عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

"حتي متي يقدسون هذا الصنم"؟ كان الفتي يلفظ تلك العبارة الصادمة،وهو يخرج من قاعة الأحتفال غير آبه لعلامات الأستفهام التي أرتسمت علي وجوهنا..وعندما حاولنا أن نتجاذب معه أطراف الحديث لنسبر غور أحتجاجه. بدأت تتكشف لنا ملامح شخصية متمردة، سيما وهو يكثر من أستخدام كلمة (طفابيع) و يصدر أحكامه القطعية في مقام الذم.. ورغم جحود الوصف ونحن نتداعي للأحتفاء بذكري الأديب الطيب صالح التي نظمها مركز عبدالكريم ميرغني بالتعاون مع جامعة التكنوجيا الطبية المشهورة بمأمون حميدة بقاعة الصداقة الشهر قبل الماضي، إلا أن الأحتجاج رغم غلظته، كان يعبر عن غلالة شفيفة من القلق الوجودي، كما أنه مغفور من شاب حدث يعاني من آلام التسنين الأدبي..في رحلة البحث عن هويته وشخصيته الأبداعية المستقلة....لعل سخرية المقارنة تتكشف عزيزي القارئ إذا علمت أن الفتي الذي يحتج علي تكريس صنمية الطيب صالح، هو أحد الفائزين بجائزة قصصه القصيرة، التي ينظمها مركز عبدالكريم ميرغني.ولا أدري لماذا لم يحتج علي صنمية الكاتب وهو يتوج بأحدي جوائزه ،و صورته تتصدر الصفحات الثفاقية في الصحف.

 كان الفتي يعبر عن قلق جيله خوفا من أن تكون شهرة الطيب حاجبا وحاجزا دون ذيوع أبداعات الأجيال اللاحقة، وخوفا من أعتقال زهرة الأدب المتجدد في حديقة الطيب صالح الروائية. وقد ظل الأديب الراحل ينفي عن نفسه صفة أحتكار التعبير عن طموحات ومكنونات المجتمع السوداني ، وكان بطبعه الأنساني الباذخ يشجع الشباب ويحتفي بأبداعهم،بل وكان يحتمل نقد محبيه بأنه يقرب منه من لا يستحقون، وقد وصف الدكتور منصور خالد ذلك بأن الطيب صالح كان أخف الناس عبئا علي مجالسيه، كما كانت له قدرة لا تنتهي علي أحتمال الفارغين من الموهبة.وربما صارت هذه القدرة تلازمه بعد موته إذ ما زال البعض  يتسلق علي ظهره بعد موته إبتغاءا لمنغم الشهرة أو إتقاءا لمغرم البوار الأدبي.

هل في نمط الأحتفال بذكري الطيب صالح تكريس لصنمية ثقافية تخاف منها الأجيال الراهنة؟ لقد جاء للأحتفال بالطيب صالح كل من محمد بن عيسي وزير الثقافة المغربي السابق، الذي أسس منتدي أصيلة، وكثيرا ما يطلق علي الطيب لقب سيدي الحشوم، كما جاء من مصر الأستاذ حلمي النمنم، و كنت أفضل أن توجه الدعوة للأديب الدكتور محمد المخزنجي الذي قال في القناة الثانية المصرية في شجاعة يحسد عليها أنه رغم الخطاب السائد حول عبقرية نجيب محفوظ إلا أنه يري وهو فخور بمصريته أن الطيب صالح هو الروائي العربي الأول، ويستحق الفوز بجائزة نوبل. وقد دخل حلمي النمنم في جدال مبتسر مع الدكتور عبدالله حمدنا الله عندما أشار الي حالة التشابه بين الطيب صالح ورجاء النقاش من جانب، وحالة سيد قطب ونجيب محفوظ من جانب آخر، أي بمعني أنه بمثلما أكتشف سيد قطب الروائي نجيب محفوظ كذلك فعل رجاء النقاش مع الطيب صالح. والحق أن الدكتور عبدالله حمدنا الله لم يدع ذلك، ولكن أشار الي أن سيد قطب كان من أوائل النقاد الذين أحتفوا ونوهوا بموهبة نجيب محفوظ وقال سيكون لهذا الفتي شأن في مستقبل الرواية المصرية. كما أتحفنا كل من البروفيسور علي شمو، والأستاذ عبدالباسط عبدالماجد بحديث عذب، بينما أختار الدكتور عبدالله حمدنا الله أن يسلط الضوء علي المشروع النقدي للطيب صالح من خلال سياحة وئيدة في مختاراته العشر، وقال إن الطيب أختار كناقد أستخدام المنهج الذوقي التأثري الذي يقوم علي التذوق الأدبي كمعيار رئيس لقياس جماليات الأثر الأبداعي. ورغم أهمية المناسبة إلا أننا ندعي أن إدارة الأحتفالية فشلت في أجتذاب المشاهدين ، وتنظيم البرنامج بشكل مقنع، بل تطفل علي تقديم البرنامج من لا يحسن هذا الضرب من الفن، سوي أنه ينتمي الي  الجامعة الطبية. إذ ظلت نصف مقاعد القاعة الكبري بقاعة الصداقة أثناء الأحتفال شبه خالية، رغم جمالية الحدث وأهمية المناسبة وحضور النجوم وأطلالة الضيوف الكبار..وقد زان من هذه المناسبة الجميلة مشاركة  كل من الأستاذ عبدالكريم الكابلي الذي تغني برائعته أراك عصي الدمع في حضرة محمد بن عيسي ، كما عزفت أنامل الأستاذ عثمان محي الدين من قوسه الذهبي مقطوعات تعكس مكنونات التنوع الثقافي في السودان.وقد فات علي المنظمين عرض الفيلم الوثائقي لسيرة الأديب الراحل (رجل من كرمكول)،  حيث ظل مخرجه الأستاذ المبدع سيف الدين حسن يبحث بكرم فياض عن المنظمين لأهدائهم نسخة من الفيلم لعرضه في هذه الأحتفالية الهامة،إلا أن هواتفه ذهبت أدراج الرياح. و قد نوه الوزير محمد بن عيسي الي ضرورة الأحتفاء بالطيب صالح بأقامة مركز ثقافي يليق بمقامه، يحمل رسالته، وينشر أدبه، ويروج لأسهامه الأنساني الباذخ...وذلك خوفا من أن تتحول ذكراه الي حولية صوفية تدبج فيها القصائد، وتسرد فيها المناقب..وتكتب فيها المقالات، ثم ما تلبث أن تنتهي بأنفضاض السامر.

لعلنا في هذا المقام نرد الأدعاء بأن نمط الأحتفال بذكري رحيل الطيب صالح لا يكرس لصنمية ثقافية جديدة، حيث لم يكن الطيب صالح في يوم من الأيام صخرة تسد مجري التاريخ وتمنع تدفق الأبداع السوداني في نهر الأدب الأنساني. ربما يكون هناك قصور في الفكر والخيال والأبداع لتصميم وأعداد مثل هذه الأحتفاليات. سبق وأن دار جدل مستفيض في المنتديات الفنية والأدبية من قبل حول كيفية أحياء الذكري السنوية لرحيل الفنان المبدع مصطفي سيد أحمد التي أصبحت طقسا دارجا وحولية فنية لترديد أغانيه الجميلة دون التفكير في أنشاء مؤسسة ثقافية تحمل أسمه،وتنشر رسالته وأبداعه الفني، وظلت هذه الظاهرة أيضا لصيقة بالرموز السياسية ،إذ تم أختزال ذكري وأسهام الزعيم الشيوعي الراحل عبدالخالق محجوب في قصيدة مبدعة عن ميتافيزيقيا الموت، حيث بلغ أحتفاء الشاعر ببطولته أن قال أنه لم يمت بل ترك الموت معلقا في المشنقة (خلا الموت معلق)...وما زالت ذكراه معلقة في ذلك الحبل دون أقامة مؤسسات تبرز خصائص فكره وتحتفي بأسهامه ورسالته في الحياة.. 

لماذا تظل هذه حالة أدبية خالصة، إذ لم نسمع في وسط الرياضيين من يقول ، كفي أحتفاءا بجكسا، أو صديق منزول أو حامد بريمة، أو ما يسمي بنجوم العهد الذهبي؟ كما لم نسمع وسط الفنانين من يقول كفي تكريسا لصنمية كرومة أو الكاشف أو وردي أو عثمان حسين أو أبراهيم عوض؟. في دراسة جديرة بالتأمل يقول الدكتور عبدالله الغذامي في كتابه (حكاية الحداثة في المملكة السعودية)، أنه يتم تكريس القيم المحافظة عن طريق الحداثة بصورة لا شعورية ، فمثلا رغم صفة الحداثة التي يصف بها النقاد الشاعر أدونيس إلا أن الغذامي يراه حداثيا رجعيا لأنه يقوم بألغاء الآخر،من خلال خطاب يقلل من شأن العقلانية والمنطقية. ويقول أن هذه المسلمات التي تري أن أدونيس هو رأس الرمح في حركة الحداثة، تكرس لخلق أصنام جديدة، ويواصل الغذامي في نقد تيارات الحداثة التي يعتقد جازما أنها تتماهي لأعادة أنتاج الصور الرجعية وتروج لقيم الثقافة المحافظة، وتهزم رايات الحداثة وجحافل التقدمية.

وتجوز المقارنة هنا بين ما كتبه الأديب الراحل عبد الهادي الصديق في كتابه (حداثة الموروث) الذي لم يجد أهتماما يليق بمضمونه ومحتواه.فهو يعتبر أن كثيرا من الأعمال الأدبية ، والأغاني والأشعار والتراثيات السودانية رغم تصنيفها ضمن الموروث السوداني إلا أنها تحفل بكثير من قيم ومفردات الحداثة، مما يشير الي أن الحداثة ليست فاصلا زمنيا وبرزخا جغرافيا يفصل بين عهدين، بل هي قيما وأفكارا تجوس خلال الفواصل التاريخية والعهود الزمنية دون سقوف محددة.لهذا يعتبر البعض أن المتنبئ شاعر الحداثة الأول رغم أنه عاش في القرن الرابع الهجري،لأنه حرر الخطاب الشعري من القوالب التاريخية السائدة وكرس لخطاب الأنا الذي عده عبدالله الغذامي تكريسا للرجعية لأنه يحتفي بالذات والأنا المتعالية ، ويعمل علي إلغاء الآخر، ويكرس لمتلازمة الهجاء والمدح في توازي جمالي مدهش لدوافع ذاتية تراوح بين الرضي والغضب لنوال ، أو ملام. وهي دوافع ذاتية عدها من لوازم الخطاب الكاذب وليست من روافع القيم  الأنسانية. وأستمرارا لذات النهج يقول الغذامي أن نزار قباني هو أحد هؤلاء الأصنام والفحول الثقافية التي ظلت تحتكر خطاب تحرير المرأة في الشعر العربي الحديث، ولكن المفارقة تكمن في أن شعر نزار قباني يجهد قوافيه لتحرير جسد المرأة وليس عقلها أو فكرها، وهو أعادة أنتاج لشعر عمرو بن أبي ربيعة ولكن بجماليات جديدة.

ولعل هذا النقد يدحض مزاعم صنمية الطيب صالح في الأدب الروائي، لأنه لم يحتكر التعبير عن منابع ومكنونات المجتمع ، كما لم يعلن عن نفسه ناطقا رسميا بأسم الأدب السوداني ، وكذلك لم يقم بألغاء الآخر وتتفيه أنتاجه، بل أسهم في ترقية البعض، حيث صعد الكثيرون علي أكتافه وما يزالون، وأخيرا لم يعمد الأديب الراحل لأنتاج خطاب أدبي يكرس لمزاعم فكرية قطعية أو قيم ثقافية أطلاقية absolutism ، ولم يدخل في جدل الحداثة والتقليد، أو الرجعية والتقدمية بدوافع أيدلوجية كما يحاول أن يفعل عبدالله الغذامي، بل هو أديب نأي بنفسه عن التمذهب السياسي والفني، كما قال الدكتور منصور خالد ، وغدا حرا طليقا يحلق في أي سماء شاء، ويحط علي أي فنن يختار.وهو كذلك فنان تمرد علي الأذعان والتسليم والرتابة ، ينشد قافيته، ويعزف موسيقاه، وينحت أزميله، ويغمس ريشته في فسيفساء الألوان، ويسهر الخلق بعده من جراء أبداعه ويختصموا.

إذا حاولنا تطبيق معايير عبدالله الغذامي حول الحداثة وصنمية الأدباء،علي الطيب صالح لوجدناها جلبابا يضيق علي أبداعه،لأن الحداثة لا تعني فقط الأحتفاء بالعقل المطلق، والنفور من تكريس سلطوية الخطاب الأدبي، والتقليل من شأن الغيب والأسطورة. إن أدب الطيب صالح ينبع من دائرة الفوضي والحد الفاصل بين الأسطورة والواقع، وهو أكثر أحتفاءا بالميثلوجيا،في قالب من السرد الممتع، والرواء الفكري الآخاذ، لذا تنفتح رواياته علي شتي مناحي التفسير، والتحليل.هذا الثراء الفني المدهش، الذي يمازج بين الأسطورة وموضوعية الواقع لا يعني بأي حال من الأحوال معارضته للحداثة كما يدعي عبدالله الغذامي.فمثلا موسم الهجرة الي الشمال التي نسجت خيوط أبداعها ببراعة متناهية لتصور في أحدي ثيماتها الحالة الصدامية بين الشرق والغرب من خلال شخصية مصطفي سعيد الذي فشل في الأندغام في بيئة الغرب رغم أنه مدين له بتعليمه وثقافته وتفوقه، إلا عقله اللا واعي أختار أن يصادمه بأداة الأنتقام النفسي، وهو أن يحرر أفريقيا بسلاح الجنس. وكما قال الناقد الراحل رجاء النقاش ، فأن الجنس في موسم الهجرة ليس تصويرا مبتذلا، ولكنه أعطي الرواية أبعادا فلسفية عميقة، ورسم خطوط شخصيات نارية ملتهبة، حيث أرتبط بالأنتقام النفسي،والعنف والصراع مما أضفي علي الرواية حيوية ما زال بريقها يتوهج كل يوم. دعت هذه الخصيصة بعض النقاد لتصنيف أدب الطيب صالح  بالواقعية السحرية، ويستطيع البعض أن يدعي دون تحفظ أن هذا النوع من الجنس الأدبي أكتشفه الطيب صالح قبل الكاتب الكولمبي غارسيا ماركيز. رغم أيغال روايات الطيب صالح في الأحتفاء بالأسطورة والميثلوجيا إلا أنه أقرب الي الحداثة منه الي التقليدية، وذلك عكس ما يزعم عبدالله الغذامي. وربما يعود ذلك الي أن الرواية كجنس أدبي تنتمي تاريخيا الي الحداثة،حيث لم يزدهر هذا الضرب من الفن في مضارب بني عبس ، أو بادية بني تغلب.وقد أكد الدكتور محمد الواثق في دراساته المتعمقة عن المسرح، أن الرواية والدراما فن عربي ومشرقي قديم تطور من فن المقامات والرباعيات ولعل أشهرها في المشرق رباعيات الخيام ذات الأصل الفارسي. ويستخدم الطيب صالح الميثلوجيا بوعي خلاق، حيث يعتقد أن النظر الديالكتيكي أو الديكارتي للواقع يحول الأشياء الي رموز، وهو الأيحاء الذي يوظفه الكاتب في أبداعه. يقول الطيب صالح في مقابلة نادرة مع مجلة (ألف باء) العراقية في عقد الثمانينات " ان المجتمع السوداني، والبيئة التي عشت فيها، بيئة لاتؤمن بالخرافات ولكن لديها القدرة علي ان تنظر الي الكون من منطلق مثيولوجي وان شئت قل رمزياً،وانتم في العراق ادري بهذا،فان العراق قد ابدع مثيولوجيا انسانية رائعة..ان (عرس الزين) لم تكن بالاسلوب الذي كان سائداً في أوائل الستينات..البطل فيها لاتنطبق عليه صفات البطولة بالمعني العادي..العالم تحدث فيه معجزات وبركات..ولم يكن الادب يقبل بهذا ولذلك كانت هذه الرواية تشكل رد فعل لما كان سائداً". ويقول عن الأسطورة أنها أما أن تكون أمرا واقعا تحول الي حلم، أو أمرا محتمل الوقوع، وفي هذا الصدد يقول الطيب صالح أن البناء الأسطوري في الشعر العربي القديم يشير الي ذلك. ومنه  قول طرفة بن العبد:

لخولة اطلال ببرقة ثهمدِ

تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد

ويقول زهير بن ابي سلمي:

ديار لها بالرقمتين كأنها

مراجيع وشم في مناشر معصمي

 يقول الطيب صالح: "وهذا البناء او الحقيقة تحول الي شيء آخر..ومن الابيات الرائعة لأبي نواس قوله:

فأتتك في صورة تنازعها البلي فأزالهن وانبت الاشباحا.

وهذا ماحدده فرويد في مفهومه للاسطورة حيث ذاب ماهو حقيقي وتحول الي شيء آخر،وهذا بكل تواضع ما اريد تقديمه..والكاتب العربي اليوم لايعمل في فراغ،انه حلقة في سلسلة طويلة من الناس الذين جاءوا قبله ــ واعتقد بأن المفروض ان يكون متحاوراً ومتآنساً مع الاصوات التي انطلقت قبله".

هذا الأستدلال ينسف معايير ومواصفات الحداثة التي حاول أن يفصلها الكاتب عبدالله الغذامي، والذي يحصر الحداثة في الأحتفاء بالعقل، والبعد عن تغذية الخطاب السلطوي،ولكن الطيب صالح يدخل أستخدام الرمز، والأسطورة من ضمن مفردات الحداثة إذا تم أستخدامها بأيحائية ملهمة عالية المدارك.

لقد نفي الطيب صالح في عهده الأخير الأجتهاد النقدي الذي قدمته الفنانة التشكيلية جريزالدا الطيب زوجة العلامة الراحل البروفيسور  عبد الله الطيب في مقال لها بصحيفة الشرق الأوسط ، حيث زعمت من خلال معايشتها لتلك الفترة في بريطانيا ، أن شخصية مصطفي سعيد هي مزيج بين ثلاثة شخصيات حقيقية عاشت بالقرب من الكاتب في لندن. وتقول جيرزالدا أن هذه الشخصيات هي: " د. سعد الدين فوزي وهو أول سوداني يتخصص في الاقتصاد بجامعة أكسفورد، حيث تزوج فتاة هولندية محترمة ومخلصة وليست شبيهة بالفتيات في الرواية، وحصل على درجة الدكتوراه في العام 1953، وعاد إلى السودان، حيث شغل منصبا أكاديميا رفيعا الى أن توفي بالسرطان عام 1959. ولكن قبل ذلك التاريخ في الخمسينات حصل عبد الله الطيب على درجة الدكتوراه من جامعة لندن في اللغة العربية وعيّن بعدها محاضرا في كلية الدراسات الأفريقية والشرقية بالجامعة نفسها، وقبلها بعامين تزوج من فتاة إنجليزية (هي الكاتبة نفسها)، ومرة أخرى ليست شبيهة بصور فتيات الرواية. إذا هنا مزج الطيب صالح الشخصيات الثلاثة: سعد الدين وحصوله على شهادة دكتوراه في الاقتصاد من أكسفورد والدكتور عبد الله الطيب وتعيينه محاضرا في جامعة لندن. أما الشخص الأكاديمي السوداني الثالث الذي اقتبس الطيب صالح جزءاً من شخصيته لتمثل الصفة الثالثة عند مصطفى سعيد -وهي الدون جوان، إلى حد ما- فهو الدكتور أحمد الطيب صديق الثلاثة ورفيقهم في الدراسة بالسودان وبريطانيا".

رغم أجتهاد جيرزالدا في تفسير منبع الألهام في بناء شخصية مصطفي سعيد التي زعمت أنه مزيج من شخصيات ثلاث،إلا أن الفن لا يعمد علي تصوير الواقع بنهج تجريدي مباشر. نتفق أن هذه الشخصيات التي كانت تمثل النخبة السودانية الأولي التي حازت علي أعلي مراقي التعليم البريطاني، تشارك مصطفي سعيد الصراع النفسي الداخلي بين الحداثة والتقليد. بين أنوار الحضارة التي عاشوها في بريطانيا، والقيم التقليدية التي خلفوها وراءهم في السودان.بالفعل فقد تزوج المرحوم سعد الدين فوزي من هولندية، كما تزوج البروفيسور الراحل عبدالله الطيب من بريطانية، و عاش المرحوم الدكتور أحمد الطيب حياة الدنجوان كما وصفته جيرزالدا.فهؤلاء بطريقة أو بأخري فعلوا ما فعله مصطفي سعيد،تجاوزوا عقدة اللون والدونية التي كانت لصيقة بالأفارقة في ذلك العهد بالزواج والأقتران من أجنبيات، فعلوا ما فعله مصطفي سعيد ولكن وفقا للأصول المرعية دون عنف، أو دماء أو قتل أو جنس فضائحي، ودون أن يقول القاضي لأحدهم: إن فعلتكم تؤكد أن مهمتنا الحضارية في أفريقيا عديمة الجدوي.

لقد خرج من عباءة الطيب صالح جيل من الروائيين السودانيين، أصابوا نجاحا مميزا وقدرا من الشهرة في مضمار الأبداع الروائي،دون أن يحجب عنهم ضوء الشمس، بل تميزوا بخصائص أدبية وسمت أعمالهم وأكسبتها سمات جمالية مدهشة منهم بركة جمعة ساكن الذي أختط لنفسه مسارا مميزا في  أبداعية الواقعية السحرية، والأستاذ محسن خالد الذي يجعلك تذبح البقرة، وتحطم الزير ولا تري غير الذي تراه البصيرة أم حمد. وكذلك الدكتور أمير تاج السر الذي رغم خؤولة الطيب صالح له إلا أنه أنتبذ لنفسه مكانا قصيا و بني شخصيته الأدبية من سيرة الوجع بمنأي عن سحر وضجيج وشهرة الطيب صالح،وغيرهم كثر يضيق المجال عن ذكرهم.

بدلا من أن نقول كفي أحتفاءا بهذا الصنم،نقول مجازيا رغم قسوة الوصف اللهم زده صنمية فوق صنميتهِ ، لأن الأمم تزدهر بمعرفة فضل الآباء المؤسسين، والأحتفاء بأنتاج الرواد المبدعين ، فما زالت أنجلترا تحتفي بشكسبير كأنه رحل بالأمس.وما ضر تاريخ السودان الحديث إلا أن كل جيل يؤثر كنس آثار الجيل الذي سبقه دون أن يشيد فوق الذي إبتناه.هؤلاء يناطحون الجبال ويلدون الفئران.

حاشية:

أشكر أبتداءا كل الذين هاتفوني أثيريا، أو كاتبوني أسفيريا سائلين عن بقية المقالات التي أبتدرتها عن العلاقات السودانية الأمريكية، ولعل السبب هو أن بعضا من هذه المقالات تمس بصورة مباشرة سيرة الشيخ حسن الترابي، لما كان له من دور بارز في عهد الأنقاذ الأول. وفضلت أن أتريث في نشر الحلقات حتي أطمئن أن بعضا من تلاميذه من تعتد شكيمته الأدبية للتصحيح والتصويب، سيما وهو رهين المحبس يتكفف الكلمة ليتصدي لغائلة النقد مما هو أخطر من مرويات التاريخ. عليه سأواصل رحلة السرد عن العلاقات السودانية الأمريكية في الأسابيع القادمة، علي أن تستقيم المراجعات الموضوعية في زمن قادم تتيحه المحددات الظرفية أو الأعراف السلطانية.