عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

القانون الأمريكي المقترح الذي يناقشه الكونغرس هذه الأيام يقول للسودان جملة واحدة "سنبتر رجلك فلا تصرخ ولا تتألم، وإلا فلدينا تدابير كافية لإسكات صوتك" . وإذا  تم إجازة هذا القانون دون تعديلات جوهرية تخفف من غلوائه،  فإنه بلا شك سيضع السودان والولايات المتحدة في مواجهة دبلوماسية،خاصة إذا تمسكت إدارة الرئيس أوباما بأنفاذه حرفيا.لأنه ببساطة يحاول أن يفرض وصاية ناعمة علي السودان بعد أن يتم فصل الجنوب.
في الوقت الذي كان يسلم فيه السيناتور جون كيري منضدة مجلس الشيوخ مسودة القانون الجديد، الذي أطلق عليه إسم "سلام وإستقرار السودان"  ، كانت هناك ثلاثة مشاهد تجري في إحداثيات تاريخية وجغرافية مختلفة ، إلا أنها تعبر عن جوهر الحراك السياسي والقانوني الموجه ضد السودان و الذي يسعي لفرض وصاية ناعمة علي الخرطوم بعد التشظي ووقوع الأنفصال.
المشهد الأول تلخصه صحيفة (إينر سيتي) inner city المتخصصة في شئون الأمم المتحدة والتي رافقت أعضاء مجلس الأمن الي السودان، إذ كشفت أن مندوبة الولايات المتحدة سوزان رايس التي كان يصحبها إثنان من المساعدين وأثنين من الحرس الشخصي ، تسللت في جوبا الي معسكر تدريبي لشرطة جنوب السودان.فخاطبت المجندين قائلة "هل أنتم جاهزون لحماية دولتكم الجديدة" فصاح المجندون نعم..وكررت : " هل أنتم جاهزون لنيل إستقلالكم؟ " فرد المجندون بهستريا.نعم جاهزون اليوم قبل الغد..قال أحد أعضاء مجلس الأمن واصفا سلوك رايس بأنه خروج من العرف الدبلوماسي وبروتكول الزيارة الرسمي .في الفاشر عندما كان موكب مجلس الأمن يشق طريقه بصعوبة وسط الحشد الجماهيري الكثيف والهتافات تعلو من الحناجر المسحوقة، أمرها حارسها الشخصي بخفض رأسها تحت المقعد والذهول يعتريها من هذه الهتافات الغاضبة. وفي ديوان الحكومة في الفاشر أمرها والي شمال دارفور بعدم مقاطعته فسكتت..كأنها تضمر شيئا . أما في الخرطوم، فقد أخرجت رايس كاميرتها الشخصية، وعباب الباخرة الرئاسية يشق صفحة الماء لتأخذ صورة للنيل قبالة القصر الجمهوري وهو يسري في مجراه التاريخي، وقالت لمرافقتها سأعرض هذه الصور لأبنائي الصغار في نيويورك، ولكن ما سكتت عنه رايس أن هذه الصور ستكون آخر صور تلتقطها للسودان وهو مليون ميل مربع. ربما دار بخلد رايس وهي تستجيب لدعوة الغداء من وزير الخارجية وهي في الباخرة الرئاسية أن تتذكر، ما قاله لها د. مصطفي عثمان وزير الخارجية الأسبق في إحدي زياراته لواشنطون بعد نهاية عهد كلنتون، إذ طلب منها وأقطاب السياسة الأفريقية بالحزب الديمقراطي دعم إتفاقية السلام بين الشمال والجنوب. فقالت لن نفعل ذلك حتي توقفوا الهجوم الأعلامي والشخصي علي طاقم إدارة كلنتون المسئولة عن السودان. وذلك بعد أن ناظرها الصحفي الأمريكي ديفيد روس في قناة (السي أن أن) مدعوما بوثائق جيدة  و إتهمها  بسوء التقدير والتحيز ضد السودان مما أفقد الولايات المتحدة معلومات هامة تملكها الخرطوم كان يمكن أن تساعد في وقف هجمات 11 سبتمبر. وما أن وصلت الي مقرها بالأمم المتحدة حتي  قالت للصحفيين إن مستقبل الجنوب لن يخرج من شيئين: إما تأخير غير مبرر للاستفتاء، أو إلغاء للاستفتاء من طرف واحد يؤدي الي حرب جديدة. وساعتها سنتدخل.
أما المشهد الثاني  الذي حدث الأسبوع الماضي 13 أكتوبر فكان مسرحه معهد بروكنز في واشنطون ، حيث شهد أكبر مسرحية سياسية لتدشين أنفصال جنوب السودان.. ففي الندوة التي إستضافها المعهد عن السودان تحدت كل مايك أبراموتيز رئيس لجنة الضمير بمتحف الهلوكوست بواشنطون،  والسيد  وليامسون المبعوث الشخصي السابق للرئيس بوش للسودان، وعضو مجلس النواب دونالد بين أكثر الأعضاء عداءا للسودان وصداقة للحركة الشعبية في الكونقرس الأمريكي. وقد أوفي الأستاذ بابكر فيصل ترجمة الندوة في هذه الصحيفة بحرفية عالية وعرض سلس. أعاد دونالد بين في حديثه ذات الشعارات والأقوال التي كان يجاهر بها أثناء الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب ، ودعا في حديثه بصورة واضحة ومباشرة لفصل جنوب السودان. وبعد أن بدأ ببسملته السياسية المعتادة بأن حكومة السودان غير قابلة للتغيير لذا تجب إزالتها ، قال إنه يساند فصل جنوب السودان، كما يساند تقديم الرئيس البشير لمحكمة الجنايات الدولية ، وصوب هجومه ضد المؤتمر الوطني قائلا: يخطئ كل من الرئيس أوباما ووزيرة الخارجية كلنتون لتقديمهم جزرا لا تستحقه الحكومة السودانية في الوقت الذي يجب فيه ضرب السودان بالعصا الغليظة. وقال يجب الضغط  وتسبيب الجرح والأذي للمؤتمر الوطني حتي يستجيب لأرادتنا ، ويتعامل وفق مقتضيات التغيير المرجوة.وشبه الرئيس البشير مثل آل كابوني في شيكاغو الذي يرتكب الجرائم ويبرع في التخفي من القانون.
معهد بروكنز الذي عملت فيه سوزان رايس مستشارة للسياسات قبل إنضمامها لحكومة أوباما الجديدة ،كما عمل فيه فرانسيس دينق مسئولا عن دراسات النازحين ، ظل واحدا من المراكز التي تنشط في إحكام الطوق علي البلاد، ودوما ما يستضاف فيه أهل العداء المستحكم ضد السودان. فاليهودي أبراموتيز، والمبعوث الخاص السابق وليامسون من أصحاب الأجندة المتطرفة التي تنادي بفصل الجنوب، ومحاربة الحكومة في الشمال.
قال ناسيوس في ندوة جامعة جورج تاون الأسبوع الماضي أنه يجب توجيه ضربة عسكرية للسودان إذا ما عرقل الرئيس البشير الأستفتاء.ولعل السر الذي لم يبح به ناسيوس أنه أجبر علي تقديم إستقالته من منصب المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي بعد أن هاتفت جونداي فريزر مساعدة وزير الخارجية للشئون الأفريقية الرئيس الفرنسي ساركوزي طالبة منه الأبقاء علي عبدالواحد في فرنسا ناسفة بذلك مصداقية ناسيوس الذي طلب من ساركوزي بأسم الرئيس بوش طرد عبدالواحد من فرنسا.لذا وجد ناسيوس الذي ينحدر من أصول يونانية نفسه فاقدا للمصداقية السياسية في المجتمع الدولي ، ولم يعد يثق فيه أحد أنه يتحدث بأسم رئيس الولايات المتحدة..      
أما المشهد الثالث والأخير فبطلاه كل من الممثل الأمريكي المشهور جورج كلوني الحائز علي الأوسكار، وسفير النوايا الحسنة والناشط المعروف جون بريندرقاست اللذان زارا جوبا بالتزامن مع أعضاء مجلس الأمن. وبالطبع الخرطوم لم تكن تعلم بهذه الزيارة المريبة التي هدفت الي تخويف المجتمع الدولي من تفاقم الأوضاع في السودان، وضرورة تدخله و شن حملة سياسية وإعلامية قوية لحشد القادة والدول والناشطين والمهتمين بتكثيف الضغط علي السودان، وحمله علي قبول نتائج الأستفتاء والتنازل عن  أبيي. وبالتالي  صنع الزخم السياسي المطلوب لأجازة  قانون الكونقرس الجديد دون تساؤلات مشروعة أو معارضة تذكر. وبالفعل عاد جورج كلوني وبريندرقاست الي واشنطون ، وسرعان ما قابلا الرئيس أوباما في البيت الأبيض، ومن ثم عقد كلوني مؤتمرا صحفيا شن فيه هجوما كاسحا علي الحكومة. ودعا الولايات المتحدة للتدخل العاجل. وفي ذات الأسبوع خاطب مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك،وقال إن أوباما وعده بحزمة إجراءات قوية تتضمن العقوبات والعمليات العسكرية، إذا نكص السودان عن الأستفتاء أو أبيي. و ذكره أوباما أنه لا يريد الحديث عن الخطة (ب) من إستراتيجية الولايات المتحدة تجاه السودان علنا. ومن ثم أجري كلوني مقابلات إعلامية في الراديو العام NPR والواشنطون بوست، كما إستضافه لاري كينج في برنامجه المشهور في السي أن أن  CNN . وقد علق علي مقابلته مع لاري كينج مئات  المشاهدين الذي إنقسموا بين مآزر لما أسموه مهمته النبيلة في أفريقيا، وبين معارض بأعتبار أن السودان دولة مسلمة، وأن طبق الولايات المتحدة ملئ بحربين في العراق وأفغانستان لذا فهو لا يسع وجبة عسكرية ثالثة لدولة مسلمة.
ولعل الأجندة الخفية لكل هذا النشاط المحموم ضد السودان الذي إقتطع لأجله النجم الشهير كلوني زمنا غاليا من وقته، كشف عنه في مقال نشره مع بريتدرقاست في الواشنطون بوست يوم الأحد 17 أكتوبر الجاري تحت عنوان "يمكن أن نمنع دارفور أخري". قال إنه عاد من السودان بنبأ يقين وهو أن الرئيس البشير يفعل كل ما بإستطاعته لتعطيل الأستفتاء بغرض إلغائه أو تأجيله. وحث كلوني المجتمع الدول وقادة الحزبين الجمهوري والديمقراطي بالتحرك العاجل لأيقاف حرب دموية علي وشك الأندلاع في السودان. وأكد كلوني وبريندرقاست أنهما وقفا في زيارتهما لأبيي علي قبر جماعي دفن فيه مئات الضحايا من الدينكا في مواجهات مع الجيش السوداني العام الماضي.وبنبرة تهديدية قال كلوني: هل ينظر المجتمع الدولي لأبيي وهي تحترق؟ لن تحترق أبيي لوحدها في الحرب القادمة بل ستشعل معها حرب شاملة في كل السودان.وأرجع الصراع في أبيي الي الثروة البترولية، متهما الحكومة بتغيير الخارطة الديمغرافية للمنطقة.ودعا كلوني وبريندرقاست الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بأستخدام النفوذ الدبلوماسي ووسائل الضغط السياسي للتأثير علي قرارات الحكومة السودانية. وذلك لأن الحكومة السودانية ليست مثل الحكومتين الأيرانية والكورية..والأختلاف هو أن الرئيس البشير يريد الشرعية والقبول من المجتمع الدولي عكس طهران وبيونج يانج. ورغم أن أندرو ناسيوس المبعوث الشخصي للرئيس بوش فقد تأثيره علي دوائر واشنطون المؤثرة في صنع القرار تجاه السودان، منذ مواجهته الشهيرة في الكونقرس ، إلا أنه عاد الي واجهة الأحداث بعد من رحلة الي جنوب السودان في صحبة مايك أبراموتيز رئيس لجنة الضمير بمتحف المحرقة اليهودية بواشنطون.
بهذا المقال تكتمل فصول الحملة الأعلامية والسياسية الشرسة الي يجري التخطيط والأعداد لها منذ وقت طويل، وذلك بالضغط  والتلويح بالعصا الغليظة حتي تقدم الحكومة تنازلات في قضية الأستفتاء وأبيي. كما أن قانون سلام وإستقرار السودان الذي قدمه السيناتور كيري في مجلس الشيوخ، يفرض مزيد من القيود علي الشمال،ويقدم الدعم الاقتصادي والمساعدات العسكرية للجنوب، وبالطبع يضع السودان الشمالي تحت الوصاية الأمريكية الناعمة. ولا شك أن السودان مقبل علي مواجهة وصراع دبلوماسي مكشوف مع الولايات المتحدة إذا تم إنفاذ هذا القانون عبر الآليات التنفيذية للدولة الأمريكية. لأن الشعب السوداني لن يحتمل إنفصال طوعي للجنوب  وعقوبات جديدة ووصاية أمريكية ناعمة. في الحلقة القادمة تتناول مواد القانون الجديد، وفصول الوصاية علي السودان.
كشف البيت الأبيض أن الرئيس أوباما، رغم مشغولياته السياسية الكبيرة، وتحديات الأنتخابات النصفية، إلا أنه يتلقي تنويرا يوميا عن السودان، كما يعقد مجلس الأمن القومي ثلاث أجتماعات أسبوعية لمتابعة التطورات السياسية في السودان. وفي ذات السياق أفادت منظمة (كفاية) أنها نجحت في إرسالل 40 ألف رسالة بريدية الي الرئيس أوباما خلال ثلاثة أيام فقط الأسبوع الماضي ، ووجهت ناشطيها بالأتصال تلفونيا بالبيت الأبيض بعد أن وفرت أتصالا مجانيا ونقاطا للحديث مع المسئولين وذلك من أجل حمل ضغط البيت الأبيض للتدخل والضغط لمنع تأجيل الإستفتاء.
إن التعاطي اليومي للرئيس أوباما مع ملف السودان كما أكد البيت الأبيض،  يعد رغم سلبيته الظاهرة ميزة سياسية إضافية  إذ يسهم في تقليل مساحة المناورة للتيار المتشدد داخل الإدارة، خاصة سيمانثا بور، قيل أسميث وسوزان رايس. وقد سبق وأن إعترف قريشن أن ملف السودان يخضع للمعالجة الصحيحة، كلما إنتقل الي مستوي أرفع داخل الإدارة وأصبح قريبا من أوباما. وفي هذا الصدد فقد أجري الرئيس أوباما قبل يومين إتصالا هاتفيا مع الرئيس أمبيكي رئيس اللجنة الأفريقية رفيعة المستوي لمناقشة تطورات الأوضاع في السودان ، خاصة أبيي و زخم التوقعات المتنامية لتأجيل الإستفتاء. في ذات المقام، ما أن أقلعت طائرة السيناتور جون كيري من الخرطوم حتي حطت بعدها بثلاثة أيام طائرة المبعوث الخاص قريشن. السيناتور كيري أصدر تصريحا لوكالة رويترز قبل مغادرته الخرطوم بساعات قال فيه أنه تسلم ورقة من المؤتمر الوطني تحوي تفصيلا جامعا لمستقبل العلاقات بين الشمال والجنوب، وأمتدح نهج الورقة في تعاطيها الأيجابي مع مستقبل العلاقات رافضا الكشف عن تفاصيل فحواها. والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لا يطرح المؤتمر الوطني هذه الورقة علي النخب الجنوبية والرأي العام  حتي تسهم في بث الثقة وخلق زخم إيجابي حول القضايا العالقة، بدلا من تسليمها للسيناتور كيري الذي أنفرد لوحده بالكشف عنها والتبشير بمحتوياتها.
في يوم 22 أكتوبر الماضي عقد كل من الجنرال قريشن والسفير كارسون مساعد وزير الخارجية للشئون الأفريقية والبروفيسور سيمانثا بور المساعد الخاص للرئيس أوباما في شئون المنظمات الدولية – عقدوا- مؤتمرا صحفيا هاما في مبني الصحافة الأجنبية بواشنطون خصصوه للحديث عن تطورات الأوضاع في السودان. كشف المتحدثون الثلاثة عن عمق التعاطي الأمريكي مع القضية السودانية، فقد ذكر السفير كارسون مساعد وزيرة الخارجية للشئون الأفريقية أن واشنطون قد ضاعفت من وجودها الدبلوماسي في جوبا ثلاث مرات، كما توسيع مهام  وكالة المعونة الأمريكية ودعمها بالكادر البشري برئاسة السفير وكلي، ولا يتقيد الدبلوماسيون الأمريكيون في جوبا بمهام التمثيل الدبلوماسي التقليدي ، بل يعملون في مجالات بناء القدرات، منع النزاعات ، التدريب ، الحكم الرشيد، وغيرها من المجالات الأخري سيما وأن الحكومة الأمريكية قد أنفقت في الجنوب أكثر من 6 مليار دولار حسب ما رصدته النيوزويك. في ذات السياق كشفت سيمانثا بور عن التعاطي العميق لواشنطون مع قادة الأقليم لتنسيق الجهود بشأن السودان، والذي أسفر عن نفسه في الأجتماع رفيع المستوي الذي عقد في نيويورك يوم 24 سبتمبر الماضي حيث ذكرت سيمانثا أنه نجح في جمع كلمة المجتمع الدولي علي صعيد واحد في قضية الأستفتاء. وقالت سيمانثا بور أن الرئيس أوباما قد أصدر توجيهات لفريق إدارته كل في أختصاصه بأن يعملوا لأقناع الدول والمنظمات والوكالات بضرورة أنفاذ خطة واشنطون في السودان فيما يتعلق بأنفاذ الأتفاقية وأجراء الأستفتاء. وفي هذا الصدد فقد ظل دينس ماكدو نائب مستشار الأمن القومي يترأس بالبيت الأبيض أجتماعات يومية عن السودان ،كما يصدر التوجيهات والأوامر اليومية لجميع الوزراء والسفراء في الأدارة للأتصال بنظرائهم في العالم للحديث في شأن السودان، هذا فضلا عن الأتصالات التي يجريها نائب الرئيس بايدن الذي أبتدر سياسة واشنطون في هذا الصدد عند زيارته الشهيرة الي القاهرة ونيروبي قبل شهور خلت حيث التقي كل من سلفاكير والرئيس مبارك. كما تعمل واشنطون عن طريق منظمة الهجرة الدولية للمساعدة في دعم وترتيب تصويت السودانيين المقيمين في الخارج في الإستفتاء.
هذا الحراك الدبلوماسي المحموم والمكثف يكشف عن إرادة حقيقية  للإحاطة بالعملية السياسية في السودان. وقد توخت  الإدارة الأمريكية نهج الوصاية الناعمة والتعاطي الدبلوماسية للوصول الي الأهداف والغايات النهائية، لا سبيل المخاشنة والصراع الذي يفتت الحجر ويبدد الرحي .   
ذكرنا في المقال السابق أن القانون الأمريكي المقترح الذي يناقشه الكونغرس هذه الأيام يقول للسودان جملة واحدة "سنبتر رجلك فلا تصرخ ولا تتألم، وإلا فلدينا تدابير كافية لإسكات صوتك" . و قلنا إذا  تم إجازة هذا القانون دون تعديلات جوهرية تخفف من غلوائه،  فإنه بلا شك سيضع السودان والولايات المتحدة في مواجهة دبلوماسية،خاصة إذا تمسكت إدارة الرئيس أوباما بأنفاذه حرفيا.
مثل وجود كيري في السودان فرصة ذهبية لإستنطاقه حول القانون الذي دفع به الي منضدة مجلس الشيوخ، و لعل حيثيات الأجتماعات التي تمت مع كبار المسئولين في الدولة تشي بأن موضوع القانون قد تمت مناقشته من عدة زوايا. و قد كشف لكاتب هذا المقال خبير أمريكي في الشأن الثنائي بين واشنطون والخرطوم أنه من حسن الصدف والأقدار السياسية أن يتبني السيناتور كيري مسودة هذا القانون، لأن اللحظة السياسية والتاريخية الراهنة تقتضي صدور مثل هذا القانون  من الكونقرس مثلما حدث مع قانون سلام السودان ، وقانون سلام ومحاسبة دارفور وغيرهما. ولعل سبق السيناتور كيري لأصداره يمثل نقطة إيجابية لأنه في المقابل كان سيتبني تقديمه بعض غلاة المعادين للسودان مثل دونالد بين وغيره مما يجعل القانون أكثر تشددا وغلوا. ولكن رغم وجاهة هذا الرأي لكن مسودة هذا القانون تضمنت فقرات غاية في التشدد والغلو، مما ينسف توفر أي نوايا حسنة من جانب السيناتور كيري الذي إستطاع أن يظفر ببعض التعاطف من قيادات سودانية نافذة حيث أكد صلاح قوش مستشار رئيس الجمهورية للشئون الأمنية أن كيري التزم هذه المرة بأنفاذ تعهداته والدفع بالعلاقات الي آفاق أرحب وقد أخذنا كلمته. للمسئولين في الولايات المتحدة أقوال راجحة في الأنحياز للجنوب دون الشمال، وقد ذكروا مرارا وتكرارا أن أمريكا ليست محايدة في موضوع السودان  بل منحازة للجنوب ولكن ستكون عادلة ما أستطاعت الي ذلك سبيلا.  لهذا السبب لا غيره فأن كل المبادرات الأمريكية التي قبلتها الحكومة أودت بها الي تعقيدات ما زالت تجتر مراراتها، مثل التخلي عن حدود 65 كحد فاصل بين الشمال والجنوب مثلما أقر برتكول مشاكوس مما أدي الي ضم المناطق الثلاث ، والأكثر مرارة هو القبول بتعين السفير دونالد بترسون رئيسا للجنة أبيي وهو سفير أمريكي سابق في الخرطوم أصدر كتابا مشهورا في هجاء السودان. ذكر القانون أنه في حالة  استقلال جنوب السودان واعتراف الولايات المتحدة  يجب على المؤسسات المعنية مراجعة الاجراءات المتعلقة بمقاطعة السودان، وكذلك الاعداد للمتطلبات الدبلوماسية.     
كما أكد القانون أن مستقبل العلاقات مع السودان مرتبط إرتباطا عضويا بتحقيق السلام في دارفور، ومعالجة قضية أبيي ، ووضع القانون شرطا متعسفا وهو أن أي فعل أو إجراء من الحكومة يشتم منه رائحة التعويق أو وضع العراقيل سواءا صدر من الحكومة أو الأفراد  فأنه سيقابل باجراءات وعقوبات متشددة ، لتضيف طبقة جديدة أكثر تشددا علي منظومة العقوبات الراهنة التي تتحمل العبء الأكبر في منع قطف ثمار السلام التي تعلقت بها أهواء الوحدة الجاذبة، فقبضنا هواء الفجر الكاذب.