هل أوقف هيكل سلاح الجو المصري من ضرب الجزيرة أبا؟

 

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

خصص الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل جزءا من برنامجه الشهير في قناة الجزيرة (مع هيكل) للحديث عن الدور المصري في ضرب الجزيرة أبا، حيث أدلي بأفادات هامة، وكشف عن حقائق جديدة، تكاد تدحض القناعات السائدة وسط النخب السودانية وطلائع وزعماء تيار الأنصار وحزب الأمة.  ولكن قبل أستعراض تلك الأفادات لا بد من وضع هذه الحيثيات في سياقها التاريخي، وأطارها المعرفي لأستكناه آفاق الجدل والحوار المأزوم بين النخب في البلدين..

فجرت رواية "منسي" أو السيرة الذاتية لأنسان نادر علي طريقته التي ختم بها الطيب صالح مشروعه الأبداعي، فجرت قضية وجودية بالغة الحيوية، إذ إعتبرها الدكتور عبدالرحمن الخانجي بعد أن سلط عليها ميسمه النقدي المبدع، تحتشد بظلال سيرة ذاتية موازية أخفي فيها الطيب صالح نفسه،من خلال أسقاطاته علي الأشخاص والأحداث، فجسد أبعاد الشخصيتين المتلازمتين في الأدب العالمي كما العلاقة بين بطل المقامة، وراويته.وأستشهد ضمن دلالات أخري بأن ذاتية الطيب صالح تكون حاضرة بقوة في صفحات الكتاب، بينما تغيب مرات كثيرة شخصية "منسي". إن الصورة الكاريكاتورية المفعمة بالأنسانية التي رسمها الطيب صالح عن منسي،تكاد تلامس تصورات الذهن الشعبي السوداني للشخصية المصرية.فقد كان شعار المنسي دائما  ً: "إن الحياة نكتة كبيرة وضحكة متصلة (وفَهْلَوة) لا تنقطع وضرب من شغل (الحَلَبِسّة)". ولعل أحتشاد شخصية المنسي ، بكل هذه المتناقضات الوجودية،والتي أعطت حياته بعدا دراميا آخاذا،تكاد تكون أكثر الصور تعبيرا عن الشخصية المصرية في طورها المعاصر في الذهن الشعبي السوداني. فهو  " مصري قبطي، وُلِد في بلدة "ملوي"، وهي قرية منسية من قرى صعيد مصر، قد لا تعني شيئاً في خريطة العالم. حمل أسماءً متعددة فهو: أحمد المنسي يوسف، ومنسي يوسف بسطورس، وهو مايكل جوزيف؛ امتهن أعمالاً متعددة: حمالاً، وممرضاً، ومدرساً، وممثلاً، ومترجماً، وكاتباً، وأستاذاً جامعياً، ورجل أعمال وصاحب ملايين، ولكن أخطر مهنة احترفها هي مُهَرِّج.وُلد على ملة، ومات على أخرى. عُمِّد مسيحياً عند ميلاده، ثُمَّ اعتنق الإسلام، وارتد مسيحياً، ثم عاد داعية إسلامياً، ترك ذرية أبناء مسيحيين وأبناء مسلمين، وأرملتين مسيحيةً وأخرى مسلمة.كما أختلف الناس في دفنه أيدفن في مقابر المسلمين أم المسيحيين".

إحتفت الصحافة السودانية مؤخرا بمقالين وتصريح صحفي من ثلاثة من الكتاب المصريين من ذوي التواصل والدراية بشئون السودان..حيث نشرت الصحفية أسماء الحسيني مقالا حرره رئيس وزراء السودان الأسبق محمد أحمد المحجوب بسط فيه رؤيته للسودان الجديد،أو ما يجب أن يكون عليه مستقبل السودان.والمقال أشارة ذكية الي أن مشروع السودان الجديد، ليس علامة تجارية تحتكره الحركة الشعبية، ، بل نادت به أصوات مؤثرة من مثقفي ومفكري السودان منذ عقد الستينات، وإن أختلفت الرؤي علي التوجهات والمضامين.كما حملت مداخلة الدكتور هاني رسلان خبير الشئون السودانية بمركز الأهرام والحزب الوطني الحاكم في ندوة بجامعة القاهرة عن مياه النيل رأيا متحاملا علي الطليعة المثقفة في السودان ،حيث أكد أن النخبة السودانية أكثر عداءا لمصر من دول الجوار الأفريقي الأخري، وقد حاول لاحقا الأستدراك علي هذه التصريحات بعد أن خصص لها الدكتور عبداللطيف البوني مقالا ناقدا.وفي هذا السياق نشر الأستاذ فهمي هويدي مقالا تحت عنوان (مصر في السودان:غيبة أم غيبوبة) قال فيه"إذا أردت أن تشير الي نموذج للأخفاق في السياسة الخارجية المصرية وأهدار مقومات أمن مصر القومي فما عليك إلا أن تقلب صفحات ملف العلاقات مع السودان". وبعد أن أكد علي ضرورة توثيق الروابط بين البلدين قال لماذا العلاقة بين مصر والسودان طريق الي أتجاه واحد: أن يأتي الوزير السوداني الي مصر، والنقابي السوداني يأتي الي القاهرة وليس العكس؟وتساءل لماذا يحس السوداني أن التعامل معه يتم بمنطق التعالي المصري؟ وفي المقابل لماذا يحس المصري أن السوداني أكثر حساسية وتبرما عند التعامل مع كل ما هو مصري؟.سبق وأن أستعرضنا في مقالات سابقة ما أسماه الدكتور حيدرأبراهيم (بأزمة الهيكلين) وهما أشارة الي كتاب هيكل "عشرة أيام في السودان" الذي فتح عليه باب النقد من النخبة السودانية، وكذلك مقال محمد حسنين هيكل الشهير في الأهرام عقب ثورة أكتوبر (ثم ماذا بعد في السودان) حيث أنكر أن يسمي ما جري في السودان ثورة، فأنفتحت عليه كل أبواب جهنم من تلقاء النرجسية الأكتوبرية.

ولعل عقدة الأستعلاء المصري ليست زعما سودانيا خالصا، بل كتب عنه كثير من المثقفين العرب، وتعليقا علي ذلك نشر الصحفي المصري أبراهيم عيسي مقالا شفافا عن روح الأمتنان والأستاذية والأستعلاء المصري،فقال ينقم المصريون علي دول الخليج وبقية العرب أنهم رسل التعليم والحضارة الي بلاد الخليج والعرب الأخري، وعليه لا بد أن تدين تلك الدول بالولاء والأمتنان لمصر وفاءا لدورها التنويري والتاريخي..وفي أعتراف نادر وجميل يقول أبراهيم عيسي أن سبب هجرة العقول والمعلمين المصريين لم يكن بهدف أنجاز مهمة خيرية وحضارية، ولكن سوق العمل الجاذبة في الخليج هي التي فتحت للمصريين أبواب الأغتراب لدوافع أقتصادية بحتة، لم يكن نشر التعليم جزءا منها..ودلل علي ذلك بقوله أنه لا يوجد في قري ونجوع ومدن مصر بيت إلا وفيه ثلاجة أو تلفزيون أو مقتنيات منزلية أخري من الخليج بفضل هجرة العمالة المصرية الي تلك الدول.أي أن التطور الأقتصادي في مصر مدين في جزء منه الي هجرة العمالة المصرية وتدفق الأستثمارت الخليجية الي مصر.فلا يوجد وجه للأمتنان بل هي منافع متبادلة.

يحكي الصحفي والكاتب الكبير الراحل عبدالرحمن مختار في كتابه (خريف الفرح)،بأنه تم أختياره ضمن مجموعة من رؤوساء تحرير الصحف العربية لزيارة الولايات المتحدة، والوقوف علي تجربتها الديمقراطية، وعندما وصل الوفد الي واشنطون، تم أختيار الأستاذ عبدالرحمن مختار ليكون رئيسا لوفد رؤساء التحرير العرب لأجادته اللغة الأنجليزية،فأحتج هيكل علي هذا الأختيار زاعما أنه رئيس أكبر وأعرق صحيفة عربية هي الأهرام، وبالتالي لن يرضي أن يترأس الوفد رئيس تحرير صحيفة مغمورة في السودان، فكان أن تنحي الأستاذ عبدالرحمن مختار طوعا وأختيارا عن رئاسة المجموعة، حتي لا يحدث شرخ وسط رؤوساء التحرير العرب. وذات الصحفي هيكل كتب عن رئيس وزراء السودان الأسبق محمد أحمد المحجوب علي هامش كتابه (بين الصحافة والسياسة) بأنه توسط لدي عبدالناصرلأطلاق سراح العقاد،وأتهمه بأنه زير نساء، رغم صداقته العريقة معه.وتلك تهمة أبعد ما تكون عن المحجوب الذي عرف بالثقافة والعفة والفصاحة البيان.وقد نفي لي أستاذ جليل رحل عن هذه الفانية وكان صديقا مقربا من المحجوب مزاعم هيكل عندما عرضتها عليه، مؤكدا أن المحجوب برئ من تهمة هيكل بل كان مشهورا بالعفة والكرم أضافة الي صفات النجابة و القيادة، والفصاحة والبيان، كما هو معلوم.

قال هيكل إن نميري وعبدالناصر ومعمر القذافي عادوا في طائرة واحدة بعد أنقضاء القمة العربية في الرباط في ديسمبر 1969، وحكي عن ملابسات ومفارقات المشاركة الأولي للزعيم معمر القذافي في المؤتمر حين صاح بأعلي صوته ورئيس البلاط الملكي المغربي يقبل يد الملك الحسن قائلا " لا يوجد عبيد ولا أسياد بيننا".كما أحتج علي خطاب الدعوة عندما كتب عليه فخامة الرئيس القذافي .فقال أكتبوا فقط عقيد دون فخامات أو ألقاب..وقد التمس نميري من عبدالناصر زيارة السودان حابسا غيرته من زيارة ناصر الي بنغازي أولا رغم سبق ثورة مايو في السودان علي ثورة الفاتح في ليبيا. وأعرب نميري عن قلقه من الأهتمام بالثورة الليبية أكثر من السودانية..وقد أشار هيكل الي هذه النقطة مجددا عندما نقل وقائع الأجتماع الأول بين جمال عبدالناصر والقيادة السوفيتية في زيارته الأولي لموسكو، حيث أبدي الروس أهتماما بثورة الفاتح لموارد البترول بينما لم يكترثوا للتغيير الذي حدث في السودان رغم أنه محسوب عليهم في بادئ الأمر.

أستجابة لطلب الرئيس الأسبق نميري زار عبدالناصر الخرطوم في رأس السنة الفاصلة بين سنوات القلق والغليان 1969-1970.وفي الخرطوم ذهب الي منزل الرئيس نميري وتعرف علي أسرته، كما خاطب عددا من الحشود الجماهيرية، وأستغل نميري تلك الزيارة ليعلن قرارات التأميم المشهورة. في الخرطوم أنبثقت التوجهات الأستراتيجية الجديدة لعبدالناصر في الصراع العربي الأسرائيلي، حيث قال عبد الناصر لهيكل أنه بعد أن أتضحت المواقف العربية في قمة الرباط، وحدوث ثورة السودان وليبيا، لا بد من نقل الصراع من الأطار المحلي الي النطاق الأقليمي والدولي،لابد من تأثير الصراع العربي الأسرائيلي علي موازيين الحرب الباردة بين القطبين، وفي ذلك الوقت قرر عبدالناصر زيارة موسكو لرفع وتيرة الصراع الي المستوي الدولي ليكون جزءا من أجندة الحرب الباردة. يقول هيكل "كان الناس يحتفلون برأس السنة في الخرطوم، وأنا أتمشي علي شاطئ النيل، متجها نحو حدائق المقرن حيث يلتقي النيلان الأبيض والأزرق،وكنت مهموما أفكر فيما قاله لي عبدالناصر من ضرورة رفع الصراع الي المستوي الدولي". وكانت السنة التي شهد ميلادها هيكل بالخرطوم حبلي بالجديد والمثير في خارطة الصراع العربي الأسرائيلي وأعادة تشكيل الخارطة العربية.

حسب رواية هيكل أتصل الرئيس الراحل نميري بالرئيس عبدالناصر في مطلع عام 1970 شاكيا من أزدياد المعارضة المسلحة للثورة من قبل الأنصار بالجزيرة أبا،وعدها منفذا لعودة الرجعية مما يستدعي التعامل معها بحسم. وطلب نميري الأستعانة بسلاح الجو المصري.وعرض هيكل نص المحادثة التي جرت بين نميري وعبدالناصر حسب رصد هيئة الأرشاد المصرية، حيث وصف هيكل المحادثة بالوضوح التام..وسرعان ما أحال عبدالناصرالطلب السوداني الي الفريق فوزي وزير الحربية طالبا إعداد العدة والتجهيزات ، للقضاء علي الأنصار في الجزيرة أبا..وتم تحديد أسراب الطائرات التي كانت تضم الأنتنوف ، وقادة السرب منهم العميد مصطفي أمين، والعميد محمد حسني مبارك رئيس الجمهورية المصرية لاحقا. وكان أن تم نشر فرق أستطلاع سياسية وعسكرية في المنطقة لتوجيه وتصويب الضربات.

وقال هيكل عندما أطلعني جمال عبدالناصر علي خطة ضرب الجزيرة أبا بواسطة سلاح الطيران المصري ، طرحت له رأيا مغايرا، مشيرا الي أنه لا يجوز أن يتدخل سلاح الجو المصري لأراقة دماء الشعب السوداني مهما تكن الخلافات السياسية. وأن تدخل مصر العسكري في معركة الخلاف السياسي مع الأنصار سيسمم مستقبل العلاقات بين البلدين الي الأبد،كما أشار حسب زعمه الي أهمية منطقة حوض النيل، وضرورة الأبتعاد عن أي تدخلات عسكرية للحفاظ علي حقوق مصر التاريخية في مياه النيل. وأقترح بديلا للضربة العسكرية حل المشكلة سياسيا. وقال هيكل عارضا وثيقة أخري بخط عبدالناصر موجهة للفريق فوزي وزير الحربية، أن رأي هيكل يبدو معقولا لأنه لا توجد أهمية سياسية للجزيرة أبا بل يجب الأهتمام بالخرطوم فقط.أي يمكننا التدخل إذا تم تهديد الخرطوم وليس التدخل لقمع تمرد في ربع نائي بالسودان. وطلب عبدالناصر من الفريق فوزي أبلاغ أنور السادات بوقف الضربة الجوية للجزيرة أبا قبل سويعات من بدء العملية..وهنا يقرظ هيكل من القدرة القيادية للرئيس الراحل جمال عبدالناصر، حيث يري أن عبدالناصر قد أستمع لصوت التاريخ أيا كان مصدره، وأستجاب لرأي هيكل لوقف ضرب الجزيرة أبا، وهذه خصلة نادرة في القادة ومتخذي القرار، في أن يستجيبوا للنصح والمراجعة، بل وأن يحنس وعدا بذله للرئيس نميري بالأمداد العسكري.وبالتالي ينسب هيكل لنفسه فضل أنسحاب الجيش المصري عن ضرب الجزيرة أبا ، مدعما ذلك بالوثائق والمخطوطات..ولكن رغم هذه الرواية إلا أن هناك شبه أجماع وسط السودانيين أن سلاح الجو المصري تدخل بالفعل في قصف الجزيرة أبا، رغم أن هيكل يزعم أن قصف الجزيرة تم بمدافع الهاون ، وربما بعض طائرات سلاح الجو السوداني، ولكنه ينفي نفيا قاطعا تدخل الجيش المصري في هذه الحادثة. ونتيجة لموقف عبدالناصر غضب الرئيس نميري وقرر أقتحام الجزيرة أبا بالجيش السوداني..

ويفاجأ هيكل كذلك النخب السودانية زاعما أن الأمام الهادي مات مسموما بفاكهة قدمت له في كسلا في طريقه للهرب واللجوء نحو أثيوبيا..ويؤكد ذلك بتحديد نوع الفاكهة (مانجو)..وقال إن هذا النوع الغامض من الأغتيالات مشهور في أفريقيا، بدليل أنه لم يتم التوصل الي القاتل الحقيقي حتي اليوم..في المقابل تكشف ملابسات التاريخ المثبتة، والتحقيقات التي أجريت فيما بعد أن الأمام الهادي أغتاله أحد أفراد البوليس في الحدود المشتركة مع أثيوبيا. وأستعرض هيكل ضمن وثائقه خطاب بعثه الرئيس نميري الي عبدالناصر في 8 أبريل 1970 أبتدأ الخطاب بالصيغة التالية (أيها الأخ الرئيس جمال)..وقال هيكل أنه أدرك علي الفور أن محرر الخطاب شيوعيا لأن صيغة النداء التي تبدأ (بأيها) من متلازمات الخطاب العقائدي لدي الشيوعيين. وحمل الخطاب الذي أرسله نميري الي عبدالناصر ربطا أيدلوجيا بين التطورات السياسية في الداخل، وبين ما يحدث علي الساحتين الأقليمية والدولية، حيث أشار الي أن الأستعمار ظل يكثف مؤامراته منذ يونيو 1967، ولكن أنفجار الثورتين مايو وسبتمبر في السودان وليبيا خلقتا روافدا جديدة للثورة العربية الأشتراكية..وهنا قال هيكل: إن خطاب نميري أدرك مسار التاريخ...