كان علي عثمان قبل أن يترجل من سدة الحكم يخشي أن تهزم الخدمة المدنية مشروع الإنقاذ السياسي. ويري البروفيسور فرانسيس فوكوياما أن الإضعاف المتعمد لجهاز الدولة البيروقراطي في الولايات المتحدة أدي الي خلل جسيم في توازن السلطات وقاد الي إضعاف المؤسسات السياسية للدولة وعوق من أدائها وفعاليتها وربما يقود الي إضمحلالها.

جهاز الدولة البيروقراطي في السودان يأتي في الأهمية بعد المؤسسات النظامية و التشريعية والعدلية والقضائية. لأنها مراكز حماية وتثبيت السلطة السياسية. في الولايات المتحدة يأتي الجهاز البيروقراطي من حيث النفوذ والتأثير بعد المؤسسة التشريعية والقضائية، وذلك منعا لتمدد نفوذ السلطة التنفيذية علي ماعداها في إطار لعبة توازن القوة والسلطات بين المؤسسات.

صاحب مصنع في الخرطوم أعيته الحيلة وهو يواجه تقديرات الضرائب الجائرة وهو يتمتع بكل مزايا وإعفاءات المستثمر الذي تضمنها قانون الإستثمار، ودعم حجته بخطابات رسمية وقرارات صادرة من كل المؤسسات المعنية بحماية الإستثمار وتشجيعه. وقد كان مصير كل هذه الخطابات الصادرة من أعلي الجهات في الدولة بما فيها الأمانة العامة لمجلس الوزراء سلة المهملات. ولكن لجأ صاحب المصنع الي حيلة أخري وهي شجرة النسب والعائلة، فطرق باب أحد أقرباء هذا الموظف الذي تربطه به صلة، فقال له صادقا لن تري قريبي موظف الضرائب في مصنعك مرة أخري، وقد أوفي الحر بوعده. ولا تثريب علي صاحب المصنع الذي إستخدم نفوذ وتأثير المؤسسة الإجتماعية عندما عجز جهاز الدولة البيروقراطي عن حل مشكلته والإنتصار لقضيته.

هذه القصة التي تحدث في السودان بشكل متكرر كل يوم يعترف البروفيسور فرانسيس فوكوياما بوجودها في الولايات المتحدة بشكل مختلف وهي ما أطلق عليه في مقال جهير نشرته (أمريكان أنترست) بعنوان (التفكك العظيم) في الربع الأول من هذا العام بتدهور المؤسسات السياسية في أمريكا. في السودان تتمدد المؤسسة الإجتماعية بتعقيداتها ووسائلها وشبكة صلاتها ونفوذها للتأثير علي قرارات وتطبيق قوانين الجهاز البيروقراطي في الدولة. فتدخل أقرباء أحد الموظفين في الدولة أكثر فعالية وأقل كلفة في حل الإشكال الإداري من كل الوثائق والقرارات الرسمية الصادرة من أعلي مؤسسات الدولة. فوكوياما يري من جانبه بأن المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة تعاني من التدهور والضعف خاصة الجهاز البيروقراطي، وهي ظاهرة لا تمت بصلة لنظرية أضمحلال النموذج الأمريكي والحضارة الغربية.

فإذا كان السودان يعاني من تمدد نفوذ المؤسسة الإجتماعية علي حساب جهاز الدولة البيروقراطي في تنفيذ القرارات وتوجيه السياسات، فإن الولايات المتحدة حسب رؤية فوكاياما تعاني من تمدد نفوذ الجهاز القضائي والتشريعي علي حساب المؤسسات البيروقراطية والجهاز الحكومي، وذلك لعامل تأريخي ونفساني وهو أن الشعب الأمريكي بحكم تطوره التاريخي لا يثق كثيرا في المؤسسات الحكومية فتم تلقائيا أضعاف سلطات الجهاز الإداري وتقوية سلطة المؤسستين القضائية والتشريعية مما أدي الي خلل بين في فعالية أداء الجهاز البيروقراطي للدولة. إضافة الي ذلك يشير فوكوياما الي أن مبدأ توازن السلطات قام علي قاعدة تحجيم تمدد قوة وسلطة الرئيس وجهازه التنفيذي. هذا الإضعاف المتعمد لسلطة الجهاز البيروقراطي أدي الي بسط نفوذ الجهاز القضائي وتدخله المستمر لحل المشكلات الإدارية في جهاز الدولة البيروقراطي.إضافة الي ذلك نشأت مجموعات مصالح وضغط للتأثير علي قرارات الجهاز البيروقراطي وتوجيه سياساته بإستخدام الصلات الحزبية والنفوذ والمحسوبية تماما مثل قصة صاحب المصنع بالسودان ولكن بطريقة لا تصادم منطوق القانون ولكن تناقض روحه وتعاند هدفه مقصده.

عقب توقيع إتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) حضر كل من علي عثمان وجون قرنق الي نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة علي رأس وفدين من كبار المسئولين في الدولة والحركة الشعبية للإجتماع بممثلي المجتمع الدولي والمؤسسات العالمية لشرح الإتفاقية وتقديم مطلوبات دعمها وتأكيد إلتزامهما بإنفاذها.وشهدت تلك الإجتماعات مطالبة قرنق الشهيرة بتخفيض قوات الأمم المتحدة (يوناميس) التي تستهلك أثنين مليار دولار في السنة وتحويل فائض تلك الميزانية الي مشروعات تنمية في السودان. ورغم زحمة العمل المتواصل إذ كان علي عثمان مشغولا بإنجاز أكثر من خمسة عشر إجتماعا ومخاطبة في اليوم أثناء شهر رمضان الفضيل،إلا أنهأتاح لنا معشر الدبلوماسيين العاملين معه في أضابير الإجتماعاتبرهة قصيرة من الوقت كانت كافية لفك شفرة تفكيره السياسي في تلك الفترة التاريخية الفاصلة. كان علي عثمان حينها ونيفاشا تأتلق بأمل الوحدة الكذوب يبدو هادئ البال مطمئنا للمسار السياسي ومخرجات إتفاقية السلام مع جنوب السودان ولكنه كان قلقا من تدهور الخدمة المدنية في السودان. وقال إن إصلاح الخدمة المدنية لا يقل أهمية عن مشروع السلام. وكشف أن الصادق المهدي قد قال في إعتراف نادر أثناء حقبة الديمقراطية الثالثة أنه هزمته السوق السوداء، أما الإنقاذ فإن تحديها الماثل هو الخدمة المدنية وقال لقد هزمتنا الخدمة المدنية كما هزمت السوق السوداء الصادق المهدي.

كشفت دراسات مبكرة في عهد الإنقاذ أن إصلاح الخدمة المدنية يحتاج الي إلغاء أو تجميد نسبة 45% من وظائف العاملين في حقل الخدمة المدنية للتخلص من عبء الترهل الإداري إلا أن إستعظام الكلفة السياسية جعلت تلك الدراسة حبيسة الأدراج حتي قضت عليها دابة الأرض. كما فقدت الخدمة المدنية كفاءات جهيرة بفعل التطهير السياسي، ولعله لا تنتطح عنزتان علي حقيقة أن بوادر هزيمة الدولة أمام جحافل تردي الخدمة المدنية تزحم براياتها وطبولها الأفق إذا لم تستدرك بتدابير إصلاحية عاجلة. وحتي حينه ومع بروز جلجلة الشعارات لم تبتدر الحكومة مشروعا جادا لإصلاح أمر الخدمة المدنية  لذا فقد أحتفي الناس بتصريحات الرئيس البشير وإعلان عزمه ومضاء رأيه علي إصلاحها.والبعض يرد أمر تدهورها الي كشوفات التطهير السياسي في بواكير عقد التسعين وفي ذلك بلا شك بعض الحقيقة، ولكن البرهان الأكبر أن الترهل الإداري وضعف أخلاقيات العمل وغياب ضوابط الأداء هذا فضلا عن عزوف أفضل الكفاءات وأميز خريجي الجامعات من العمل في القطاع الحكومي لضعف العائد المادي وسلحفائية الترقي وتفضيلهم للقطاع الخاص والإغتراب، جعل الخدمة المدنية مصبا لسواقط التوظيف من القطاع الخاص أو من ضاقت عليهم سبل الإغتراب وسدت في وجههم أبواب العمل الخاص. ، ولعل هذا السبب هو الذي راهق من إختلالات توازن النوع والجندرة في الخدمة المدنية حيث يزداد توظيف النساء ويقل إستيعاب الرجال الذين يفضلون العمل في مجال التنقيب عن الذهب والمعادن الثمينة من دريهمات الوظيفة الحكومية التي لا تقي إلحافا ولا تغني من جوع. والوظيفة تخالف الهدي النبوي في الرزق إذ قال الرسول (ص) تسع أعشار الرزق في التجارة.ولعل زورة الي وزارة المالية تبين هذا الخلل في توازن الجندرة، إذ أن كثرة النساء في وظائف الخدمة العامة يعتبر لدي البعض مظهر إحتفاء بل هو أيضا روشتة سياسية أوصي بها قائد نهضة ماليزيا الحديثة الدكتور مهاتير محمد رئيس الوزراء الأسبق الذي أوصي صناع القرار في السودان بأهمية تمكين المرأة في الوظائف العامة لأنها حسب تجربته وخبرته الطويلة في بناء الدولة حريصة علي إتقان عملها واستخدام سلطاتها علي الوجه الأتم لتحقيق أهداف العمل لأنه أحد أدوات فرض إحترامها وهيبتها علي ثقافة المجتمع الذكوري السائد هذا فضلا عن تعففها من الفساد المالي إلا في النذر اليسير. و حتي إذ وقعت في إحابيله فإنها تكتفي بالقليل علي عكس الرجل الذي إذا ولغ في الفساد المالي فإنه يعب منه عبا حتي لا يؤخذ بجريرة صغيرة تكون له سبة وتعييرا كبيرا تخالف إرث الفروسية والفخر السائد في عشيرته وبين مجايليه.

وتوقف غناء البنات تغزلا في الموظف وأتجه التمجيد الي التجار من جبيل الطينة الي العربي من طابت، وكانت أغاني الموظفين تسد الأفق من القطر الشالك أنت يتكسر حتة حتة، حتي حلت محلها أغاني القنبلة وحرامي القلوب تلب وغيرهما مع تفشي ثقافة العنف والتمرد.وتلاشت الطبقة الوسطي التي كانت تمثل القاعدة الإجتماعية التي تحمل أحلامه وتطلعاته وكانت هي محور التغيير والإبداع وقاطرة الإقتصاد والعمل.ولعل الشتيمة الأقذع في العرف الإجتماعي لأهل السودان في الوقت الراهن هو أن يقال لأحدهم: ده أفندي ساكت، أي أنه مغموس في زيت المسكنة لا يهش ذبابا ولا يملك حولا ولا قوة. ويجمع كثير من أهل النظر أن إنفتاح أسواق العمل في الخليج مع بدايات الطفرة الإقتصادية والنفطية في بداية عقد السبعين من القرن الماضي هي السبب الأساس الذي أدي الي إفقار الخدمة المدنية من الكفاءات ترافق معها بداية التدهور الإقتصادي لإرتفاع أسعار البترول بعد حرب أكتوبر 1973 التي أستخدم فيه النفط لأول مرة سلاحا في الحرب. ولكن ما أن وضعت الحرب أوزارها لم يتجرأ أحد أن يعيد استخدام ذلك السلاح كرة أخري لأن الغرب قد أتخذ تدابيره ورسم سياساته وجرد سلاحه، وأصبح السودان أحد أكبر ضحايا تلك الحقبة التي مازتها الطفرة النفطية وإنفتاح أسواق العمل وإرتفاع أسعار البترول مما فاقم من منصرفات الدولة وضاعف العجز في ميزانيتها العامة وعاني السودان من نزيف هجرة العقول و الكفاءات وما يزال.

ترجل الأستاذ علي عثمان من سدة الحكم وفي نفسه شيء من حتي تجاه الخدمة المدنية، وكما هزمت الصادق المهدي السوق السوداء فإن الإنقاذ تواجه تحديا مماثلا في إصلاح الخدمة المدنية، وهو مشروع لا يقل أهمية عن السلام والحوار الوطني والإصلاح السياسي، ولا شك أن الفشل فيه يحرم المؤسسة السياسية من أجتياز درجة النجاح في مشروع البناء الوطني الشامل.

يري فوكوياما أن وظائف الحكومة في نموذج الدولة الأوروبية الراهن يقوم به الجهاز البيروقراطي التنفيذي، لكن في الولايات المتحدة فإن وظائف الحكومة يقوم بها الكونقرس والقضاء. في المقابل يقوم بوظائف الحكومة في السودان الجهاز البيروقراطي نفسه بقدر ضئيل، ولكن الجزء الأكبر تقوم به المؤسسات النظامية ذات النفوذ الطاغي علي منظمومة الدولة وكذلك الحزب الحاكم، والسياسيين المتنفذين والمؤسسة الإجتماعية عن طريق سلطة القرابة والمحسوبية وصلات القبيلة والإنتساب الجهوي. لذا فإن أمر إصلاح الخدمة المدنية في السودان لا تجدى معه مساحيق التجميل ورتق الفتوق والمعالجات السطحية، ولكن تحتاج الي مراجعة وإصلاح جذري، وسيترتب علي ذلك كلفة سياسية وإقتصادية باهظة مما يعظم الشكوك في إقدام الحزب الحاكم علي إبتدار حزمة الإصلاحات المطلوبة وتحمل كلفتها السياسية مع إرهاصات قيام الإنتخابات ومعركة كسب الأصوات وتدشين مواكب نحر الذبائح علي أقدام الناخبين.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

//////////