عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لا يعتبر كتاب الدكتور محمد محمود محل الجدل والنقاش: "نبوة محمد التاريخ والصناعة"، مجرد دراسة نظرية لنقد الدين الإسلامي، من خلال تناوله لظاهرة نبوة محمد صلي الله عليه وسلم وصناعتها ومراحل تطورها التاريخية . بل هو لبنة في منظومته الفكرية الإلحادية، ويمثل مانفستو دعوته وفلسفته الرامية لتجاوز الأديان. ويعتبر الكتاب النموذج النظري التطبيقي لهذا المانفستو ولفلسفة تجاوز دين الإسلام بالتركيز علي دراسة نبوته المصنوعة التي إبتدعها محمد "ص"، بكل تجليات الظاهرة الإنسانية، ورفدت مهمته بالخيال المبدع فصنع مجتمع المؤمنين ، ومن منظومة هذا التفاعل صنعت النبوة إلهها، ليصبح الله محدثا ومخلوقا صنعته النبوة لا خالقا.
ترتكز فلسفة التجاوز حسب الأدبيات المنشورة للكاتب في أنها ظاهرة طبيعية مقترنة بهذه الأديان وتطورها، فالبوذية تجاوز الهندوسية واليهودية تجاوزت أديان الشرق الأدني والإسلام تجاوز المسيحية واليهودية. وترسيخا لهذا المبدأ يقر أن الأديان الكبري تتجاوز أفكارها ومواقفها التليدة عندما تصطدم ببيئاتها المتغيرة مستدلا بظاهرة الرق التي منعتها حركة المدنية الحديثة. ويقول الكاتب صراحة ان "تجاوز الدين شرط لازم من شروط تحقيق حريتنا"، ويؤكد أن ذلك أصبح حتما علي حركة العقلانية يقول:"التجاوز للدين والإنعتاق منه أصبح أمرا ملحا في عالم اليوم". عليه فإن كلمة حرية نقد الدين التي يري الكاتب أنها من ضرورات الحرية الفكرية لا تعبر تعبيرا دقيقا عن حقيقة هذا الإتجاه الفكري، لأن الهدف هو تجاوز الدين وهدمه لا تشذيبه ونقده. وللتعضيد علي وحدة الهدف يقول الكاتب في عبارته الخاتمة في كتابه نبوة محمد "وسيبقي واقع التشوه والإنقسام الأخلاقي المرتبط بالنبوة حيا طالما بقيت النبوة حية في عقول الناس وأفئدتهم، ولن تزول إلا عندما تموت النبوة وتتحرر عقول الناس وأفئدتهم من ذاكرتها وعبئها وميراثها". وهذا يؤكد أن كتابه الذي يهدف الي قتل النبوة في ذاكرة المسلمين وعقولهم وأفئدتهم هو طريق الخلاص الوحيد لتجاوز الدين وتحقيق السعادة الإنسانية. ويري الكاتب أن الحرية الفكرية صارت مهددة في العالمين العربي والإسلامي بمنظومة التشريعات التي تجرم هذا الفعل وتفرض حد الردة لمحاصرته ومكافحته ، هذا إضافة لما وصفه بنشاط الحركات الإسلامية الفكرية والسياسية التي تمارس سلطة وصائية وقمعا لحرية التفكير والتعبير. إن حرية نقد الأديان هو "أسم الدلع" لنقض عري الدين والقبول بدعوي أن الله خالقا لا مخلوقا، وأن النبوة صناعة بشرية. إن العقبة الكأداء التي تقف في وجه نشر دعوته الفكرية لقتل النبوة وتجاوز الأديان حسب ظن الكاتب هي عقوبة الردة في منظومات التشريعات العربية والإسلامية وكذلك الحركات الإسلامية بشقيها السياسي والفكري. لذا فهو يجرد كل أسلحته الفكرية لمنازلة هاتين العقبتين، فلا غرو إذن في أن يشترط علي كل من يريد الدخول في أروقة الحوار إدانة حد الردة أو المادة 126 كشرط أولي للنقاش.
استحسنت خطة المقال الذي حرره الدكتور محمد محمود تحت عنوان:"ناسوت العقلاني النبيل:حول الشرط الأولي للنقاش"، ردا علي مقالي الذي لوحت فيه بقراءة أولية لكتابه " نبوة محمد:التاريخ والصناعة". والمقال أوله تعريض، وأوسطه ترغيب وآخره شرط ووعيد. فقد إفتتح الكاتب مقاله بالتعريض المهني، وهو يستعرض  وظيفتي المدنية متهكما وملوحا بأنني نائب سفير النظام ببرلين.وذلك ليس من سمت العلماء أو مناقب دعاة الفكر في شئ، فقد حررت مقالي بصفتي الشخصية واعتباري الذاتي دون أن أذيله بأي لقب مهني أو وصف إجتماعي أو صفة علمية. ومهنتي ليست من بدائع صنائعها التحريض علي هذا النوع من الجدل،أو الحث علي مباحثه وحذق فنونه. وألحق الكاتب بهذا التعريض شرط عده ضروريا للدخول في ساحة الحوار والنقاش، فقد قال انه لن يستطيع الدخول في اي نقاش إذا لم أقرر بدءا رفضي للمادة 126 وهي مادة الردة في القانون الجنائي السوداني واعترافي بحرية الفكر والتعبير. إن إصطناع الشروط الحمائية لإبتدار الحوار يتعارض مع أبسط مفاهيم الحرية التي يدعو لها الكاتب ، كما انها لا تتسق مع القيم المعلنة لدعاة التنوير والحداثة، فالشرط لغة هو إلزام الشئ وإلتزامه و هو بذلك مطلب أليق بمماحكات ومداورات ناشطي العمل السياسي في سوح الجامعات، وهو شرط تعسفي لا يليق بمنازلات الفكر ولمن جعل الإستنارة  مذهبه والرشد ديدنه والعقلانية مطلبه وهداه.
إن من يبدأ في تحرير رد مكتوب ومنشور في المواقع المختلفة علي كتاب علمي يعالج موضوعا هاما وحيويا  يطعن في صميم عقيدة المسلمين لا شك يعترف مبدءا وضمنا بحرية التفكير والتعبير، فأنا لم أجرد سلاحا، أو أسير جيشا أو أمتشق حساما  أو أبتدر عنفا من أجل نقد و تفنيد بعض المزاعم و الأفكار الجوهرية التي تضمنها الكتاب، بل عمدت الي يراعي متوسلا بالكلمة والحجة. لذا فإن هذا الشرط يكشف عن نزعة عميقة في التجريم المبدئي وأبلسة الآخر والتشكيك في النوايا دون دليل أو برهان، وهذا روغان مستل من أشواك السياسة لا من حديقة الفكر. كما أن تمهيد الأرضية وخلق مناخ صحي للحوار لا يمر بالضرورة عبر شرط إدانه المادة 126 لأنني لا أملك أي سلطة مادية في إبطال أو دحض مادة الردة في القانون الجنائي السوداني. وإن كانت لأي كاتب سلطة معنوية في فضاء الوعي العام فإنني مستعد لأن أدافع عن حقك المادي والمعنوي في التعبير عن آرائك وأفكارك دون قيد أو شرط أو حجر،وما مقالي الأول  وتحرير هذا الرد إلا إعتراف صريح بهذا الحق، لأن الحوار الفكري الديمقراطي وحرية التعبير والتفكير ، فضلا عن أنها حق إنساني فهي السبيل الوحيد للتطور الحضاري وبناء الأمم والتقدم الإنساني. وهذا المبدأ يتسق مع خياري الفقهي القائم علي أن الردة الفكرية لا تبرر العقوبة والحد، إلا أن يكون المرتد محاربا أو مقاتلا بالقوة المادية الغاشمة والمسلحة، وهذا يقع في باب الجنايات و الحرابة أكثر من الردة.
وأدهشني الدكتور محمد محمود في رده وهو يسعي الي تكريس نزعة طائفية للنقاش،وذلك نبو فكري فاحش، فأنا لم أستصرخ في مقالي فرقة سياسية،أو مذهب فقهي أو طائفة أيديلوجية للتصدي لأطروحة الكتاب، بل توجهت بالنداء للمختصين والأكاديميين علي وجه العموم لتمحيص الكتاب ونقده موضوعيا. عليه لا أدري من أين أستشف الدكتور محمد محمود أن النداء موجه الي الإسلاميين دون غيرهم. وهذا يتعارض جوهرا مع قوله  في مقدمة كتابه انه موجه لكل القراء في العالمين العربي والإسلامي بكل أجيالهم، ومن كان ذلك همه ومطلبه فإنه لا يستأني ولا يستغني عن النقاش العام وحصره في طائفة صغيرة في المحيط الإسلامي والإنساني العام. والكاتب يعلم يقينا أن موضوع الكتاب وأهميته تتجاوز هموم إسلاميي السودان الذين اختصهم بالمبارزة الفكرية الي كل المسلمين بمختلف نحلهم وطوائفهم وتوجهاتهم ومذاهبهم لأن الطعن في صحة النبوة في الإسلام والزعم بوضعها وصناعتها ، يمس عصب الدين وعقيدة التوحيد التي تجمع المسلمين، برهم وفاجرهم شيعتهم وسنتهم. ولعل ما دعا الكاتب لإختصاص الإسلاميين بالمبارزة الفكرية دون غيرهم من الغيورين علي الإسلام نابع من فرضية وقعت في روعه أن حد الردة ونشاط الحركات الإسلامية هما حجر العثرة الذي يهدد تمدد أفكاره ودعوته الإلحادية، أو ربما يكون منشأها ضغينة سياسية قديمة تشربها منذ إلتزامه الجمهوري القديم، ولكن يبدو أنها إزدادت تعتقا مع إيغاله في لاهوت تجاوز الأديان.
قال الدكتور محمد محمود في رده أنه يصف نفسه وموقفه الفكري بالعقلاني وهو صاحب ناسوت وليس لاهوت كما نعته لأن مركز الدائرة لديه هو الإنسان. ولعل وصفي له بأنه صاحب لاهوت نابع من أنه يسعي لتأليه العقل ، ويجعل العقل بديلا للإله لأنه آلة المعرفة، والحكم الأعلي المقدس لكل المدركات والتصورات والمحسوسات ، وهذا العقل يلغي أي مصدر للمعرفة خارج عالم الشهود، ولا يعترف بالغيب. إن هذا التأليه للعقل يجعل من مدركاته ومنتجاته المعرفية لاهوتا يحل محل الإله إلا أنه لا يعبد. وهو لم يجنح لما فعله أيمانويل كانط الذي أكد أنه لا توجد حقائق موضوعية تدلل علي وجود الله، إلا أن وجوده ضروريا أيضا لعملية التفكير الإنساني ومنظومة العقل البشري.
لم يفت علي د. محمد محمود أن مقالي لم يكن ردا حرفيا علي كتابه، فقد انحصر همي الي استعراض الكتاب وشرح أفكاره الأساسية وتبيان خطل منهجه ومواطن الإختلاف، ورده الي أصول مدرسته التاريخية من وجهة نظري الذاتية وذلك طلبا للحقيقة التي ربما يعتري منهجنا في الوصول إليها بعض القصور حسب نسبية العقل ومحدودية الجبلة البشرية. كما لم يصدر من جانبي -كما حذر الكاتب من مآلات النقاش المستقبلي- حكما تفسيقيا، أو صراخا تكفيريا أوهذرا عاطفيا أو إستصراخا لأصوات المدافع والرصاص، وتلك بلا شك هي عدة السقيم الذي لا يشفي والميت الذي لا يرجي . وقد وقر في ذهن بعض أهل الظن ممن يتعجلون قسطل المعارك السياسية وعجاجة الوقائع الفكرية أنني هدفت الي تحرير رد جامع مانع أفند فيه كل حجة وتكذيب وتأويل في الكتاب،وتلك مهمة لا استعظمها ولكنها تحتاج الي تأليف كتاب نظير لكثرة مواضع الإختلاف حتي لتحسبنها شحما في موضع الورم المتفشي، ولولا هلكة الوقت لصح العزم، ولكن هناك من هم أقدر مني علما وحكمة للقيام بهذه المهمة التي هي في مقام الواجب الكفائي في هذه اللحظة التاريخية الهامة. إن  ترحيبي بالمساجلات القلمية لا أتظني بها بها بغية المغالبة والخصومة الفجة، بل لكشف إعتلالات المنهج لإبطال حججه القائمة علي نسف النبوة وتجاوز الدين، ولولا  توسمي في الكاتب أنه كبوح لجماح غضبه عن التأسد في مقام الفكر، وأنه سموح في الحجاج العلمي، ورموح عن  الإسفاف الثقافي لما ولغ يراعي في هذا الصخب والمعمعان.
وأقدر من جانبي للدكتور محمد محمود جهده الفكري، ومثابرته المعرفية ووضوح اسلوبه اللغوي ونصاعته ، وحذقه لمادة بحثه وتلك خصيصة عرف بها منذ بواكير حياته العلمية. فقد تميزت مادة كتابه بمنهج أكاديمي محكم في التصنيف وإيراد الشواهد والإقتباسات وجمع المادة التاريخية التي تميزت بالكثافة والغزارة ، إلا أنني  بذات المبدأ أختلف معه جملة وتفصيلا في منهجه الذي بدأ بمقدمات خاطئة فأنتهي الي نتائج خاطئة، ويشمل الإختلاف كذلك فرضيته الأساسية التي تدعي أن النبوة هي صناعة بشرية محدثة، وأن الخيال المبدع للنبي هو الذي يصنع الإله ومجتمع المؤمنين.وهو بذلك ينكر وجود الله إلها واحدا لا شريك له و اصطفاء الرسل  والوحي والقرآن. هذا إضافة الي تعويله علي روايات الإخباريين أكثر من أي القرآن وإعتماده علي الإسرائيليات الواردة في تفسير الطبري.
إنني لا أنكر أن بعض أفكار الكتاب الأساسية خاصة مزاعم الكاتب حول الخيال المبدع لها أصول في الفلسفة الإسلامية، إضافة الي مصادرها  الأصلية في الفلسفة اليونانية خاصة إفلاطون وأرسطو وتسربها الي الثيلوجي المسيحي وتأثيرها علي آراء المستشرقين في تفسير وتأويل نبوة محمد صلي الله عليه وسلم. وقد ردها البعض الي بن الرواندي، والوراق، والرازي. ولكن أنطلق ترسيخ هذه الأفكار من فلسفة الفارابي وبن سينا والطوسي الذين يعتبرون الوحي فيض من فيوض العقل الفعال. فالنبي عند الفارابي هو من حل فيه العقل الفعال بواسطة المخيلة. وعليه لا بد للنبي من مخيلة قوية تمكنه من الإتصال بالعقل الفعال. وبن سينا يرتكز علي المخيلة والخيالات النورانية للنبوة التي إستشفها علي نظرية الفيض لإفلاطون. و ما زال بعض العلمانيين والملحدين يحتفون بتفسير الفارابي لأنه حسب زعمهم يجرد "الوحي من طابعه اللاهوتيّ وتعاليه عن الحياة الواقعية للبشر، عبر تفسير عقليّ يجعل النبوّة كما ذكرنا ظاهرة قابلة للتعليل المنطقي، بردّها إلى قوة المخيّلة. وبهذا ينزل بالوحي إلى مستوى الظاهرة القابلة للدراسة والفهم، فتكفّ بذلك عن أن تكون لغزا ربّانيا مفارقا".
ويجعل بن سينا طريق النبوة مفتوحا للسالكين. فهو يري أن النبوة مكتسبة، فمن راض نفسه حسب قوله وخلصها من الأوصاف الذميمة الي الأوصاف الحميدة ولازم الخلوة والعبادة وداوم المراقبة يبلغ المبلغ الأقصي. والنبوة بذلك فيض يفيض علي نفس النبوة إذا استعدت لذلك. وقد رد علي هذه المزاعم الكثير من العلماء أبرزهم بن تيمية في كتابه الصفدية. وربما من هذا المعني نبعت صلاة الأصالة والتقليد لمحمود محمد طه. ولكن محمود محمد طه حسب رأي د. محمد محمود يري أن النبوة هي حجاب بين العبد وربه، لذا فهو يترقي حتي يتلقي كفاحا من الله، ويصبح بذلك مماثلا وموازيا للرسول صلي الله عليه وسلم في تلقيه مباشرة ودون واسطة من الله. وكما رأي بن سينا أن النبوة مكتسبة فإن د. محمود يري في كتابه عن محمود محمد طه أنه يري العبد هو إله في طور الصيرورة والترقي والتكوين God in process
تزامن صدور كتاب الدكتور حسين مروة "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية" مع كتاب "نقد الفكر الديني" للدكتور صادق جلال العظم في نهاية عقد الستين. وقد أحتفي بهما العلمانيون والليبراليون واليساريون  وعدوا الكتابين فتحا علميا وثورة حقيقية في نقد العقل الغيبي وإدانة للرجعية الدينية. وقد إهتم مروة إضافة الي التحليل الإجتماعي الطبقي ببروز الفلسفة الإسلامية مستدلا بمقولة ماركس إن الفلاسفة يخرجون من واقع الناس وبيئاتهم ولا ينبتون مثل النباتات الفطرية.وأحتفي في مسار التاريخ الإسلامي بإستقلال الفكر الفلسفي من مباحث علم الكلام الذي إرتكز حسب زعمه علي فلسفة لاهوتية تقوم علي وحدانية الحقيقة الدينية.أما الفكر الفلسفي فهو ينزع لنشدان الحقيقة التي يكون منطق العقل البشري هو طريق الوصول إليها دون المصادر الغيبية.أما د. صادق جلال العظم فقد هاجم ما أسماه البني الفكرية والأيدلوجية الغيبية السائدة في مجتمعنا، ولكن الثورة العربية حينها لا تستطيع أن تتجاهل المظاهر الرجعية. وأجتهد د. محمد محمود في كتابه المذكور تأكيدا لهذا السعي التاريخي والنهج الثقافي في محاربة الفكر الغيبي والمرجعية الدينية في تفسير الكون. مرت أكثر من أربعة عقود علي صدور هذين الكتابين ومعهما آلاف الكتب التي تسعي لما اسمته إعادة تشكيل الوعي العربي وتطهير العقول من خرافة الدين والغيب. ولعل نتيجة هذا الجهد الثقافي والعلمي في تحقير الدين في حياة المسلمين أصبحت مخيبة لآمال العقلانيين، وأدت الي نتائج عكسية تماما، حيث إزدادت وتيرة التدين بصورة كاسحة في المجتمعات الإسلامية والعربية ،مما أنعكس علي جوهر عملية الحراك السياسي والديمقراطي الراهن في المنطقة، وارتفعت معدلات انتشار الدين الإسلامي بصورة غير مسبوقة ليصبح الديانة الثانية في العالم من حيث عدد معتنقيه وأسرع الديانات إنتشارا في العالم، بل أصبح هوية ثقافية وحضارية لكثير من الشعوب، حيث وصلت نسبة من يعتنقونه حسب آخر إحصاء 19.8% من جملة سكان العالم.
لذا لا يشكل هذا الكتاب "نبوة محمد الصناعة والتاريخ" خطرا علي الفكر الإسلامي البتة كما يزعم البعض، لأنه أعاد إنتاج المزاعم الإلحادية القديمة بالطعن في حقانية النبوة المحمدية و ماهية الدين في حياة الناس، وضرورة تجاوز الدين وتحقيره في حياة البشر بدعوي العقلانية، وستتصدي لدعوي هذا الكتاب مراصد الوعي والحداثة الدينية، ومواطن التدين التقليدية القوية في العالمين العربي والإسلامي مما يجعل صوت من ينادون بمنهجه ويتبنون أفكاره بدعوي الإستنارة والعقلانية يتوارون حرجا وخجلا من مواجهة الجماهير الهادرة دون تخويف أو حجر بل بطريقة ديمقراطية شفافة وعادلة، طالما كانت الديمقراطية هي الخضوع لرأي الأغلبية دون مصادرة لحق الأقلية.



يقول د. محمد محمود في كتابه Quest for Divinity أن الأستاذ محمود محمد طه رغم منهجه وتعاليمه إلا أنه فشل في أن يصنع حركة مؤثرة كما فعل حسن البنا في مصر، وعد نموذجه أقرب الي مدرسة محمد عبده الذي ترك تراثا فكريا وتعليميا مؤثرا.
إن المفارقة تبدو عميقة بين فكر محمود محمد طه وهو يسعي حسب رأي الكاتب الي تبني المركزية الإسلامية Islamic centrism لحل مشاكل العالم بعد إعادة تفسير الإسلام وجعله أكثر إستجابة لتحديات العالم عن طريق الرسالة الثانية وبين الكاتب نفسه د. محمد محمود الذي يري أن الأديان أصبحت عبئا علي ضمير البشرية ووعيها لذا لا من تجاوزها والتخلص من تراثها وأفكارها وتاريخها. وهي رحلة ذات معني في تطور الفكر السوداني من المركزية الإسلامية الي المركزية اللادينية.