الجملة الناقصة في حوار التاريخ مع النخبة المصرية (2-3)

في ترك الشجرة والتركيز علي الثمرة التي قتلت الأمام الهادي

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

أثبت الأستاذ محمد حسنين هيكل أن له قدرة أستثنائية علي إثارة النخب السودانية،وأستخراج سخائمها التاريخية. وللسودانيين ترمومتر عالي الحساسية تجاه ما يقوله الرجل. فما شهدت حراكا صحافيا أشتركت فيه نخب اليسار واليمين ترد علي رجل، مثلما فعلت مع رواية هيكل عن ضرب الجزيرة أبا..ويكاد يتفق الكتاب في لحظة تاريخية نادرة –لأنهم قلما يفعلون- علي تجهيل هيكل، وأتهامه بالخرف المبكر..و لعل دافع هذا التدفق الصحفي للرد علي هيكل،يعود الي نزعة تحدي سلطته المعرفية، لذا تم التركيز علي أضعف نقاط روايته وهي، قصة (المنقة) التي مات بها الأمام مسموما حسب أدعائه الزائف، وغض الطرف عن أقوي نقاط روايته وهي عدم تورط الجيش المصري في ضرب الجزيرة أبا.. وبدلا من إستثارة الحوار الموضوعي حول القضية الكلية التي أثارها في حديثه ، وهي طريقة صنع القرار، ومبادئ مشاركة الجيش المصري في الخارج،وما يسمي بقواعد الألتحام rules of engagement  وكيف كان يري عبدالناصر علاقته مع الشعب السوداني والنظام المايوي الحاكم آنذاك، بدلا عن ذلك أنزلقت الأغلبية في التركيز علي (المنقة) التي أدعي أن الأمام الهادي مات مسموما بها في كسلا، وتركت الشجرة..ورغم (دقسة) هيكل كما أشار البعض، أو عدم دقة روايته في الكيفية التي مات بها الأمام الهادي، إلا أن ضعف هذه النقطة لا ينسف،بقية إدعاءاته ومزاعمه الأخري، خاصة شهادته القاطعة أن سلاح الجو المصري لم يتورط في ضرب الجزيرة أبا...وقد حاول الأستاذ عادل الباز رئيس تحرير صحيفة الأحداث أن يجري مقارنات موفقة بين تدخل مصر في اليمن، والطريقة التي كان يفكر بها عبدالناصر للتدخل في السودان. رغم القناعة السائدة وسط السياسيين والنخب حول بطلان مزاعم هيكل، إلا أنه لم يتفضل أحد بأبراز الوثائق والشهادات التاريخية التي تقطع بتورط سلاح الجو المصري في ضرب الجزيرة، سوي مرويات شفاهية..ويمكن للأحياء من قادة نظام مايو الأدلاء بشهادتهم التاريخية في هذا الصدد خاصة أبوالقاسم محمد أبراهيم، وخالد حسن عباس، ومأمون عوض أبو زيد.

إن القراءة الدقيقة لحيثيات السرد التي قدمها هيكل تكشف عن الذهن السياسي المصري في تعامله مع السودان.فعندما كتب عبدالناصر ( الخرطوم أهم من الجزيرة أبا)، كان يعني أن مركز السلطة السياسية، أهم من العلاقة مع الشعب السوداني، وهو إقرار واضح بمبدأ الأنحياز للسلطة الحاكمة في الخرطوم، مهما يكن خلافها وأختلافها مع بقية أفراد الشعب السوداني. وهذه النقطة تمثل أحدي مرتكزات السياسة المصرية تجاه السودان، ورغم مفارقة صانع القرار المصري لهذا المبدأ في لحظات أستثنائية في تاريخ البلدين، إلا أن الأصل هو التعامل مع مركز السلطة السياسية في الخرطوم، وأهمال الجانب الشعبي.

وللحق فأن هيكل، ظل يغلظ القول علي بدايات ثورة الفاتح في ليبيا، ويسرد القصص والمذكرات حول أولي مشاركات القذافي في قمة الرباط، حيث طغي بروحه الثورية علي برتكول الرؤساء والملوك العرب..بل وطارد بالمسدس في ردهات القصر، أحد الضباط  المغاربة..وفصل هيكل في كتابه الشهير عن ليبيا ، كيف أنه ألتقي بالقذافي بأعتباره أول موفد من الرئيس عبدالناصر الي القذافي بعد أيام قليلة من قيام ثورة الفاتح من سبتمبر 1970. وعند عودته قال للرئيس عبدالناصر إن ثورة ليبيا ستكون عبئا علي قيادة الثورة العربية، وعلي مصر لحماسة قائدها والتطلع غير الواقعي لصانعيها، وعدم إلمامهم بالأخطار المحيطة بهم..كما سرد وقائع الخلاف الأول بين القذافي و السادات عندما منعه الأخير من دخول غرفة العمليات الحربية في القاهرة خوفا من أطلاعه علي خطة معركة العبور، وعندما ثار القذافي وأعترض، أنهي السادات الأجتماع بين وزراء مالية البلدين، الذي خصص لبحث كيفية تمويل ليبيا شراء طائرات ميراج الفرنسية لدعم المجهود الحربي العربي لخلق توازن مع سلاح الجو الأسرائيلي الذي يعتمد علي الطائرات الأمريكية.وقد أحس القذافي حينها بالأهانة، لأنه جاء الي مصر ليقدم الدعم السياسي والمادي والمعنوي، ولتمويل شراء سرب طائرات ميراج الفرنسية لدعم الجيش المصري، ولكن يمنعه السادات من الأطلاع علي خطة الحرب، مما يعني أنه لا يثق في حفظه للأسرار..وعندما راجع هيكل الرئيس السادات حول الأمر، قال له أنه لن يطلع القذافي علي خطة الحرب مهما تكن العواقب خوفا من أن يذيعها علي الملأ...وكان القذافي قد دخل مع السادات في مواجهات كثيرة منها أدعاءه أنه خليفة عبدالناصر في قيادة الثورة العربي، حيث قال عبدالناصر مرة أن القذافي يذكره بشبابه..فأعتمد القذافي تلك المقولة ليدعي خلافة عبدالناصر..فتصدي له السادات ووصل الخلاف الي ضرب الطيران المصري الأراضي الليبية..وقد نصح الرئيس حسني مبارك لاحقا الرئيس الليبي معمر القذافي بعدم التعرض لسيرة السادات بسوء والكف عن أنتقاده لأن الشعب المصري يعتبره بطل العبور والسلام..

يتضح في سياق هذه الفترة التاريخية أيضا، وجود غيرة مبطنة بين الرئيس الراحل نميري والزعيم القذافي.إذ أحتج نميري لدي عبدالناصر عندما زار بنغازي قبل الخرطوم، رغم سبق ثورة مايو علي ثورة الفاتح..هذا فضلا عن طموح القذافي الزائد حينها لخلافة عبدالناصر في قيادة الثورة العربية، في الوقت الذي أختار فيها نميري أن يكون تابعا لمصر.إذن طبيعة وأسلوب القيادة بين الرئيسين نميري والقذافي كان أيضا مصدر خلاف،بين طامح لخلافة عبدالناصر، وحليف تابع لمصر..كما أختار نميري بطبيعة الحال الأنحياز للسادات عند توتر العلاقات بين مصر و ليبيا،مما أوغر صدر القذافي، و أدي الي تبنيه العمل المعارض للرئيس نميري ممثلة في الجبهة الوطنية، ضرب الأذاعة السودانية، وكذلك دعم حركة التمرد بقيادة قرنق في 1983، وقد سبق وإن إعترفت القيادة الليبية أن أول من قدم قرنق للقذافي كان الأمام الصادق المهدي طالبا منه دعم الحركة الشعبية التي وصفها بالوحدوية.. .جاءت هذه الخلافات علي خلفية الصدام المبكر أيضا عندما رفض نميري مشروع الوحدة الأندماجية مع ليبيا، تحت دعاوي تحقيق الوحدة الوطنية أولا قبل الوحدة العربية، وهذا ما دفع القذافي لمهاجمة الشيوعيين داخل نظام نميري لأعتراضهم علي مشروع الوحدة، كما نادي مبكرا بفصل الجنوب حتي لا يعطل مشروع الوحدة العربية.

 رغم قساوة النقد الذي وجهه هيكل لتاريخ الثورة الليبية، إلا أن النخب الليبية، لم تسعي لتجهيل هيكل أو التعامل مع روايته بحساسية عالية كأنها تجرح كبرياء الشعب الليبي. فلماذا نحن أكثر حساسية تجاه روايات هيكل، رغم أنه يتحدث عن تشابك العلاقات العربية، مع السعودية، اليمن، ليبيا،سوريا، لبنان، الجزائر وبقية الدول العربية الأخري، إلا أن أحدا لم يتصد لهيكل بحساسية زائدة سوي النخبة السودانية؟.في كتابه (حرب الخليج أوهام القوة والنصر) كتب هيكل أن أحد شيوخ الأمارات (أظنه الشيخ خرباش) في بداية السبعينات ومع أنفجار الثروة النفطية كان يكدس الأموال تحت وسادته، ويمانع في وضع أمواله في البنوك لأنه لا يثق فيها..وقد سبق وأن أمر بفتح البنك بالليل لأستعادة أمواله. ولكن رغم ذلك لم  يشعر أحد من أهل الأمارات أن ذلك طعنا في الكبرياء الوطني لبلاده... قد يقول قائل إن الوشائج التاريخية والأجتماعية بيننا وبين المصريين، أقوي، وأوثق وهي مشحونة بالحساسيات التاريخية التي أفرزتها التجربة الأستعمارية خلال فترتي التركية، والحكم الثنائي. ولكن الأهم هو أن نفتح عقولنا وصدورنا لنقد التاريخ دون مقدسات، وألا نتعامل بحساسية زائدة مع ما يقوله غيرنا،علينا ألا يبطرنا المدح، وألا يهزنا النقد..

حاشية:

راجعني بعض القراء الأعزاء في صياغة مبهمة في المقال السابق لأخطاء فنية في الطباعة، وهنا أعيد التأكيد علي أن هيكل سبق وأن إتهم رئيس وزراء خارجية السودان الأسبق محمد أحمد المحجوب،بأنه زير نساء وذلك في حاشية كتابه (بين الصحافة والسياسة) الذي ساق فيه أتهامات جهيرة تؤكد عمالة مصطفي أمين للأمريكان..وجاء هذا الأتهام في سياق توسط المحجوب لدي عبدالناصر لأطلاق سراح العقاد.وذكرت أن شخصية سودانية هامة رحلت عن دنيانا الفانية كانت تربطها بالمحجوب علاقة الكفاح السياسي والصداقة والتلمذة، نفت نفيا قاطعا هذه الأتهامات،وكذبتها، وعليه فأننا نستطيع أن نتهم هيكل بعدم الدقة في نقل الوقائع عن السودان، والسبب يعود كما سنكشف في الحلقة القادمة، الي أن هيكل من المؤمنين أن مرتكزات الأمن القومي المصري تقوم علي التوجه شرقا (القضية الفلسطينية)،لأن ذلك منبع شرعية قيادة مصر للأمة العربية..وأهمال البوابة الجنوبية (السودان) إلا وفق ما تقتضيه الضرورة القصوي..