تحظي بأتفاق صميم بين الحزبين الكبيرين والناشطين.وبأعتراف كل المحللين فأن تداعيات قضية السودان ودارفور أصبحت من أكبر الحملات العامة بعد الأبارتيد في تاريخ أمريكا.وقد دفع ذلك أحد الناشطين المتعاطفين مع السودان للقول:إن الوقوف ضد الحملة العدائية ضد السودان كمن يحارب فيلق من الدبابات بمسدس صغير، فلا يجرؤ أحد علي الوقوف في وجه هذا السيل الهادر من العداء الذي تحول الي صناعة لها أعلامها وميزانيتها وجيش من الناشطين ولعل أبرز دليل علي ذلك هو أن الدخل السنوي لمدير منظمة تحالف أنقاذ دارفورجيري فاولر أكبر من دخل الرئيس الأمريكي.

هناك أعتراف متبادل وسط النخبة السياسية في واشنطون والخرطوم بأن كلاهما لا يدرك أهداف الآخر ولا يعرف نواياه، فنشأ حاجز من فقدان الثقة والتشكيك المتبادل..فالسياسيون في الأنقاذ يلخصون هذا التساؤل بقولهم (الأمريكان ديل دايرين مننا شنو). وكان البعض يظن أن منحهم أمتيازا للنفط أو أقتطاعهم أستثمارات أقتصادية ضخمة تمثل أغراءا كافيا لحل المعضلة وتطبيع العلاقات. وللبحث عن أجابة شافية ذرع بعض السياسيين فضاء الله الفسيح يعتمرون حقائبهم الي واشنطون وعواصم أخري للحصول علي أجابة شافية تنبني عليها مساومات تاريخية تغلق ملف القضية الي حين أشعار آخر.وكان طبيعيا أن ينتهي ذلك الجهد بمزيد من الغموض فأستحال تحرير مناط الخلاف لأن التفاوض السياسي كان قائما علي مفهوم الأجندة المتحركة. فقد ساد أعتقاد راجح وسط النخب الأمريكية أن حكومة الأنقاذ مهما أستظهرت من مسوح التسامح إلا أنها تستبطن نموذجا سياسيا وعقديا يصادم مصالح الغرب وحلفاءه في المنطقة. وهو نظام معقد ومركب يتكون من مراكز قوي يتحكم فيها لاعبون أقوياء من ذوي النفوذ والسطوة. و يمتاز بالمراوغة والذكاء وتقوم تكتيكاته علي كسب الوقت. وهو لا يستجيب إلا للضغوط التي تهدد بقاءه، كما أنه يؤثر النجاة علي الأنتحار السياسي إذا ضاقت عليه الحيلsurvival not suicidal  لذا أنبنت كل الخطط والأستراتيجيات الأمريكية علي تكثيف الضغوط وتشديد العقوبات وجعلها سيفا مسلطا علي رقبة النظام.وقد أسهمت الحركة الشعبية في تقوية هذا النهج بزعمها أن الحكومة لن تطبق أتفاقية السلام الشامل إلا أذا شعرت بضغوط ومهددات حقيقة تعصف بوجودها لذا فقد طلب الزعيم الراحل قرنق من الكونقرس الأبقاء علي العقوبات ضد السودان، وقال في عبارة مشهورة بأن علي الولايات المتحدة أن تستخدم نافذة الخوف من أحداث 11 سبتمبر لأستقطار التنازلات من الحكومة السودانية.ولم يعد خافيا أن قيادة الحركة الحالية أستمرت علي ذات النهج،ويكفي في هذا الصدد الأستشهاد بالكلمة التي القاها باقان أموم في الكونقرس قبل شهور خلت مطالبا بأبقاء العقوبات حتي يلتزم المؤتمر الوطني بأنفاذ أتفاقية السلام وحل مشكلة دارفور. و نهج الحركة هذا قائم علي فكرة مركزية مفادها أن الحركة لا تساوم علي مصادر دعمها الأساسية وهي التحالف مع المجتمع الدولي وخاصة دول الغرب ولو جاءت علي حساب شراكتها السياسية مع المؤتمر الوطني  ولهذا فأن الحركة لا تريد أستخدام رأسمالها السياسي من أجل الدفع بالعلاقات الثنائية ظنا منها أن تحسين العلاقات بين واشنطون والخرطوم سيتم علي حساب مصالحها سيما وأنها تريد أن يكون المؤتمر الوطني تحت التهديد الدائم وألا يلتقط أنفاسه أبدا.

في مقابل ذلك تري الحكومة السودانية أن الولايات المتحدة ليست طرفا محايدا في الصراع وتتعامل بالأجندة المتحركة وتستهدف أستنزاف الحكومة سياسيا بأجبارها علي أبداء تنازلات متوالية دون ثمن مع مطل في الوعود والعهود من أجل أضعافها سياسيا وأقتصاديا  تمهيدا لأقصائها من مسرح الحياة السياسية في السودان.وطالما أستشهد الرئيس البشير بالوعد الذي قطعه له الرئيس بوش شخصيا بتطبيع العلاقات مرة بعد توقيع أتفاقية السلام ومرة بعد توقيع أتفاقية أبوجا ولم يف بوعده الي أن غادر منصبه.

يعرف عن الحزب الديمقراطي بأنه كيان لتحالف الأقليات، وتخضع مخرجاته السياسية لمساومات تاريخية مستمرة وهو لا يرتكز علي نظام مركزي قابض كالحزب الجمهوري، وفي هذا الصدد بلغ أعجاب الناشطون بالرئيس بوش شأوا في متابعته اليومية لتطورات قضية السودان أن أطلقوا عليه موظف ملف السودان بالبيت الأبيض. 

نسبة للسيولة السياسية التي يختص بها الحزب الديمقراطي تكتسب توجهات الأفراد والمنظمات فيه أبعادا مؤثرة في صياغة السياسة الخارجية خاصة تجاه الدول التي لا ترتبط بمصالح حيوية مع الولايات المتحدة مثل السودان، وقد بدا هذا جليا في كارثة التدخل الأمريكي في الصومال، والتطهير العرقي في رواندا. وتبدوا آثاره الكارثية في ملف السودان حيث يقل دور المنظومة المؤسسية ويتعاظم دور الشخصيات المؤثرة في صنع السياسة تجاه السودان مثل سوزان رايس ،قيل سميث ،سيمانثا بور وروجر وينتر. وقد أكدت رايس علي هذا المعني داخل أروقة الأمم المتحدة بأنها الطرف المتشدد الذي يري أهمية أحكام الحصار وأنزال العقوبات علي السودان. ويقول المقربون منها أنها تحمل أجندة شخصية ضد السودان حيث تم تعميدها بواسطة كبيرات نساء الدينكا في حضور قرنق فتم غسل قدميها باللبن وقفزت فوق ثور أبيض ذبيح وتعهدت بتبني مواقف الحركة الشعبية والدفاع عن الجنوب في وجه الشمال ما دام فيها عرق ينبض.

يظن معظم السياسيين في دول العالم الثالث أن وكالة المخابرات المركزية CIA  هي الصانع الأساسي للسياسة الخارجية، وقد فصل أحد كبار الدبلوماسيين الأمريكيين في كتابه مذكرات دبلوماسية الذي صدر عام 2007 تجربته في هذا الصدد ذاكرا أن الخطأ الذي يقع فيه سياسيوا العالم الثالث هو ظنهم أن وكالة المخابرات المركزية هي التي تصنع السياسة الخارجية و تستطيع أن تحمل الرئيس علي خياراتها. وقد وقع في روع الحكومة في البدء هذا الخطل ولكنها سرعان ما أستدركت هذا الخطأ.وكان ظنها لوقت قريب أن بأمكانها تحويل التعاون في مجال الأرهاب الي رافد أيجابي لتطبيع العلاقات السياسية.. ولكن للأسف فقد خضعت وكالة المخابرات المركزية الي تأثير سياسي لا يقاوم كما ذكر سفير واشنطون الأسبق في الخرطوم ثيموني كارني، فكانت تخرج معلومات وتحليلات الوكالة بما يتماشي وتفكير النخبة المعادية للسودان لتبرير سياساتها المتشددة ونهجها العدائي. ولعل الفريق الفاتح عروة من خلال منصبه كمندوب دائم في نيويورك ومبعوث الرئيس السوداني للتفاوض مع الأدارة عام 1998 قد فطن لهذ التفكير، فعرض بذكاء خارق تسليم بن لادن للمخابرات الأمريكية أثناء مفاوضات سرية في ضاحية روزلن بفرجينيا التي سارعت بالرفض لأنها لا تمتلك عريضة جنائية ضده مما أعطي السودان فرصة أكبر للمناورة السياسية . كما قام في ذات الوقت بالتعاون مع وكالة التحقيقات الفيدرالية FBI بدلا عن  الـ CIA لأشتهارها بالحرفية المهنية العالية في مجال أنفاذ القانون حيث لا يخضع عملها للأعتبارات السياسية مثل وكالة المخابرات المركزية.فصارت كل جهود السودان في هذا الصدد مثبتة بالوثائق في أضابير وزارة العدل الأمريكية. 

يظن البعض أن أستراتيجية أدارة أوباما تجاه السودان هي من قبيل الأفتراع والمبادأة الجديدة.ولكن النظر المجرد يثبت أنها جزء من منهج التغيير الذي تبناه أوباما في حملته الأنتخابية وأتخذه شعارا لأدارته..وتحت راية التغيير التي قامت علي عدة ركائز منها مخالفة الأرث السياسيي السابق لأدارة بوش بأستخدام القوة الناعمة القائمة علي النفوذ والتأثير والقيادة وليس أستخدام القوة الخشنة.وذلك بدا واضحا في سياسة أوباما تجاه روسيا، بورما، كوريا الشمالية، كوبا، سوريا  وأيران. لهذا فأن نهج التعاطي الدبلوماسي ليست ظاهرة خاصة بالسودان بل جزء من نهج وأستراتيجية الأدارة لتسوية النزاعات وترميم العلاقات وتحقيق المصالح الأستراتيجية للولايات المتحدة عبر الحوار والدبلوماسية وتوسيع مظلة التحالف الدولي والعمل عبر المنظمة الدولية. هذا النهج هو الذي أهل أوباما ورشحه للفوز بجائزة نوبل للسلام. فضلا عن ذلك فأن السياسة التعاطي الأيجابي مع السودان كانت أبرز توصيات أدارة بوش السابقة للأدارة الجديدة ، وقد نقلت جونداي فريزر مساعدة وزيرة الخارجية السابقة للشئون الأفريقية لمسئول سوداني رفيع في آخر أسبوع لها في الأدارة بأن أهم توصية للأدارة الجديدة هي  ضرورة مواصلة التعاطي الأيجابي مع السودان.

لقد قاوم وراوغ الأمريكيون من قبل الأتفاق علي وضع خارطة طريق هادية ترشد مسار التفاوض والتعاطي عبر حوافز معلومة كلما بلغ شأوا في التنفيذ والوفاء . وقد بح صوت الدكتور مصطفي أسماعيل مناديا بأقرار خارطة طريق متفق عليها بين الجانبين إلا أن الجانب الأمريكي كان دائم الروغان. وتمثيلا لذلك فقد قدم الأمريكيون للجانب السوداني قائمة مطلوبات لرفع السودان من قائمة الدول الراعية للأرهاب تتضمن التوقيع علي 12 أتفاقية دولية في هذا المضمار. وقد فعل السودان ذلك في وقت وجيز ولكن سرعان ما تحولت المطالب الي أستيعاب أجندة سياسية جديدة منها أنفاذ أتفاقية السلام الشامل وحل قضية دارفور رغم أن آفاق الحل لا تقف علي أرادة طرف واحد بل تحتاج الي وجود شركاء أقوياء. ومن ثم توسعت مطالب الرفع من قائمة الأرهاب مؤخرا لتشمل وقف العلاقة مع حماس وايران.هذه الأجندة المتحركة والقابلة دائما للمط والزيادة ألقت في روع المفاوض السوداني قناعة راسخة بأن التعاطي هو عملية مستمرة لأنتزاع التنازلات وهو مسار في أتجاه واحد فحواه أن يقدم السودان التنازل تلو التنازل. لهذا فقد قال الدكتور غازي صلاح الدين للجنرال قريشن في الجولات الأولي للتفاوض بأن السودان قد أعتاد العيش دون أمريكا ولن يضيره أن يواصل هذا النهج ويتدبر معيشته وخياراته دونها.

تاريخيا سعي السودان لفتح باب الحوار والتعاطي مع الأدارة عندما كانت تتبني خيار المواجهة.ففي خواتيم فترة الرئيس كلنتون كان السودان مرشحا من قبل مجموعته الجغرافية لمقعد مجلس الأمن الأمر الذي قاومته الأدارة الأمريكية بشدة. وقد بذلت الدكتورة سوزان رايس مساعدة وزيرة الخارجية لشئون أفريقيا حينئذ جهودا حثيثة لمنع السودان من الفوز بالمنصب.كان شرط السودان حينها هي أن تجلس الدكتورة رايس مع مسئول سوداني لمناقشة الأمر وليس أدارة التفاوض عبر طرف ثالث وهو ما كانت تفضله واشنطون.وأضطرت الدكتورة رايس بكل صلفها السابق أن تأتي الي مكتب المندوب الدائم السفير الفاتح عروة لتدير حوارا عاصفا حول مآلات ترشح السودان للمنصب متوعدة بهزيمة السودان.ولم يكن السودان يأبه بالفوز ولكنه كان يستهدف جر الأدارة للتفاوض المباشر والتعاطي بدلا عن المواجهة.وقد بلغت المواجهة شأوا رفض فيه السودان أعادة فتح السفارتين في واشنطون والخرطوم لأنه حسب التقديرات الفنية فأن واشنطون تريد أعادة أفتتاح محطة السي أي أيه لأغراضها المخابراتية وليس حرصا علي أفتتاح سفارتها الدبلوماسية. وبالفعل فقد خسر السودان مقعد مجلس الأمن ولكنه نجح في توريط الأدارة في التعاطي والحوار وكان ذلك نجاحا في حينه كبيرا. تمخض عن ذلك أن عرضت أدارة كلنتون في أخريات أيامها أستضافة مفاوضات سلام مع الحركة الشعبية في واشنطون الأمر الذي رفضه السودان بحجة أنه لا يمكن أن يضع أهم الأجندة السياسية للبلاد في سلة الأدارة الأمريكية وهي طرف غير محايد في الصراع.

أفترع الدكتور النابه بهاء الدين حنفي سفير السودان الحالي في برلين في بداية هذا العقد مقالا نافذا عن سياسة التعاطي الأمريكية تجاه السودان وجد صدي أيجابيا وتصفيقا من النخبة السياسية، ولكن سرعان ما أمتلأ فم يراعه بالماء فسكت. وقال بأن سياسة التعاطي في الأصل هي عبارة عن تفاعل بين طرفين ولكن لأخطاء في تدبير المعركة الدبلوماسية جعلته مسارا في أتجاه واحد يعلي من مطالب الجانب الأمريكي ويخفض من أنشغالات السودان. وبمقارنة بسيطة بين سياسة كلنتون التي كانت تتبني المقاطعة والمواجهة وبين سياسة الرئيس بوش التي قامت علي التعاطي. فأن سياسة بوش التي أنتهجت نهج التعاطي كانت أكثر أيذاءا للسودان من سياسة المواجهة التي أنتهجها كلنتون. تبدوا سياسة التعاطي أقل كلفة من المواجهة إلا أنها في المقابل أعمق غورا وأبعد أثرا وربما أكثر أيذءا وضررا بمصالح السودان لأنها تتوسل لبغيتها بالحوار و الأستغفال والمداراة والأغواء والأغراء. فسياسة المواجهة رغم كلفتها تحفز الأمة علي أستنهاض طاقاتها وتعجم أعوادها وتنثر كنانتها من أجل التصدي للعدوان المادي والمعنوي.ويسهل فيها حشد الجماهير للتصدي للعدوان .أما سياسة التعاطي فهي تتكون من ضغوط متواصلة ومحفزات متوهمة . فصار مثلا سن قانون جديد لا يحتوي علي عقوبات جديدة محمدة تنسب الي رشد سياسة التعاطي لأن البديل أسوأ.لقد قوي بوش تحت ظل سياسة التعاطي من منظومة العقوبات ضد السودان بأضعاف ما فعل كلنتون. يقول مبعوث بوش السابق للسودان وليامسون في ورقة نشرت مؤخرا إن التعاطي ليس هدفا في حد ذاته بل هو تكتيك  وعملية مستمرة تفضي لتحقيق أهداف محددة عن طريق الحوار والتفاعل وليس المواجهة المكلفة.

لعل الحقيقة التي تبدوا صادمة للبعض هي أن الرؤساء الأمريكيين الذين تعاقبوا علي المكتب البيضاوي لم يصدر أيا منهم قرارا رئاسيا واحدا بتغيير نظام الحكم في السودان.ربما تكون الأهداف الكلية لهذه السياسات هي السعي تلقائيا لتحقيق هدف الأطاحة بالنظام، ولكن لم يصدر أي قرار تنفيذيا كان أم سريا بأستخدام موارد القوة القومية الأمريكية لأزالة نظام حكومة الأنقاذ من الحكم.نعم لقد دعمت الأدارة دول الجوار لشن حرب علي السودان في عمليات الأمطار الغزيرة ، كما دعمت الحركة الشعبية وأحكمت الحصار وفرضت العقوبات ووضعت السودان في قائمة الدول الراعية للأرهاب وفرضت حظرا تجاريا علي البلاد وهي سياسات تهدف أما لأسقاط النظام أو تفكيكه تدريجيا أو تغيير سلوكه السياسي. ولكن لم تستخدم الولايات المتحدة قمة قوتها العسكرية ونفوذها السياسي والدولي لتحقيق هذه الغاية.

إن أهتمام الولايات المتحدة ، وعكوفها علي أستثمار جزء من رأسمالها السياسي في قضايا السودان لا يرتبط بتحقيق مصالحها الأقتصادية فحسب كما يروج متعهدوا نظرية المؤامرة لأنها لو ارادت ذلك لسلكت له طريقا آخر واختطت له نهجا مغايرا.إن الهدف الأساسي في أنغماس الولايات المتحدة في قضايا السودان هو رغبتها في أستعادة نموذجها الأخلاقي في الدفاع عن أنتهاكات حقوق الأنسان والأضطهاد الديني وحماية النازحين والمدنيين والمستضعفين لأزالة البقع التي علقت بصورتها جراء تورطها في حروب متطاولة لعل آخرها العراق وأفغانستان ومن المستدراكات في علم السياسة الخارجية الأمريكية أن ترموتر الأجندة الأخلاقية يرتفع في المناطق التي تقل فيها المصالح الحيوية لواشنطون، وتعلو الأجندة البراغماتية علي الأخلاقية كلما تعاظمت المصالح الحيوية والأستراتيجية للولايات المتحدة.. هذا الحراك تجاه السودان لم تبتدره الأدارات التنفيذية المتعاقبة بل ساهمت في بلورته مجموعات اليمين الديني التي تحركت تحت شعار حماية المسيحيين في الجنوب من الأضطهاد والأبادة التي يمارسها ضدهم الشمال العربي المسلم.وقد دفع اليمين المسيحي تجاه أتفاقية السلام عندما أحس بأختلال موازين القوي لصالح الشمال بعد أكتشاف البترول، وقدر أن تراكم الثروة من عائدات البترول ، سيسهم في تطوير الترسانة العسكرية للشمال هذا أضافة الي العقيدة القتالية القوية التي تتمثل في الأيدلوجية الدينية والروح الجهادية الثائرة.وظن اليمين المسيحي أن هذه العوامل ستضعف الحركة الشعبية وستحسم الصراع لصالح الشمال علي الأمد البعيد.وكان التفكير هو الدخول في مفاوضات سلام مرهقة ومتطاولة يشدد فيه الحصار علي الحكومة بواسطة فرض مزيد من العقوبات والعزلة الدولية وتقوية الترسانة العسكرية للحركة لتحسين موقفها التفاوضي ومن ثم تصميم حزمة من التسويات تمهد في النهاية للتفكيك السلمي للأنقاذ عبر التفاوض السياسي والتسوية السلمية.وقد عبر عن ذلك دون مواربة الباحث في الكونقرس تيد داقني القريب من دوائر الكونقرس المعادية للسودان وصديق الحركة الشعبية في واشنطون.  إن الدوافع الحقيقية للنخبة الأمريكية التي تجعل من السودان شغلها الشاغل هو سعيها لتفكيك الدولة التاريخية المركزية التي تتحكم فيها الأقلية العربية المسلمة التي أفرزت الأنقاذ كأحد أبرز تمظهرات وتجليات المشروع العروبي الأسلامي في السودان.

 فقد ظل السودان حسب رأي هذه النخبة الأمريكية يحكم بواسطة الدولة التاريخية المركزية التي يسيطر عليها العرب والمسلمون. وقد صبغ هؤلاء هوية الدولة بصبغتهم فصار كل هو من هو عربي مسلم في مصاف طبقة النبلاء ومن يعدونهم مواطنيين من الدرجة الثانية. تحكمت الاقلية العربية المسلمة في مصائر الدولة التاريخية المركزية من خلال أقصاء المجموعات والأثنيات الأخري التي إلتصقت بالهامش والأطراف..لذا فأن الهدف هو أعادة تشكيل السودان بتفكيك الدولة التاريخية المركزية ، وأدخال مجموعات الهامش التي تمثل الأغلبية في معادلة السلطة والثروة ، مما يضعف مركزية الهوية العربية الأسلامية ويفتح الباب واسعا لتفاعل هذه المجموعات لتكوين هوية جديدة تعتمد علي النموذج العلماني والتعايش السلمي الديمقراطي.وبالتالي يرتبط الكيان السوداني الجديد بالغرب، ويتم أقصاء الأيدلوجيات المتطرفة ويصبح السودان جزءا من المنظومة الأفريقية التي لا تشكل تهديدا لمصالحه بل وتمتد تحالفاته للحفاظ علي مصالح الغرب وأسرائيل في المنطقة.هذه هي الدوافع الحقيقية للسياسة الأمريكية تجاه السودان ، وما دونها هراء لأغراض التجمل وحسن التبعل.

إن الأستراتيجية الأمريكية المعلنة لن تقود الي التطبيع مع واشنطون مهما أسرف البعض في الحلم.لأن أدواتها ووسائها وأهدافها النهائية مرتبطة بالأهداف المذكورة أعلاه وبمخرجات الأستفتاء 2011 . فمنظومة العقوبات السائدة وضعت في الأساس لتكون سيفا مشهرا في وجه الشمال  ومسلطا علي رقبته كأحد أقوي أدوات الضغط لتخضع للمساومة وتجد السعي حثيثا لأنفاذ الأتفاقية ، وما كان لها أن تستوفي أجلها أو غرضها دون نهاية الفترة الأنتقالية.

إن الأستراتيجية الأمريكية والحراك السياسي يستهدف في سقفه الأعلي تغيير السلوك السياسي للأنقاذ عبر عملية تغيير مستمرة حتي تفقد الأنقاذ هويتها السياسية والثقافية فيسهل تفكيكها سلميا عبر التسويات الجارية أو أن تتحول الي نظام مروض يعمل من تلقاء نفسه علي تغيير سياسته وقيادته ليتناسب مع مستحقات ومطلوبات التغيير القادم. إن العقوبات والعداء الأمريكي سيكون أشرس عقب أنفصال الجنوب ، سيتم صنع مبررات جديدة لأستمرار العقوبات منها أن الشمال ما زال يشكل خطرا علي أستقلال الدولة الوليدة ، وقد يجنح الجنوب الي صنع تحرشات عسكرية ضد الشمال من أجل أصطناع وحدة داخلية توجه طاقاتها نحو عدو تاريخي مشترك مما يزيد من أستقطاب الدول الغربية ضد الشمال..إن الذكاء السياسي يقتضي أستيعاب التعاطي وأفراغه من محتواه دون تنازلات جوهرية تخل بالتوازنات القائمة وتحييد وسائله وأبطال مفعوله بحيث تمنعه من بلوغ غاياته المستترة ويستولد حوارا ولكن لا يعرف أهو حي فيرجي أو ميت فيرثي؟.إذا كان غاية أمريكا من التعاطي هو أضعاف الحكومة وتفكيكها سلميا عبر التسويات الجارية فأن هدف السودان يجب أن يكون أستخدام التعاطي ليس لتطبيع العلاقات كما يتوهم أصحاب التمنيات الرغبوية ولكن لكفكفة الأذي، وتقليل غلواء المواقف العالمية المعادية التي تحول دون تدفق رؤوس الأموال للأستثمارات، ونقل التكنلوجيا والكف عن دعم ومساندة كل من يشق عصا الطاعة علي الحكومة.

(أستدراكات:نقلا عن الأحداث)