اتحفنا الاستاذ عبد الله حميدة بترجمة رصينة ورائعة لمذكرات الرحالة وضابط البحرية الامريكي جورج .ب. انجليش الذي رافق حملة اسماعيل باشا لغزو السودان عام ١٨٢٠. التي صدرت تحت عنوان " الحملة علي دنقلا وسنار: رحلة في معية اسماعيل باشا ١٨٢٠". ظهرت الطبعة الانجليزية الأولي لهذا الكتاب في لندن عام ١٨٢٢ وظهرت طبعته الثانية في بوسطن عام ١٨٢٣. سبق للاستاذ عبد الله حميدة ان أنجز ترجمة هامة لكتاب الاداري السوداني حسن دفع الله عن هجرة النوبيين من مناطق وادي حلفا والمحس وغيرها التي غمرتها مياه السد العالي.

يكتسب هذا الكتاب اهمية خاصة لأن الضابط الامريكي جورج انجليش قد دوّن فيه يوميات الحملة وسجل تفاصيل المعارك والمقاومة وبطولات السودانيين كشاهد عيان ، وقد اخبرني البروفيسور حسن حاج علي امين المكتبات بجامعة الخرطوم ان مكتبة السودان تحتوي علي نفائس المخطوطات منها يوميات غردون الأصلية وبخط يده وهو تحت الحصار قبل ان تقتله وتجهز عليه قوات المهدية في قصره عام ١٨٨٥.
اول ما لفت نظري في يوميات جورج انجليش انه كان يكن التقدير والاحترام لإسماعيل باشا وأَسْبَغ عليه الألقاب و جعله حارسا للفضائل والقيم ربما بدافع إعجاب الضابط بقائده في حملة فتح عظيمة. وتكشف اليوميات ان الحملة كانت دقيقة التنظيم تمضي وفق خطة محكمة و ان تصميم جيش الغزو كان عاليا لتجاوز عقبات الطبيعة والنهر والتصدي لمقاومة القبائل السودانية الشرسة والبطولية لتحقيق هدف الحملة وهو اخضاع السودان القديم لنفوذ محمد علي باشا.
قدم جورج انجليش وصفا باهرا لجمال الطبيعة في السودان وقال في بعض المناطق انه لا مثيل لها في العالم. وقال عن النيل في وصف بديع انه اشبه بمسيرة رجل صالح عبر عالم من الفسقة والتافهين.
وتحسر متسائلا عن قلة السكان في شمال السودان رغم توفر الاراضي الخصبة ومياه النهر. ولعله جورج انجليش اشار الي ظاهرة ديمغرافية قديمة منذ العام ١٨٢٠ الا وهي قلة السكان في منطقة شمال السودان رغم توفر الموارد. مما يجعلها منطقة اطماع للقوي الخارجية والتدفقات السكانية المهاجرة من دول الجوار.
يقول انجليش في كتابه :" وكان حريا بِنَا ان نتعجب كيف ان بلدا بهذا الثراء الطبيعي لا يسكنها الا قليل من الناس. اما أراضيها الخصبة فلا تفلح الا بإهمال. وعلي كل حال فإن السكان كانوا يزرعون ما يكفيهم ولم يكونوا يتطلعون الي ما فوق ذلك من مباهج الحياة".( انتهي الاقتباس).
مضي علي هذا الوصف ١٩٧ عاما او زهاء القرنين من الزمان، وللأسف ما يزال الحال كما هو لم يتغير بالقدر الكافي الذي يحدث تحولا نوعيا في حياة الناس، وما حدث من تغيير طفيف هو تحول باضطراد الزمان فقط وليس بفعل البشر. اذ ان عدد السكان ما يزال قليل مقارنة بمساحة الارض والحاجة للعمران.وان الارض تفلح بطرق تقليدية وبإهمال رغم دخول بعض المشروعات الحديثة، وان الناس يزرعون ما يكفيهم ولا يتطلعون الي مباهج الحياة.
لا شك ان هذا الوصف يختزل شفرة متاعب الوطن التاريخية، وهو ضعف التوازن السكاني الذي زاد اختلالا في الوقت الراهن لتكدس خمس سكان السكان في ولاية الخرطوم فقط واهمال مناطق الانتاج الاخري ، و الأهم هو خلو جينات اهل السودان من التطلعات والإقبال نحو الحياة ومباهجها والقدرة علي المغامرة ربما بسبب ثقافة الزهد والتصوف. سبق وان قدم سلاطين باشا في كتابه ( السيف والنار في السودان) وصفا قريبا من هذا رغم انه كتب عن حقبة تاريخية مختلفة ترتبط بالدولة المهدية.
في الوقت الذي ما تزال تلتحف فيه بعض المجتمعات الانسانية الارض في منامها قال انجليش ان أهالي دنقلا وبربر وشندي كانوا في عام ١٨٢٠ ينامون علي أسرة من اربع قواعد منسوجة من جلد الحيوان. فتأمل.
ولعل جورج انجليش كان اكثر انصافا من تشرشل وهو يحرر كتابه الشهير ( حرب النهر) وهو يصف سحنات وتكوينات اهل السودان بإستعلاء عنصري ممقوت، اذ اشار الي ان العنصر الزنجي في تركيبة السودان الاجتماعية يعتبر اقل ذكاءً وقابلية للتحضر والتمدن. في المقابل لم يجنح جورج انجليش لإضفاء اي وصف عنصري علي القبائل السودانية، رغم انه قدم انتقادات لاذعة لسكان بعض المناطق اثناء الحملة. واعترف بخصلة ظلت ملازمة للشخصية السودانية منذ امد بعيد وهي الاعتدال والاعتداد بالنفس وعزتها . وقال ان كل شيوخ وزعماء قبائل السودان كانوا يهملون طقوس مقابلة اسماعيل باشا بالجلوس وخفض الرأس وكانوا يسألونه مباشرة : لماذا اتيت الي هنا، وماذا تريد؟ ولعمري هذا سلوك مخالف للمهزومين كما ذكر بن خلدون في الطاعة وتقليد المغلوب لثقافة الغالب و اتّباعه في عوائده وسلوكه وثقافته.
وقدم جورج انجليش وصفا تاريخيا موثقا لمناطق الآثار وأطلال المعابد والمدن القديمة والتماثيل التي مرّ بها اثناء الحملة. واكد انجليش ان اهرامات السودان اقدم من اهرامات مصر ، وهذه شهادة للتاريخ بعد ان حاول البعض التشويش علي هذه الحقيقة التاريخية الهامة التي اصبح يرددها كبار علماء الاثار مثل ( فيلدونغ) الألماني. قال انجليش انه احصي سبعة وعشرين هرما في منطقة الشايقية كانت كلها بحالة خربة مؤكدا بالقول ، "ولا شك انها اقدم من اي هرم مصري" . وقال ان ما يميزها هو انها بنيت بطريقة مزدوجة اي هرم داخل هرم. ولا شك ان الاهرامات التي وصفها انجليش قد اختفت من الوجود لانها غير موجودة الآن لان البناء الهندسي المزدوج للأهرامات السودانية غير موجودة في الآثار والاستكشافات الحديثة ، وأرجو ان يفيدنا عناء الآثار ك الإجلاء في ذلك. . وقال ان الجنود المغاربة كانوا يكثرون من الفوضي بعد انتهاء المعارك مخالفين توجيهات اسماعيل باشا بالإحسان للأهالي ، اذ كانوا يهتكون الأعراض ويخطفون بقوة الجبر والاكراه ممتلكات الأهالي. وكذلك العبابدة الذين عاقبهم اسماعيل باشا ( بالخازوق) لأنهم سرقوا جمالا من الأهالي. وحكي انجليش ان بعض الجنود حاولوا دخول احدي القري في منطقة دنقلا لممارسة بعض الانتهاكات والبحث عن النساء فوجدوا انفسهم محاطين بمئتي رجل فهربوا عائدين الي المعسكر.
وصف انجليش اهل شندي بالمكر وسوء الخلق وهذا بسبب انهم لم يقدموا ما طلبه جيش الغزو من مؤونة وأغذية مجانا بل طالبوهم بالثمن وغلوا فيه، وقتلوا اثنين من جنود اسماعيل باشا طعنا بالرماح. كما وصف اهل دنقلا بالكسل ووصف اهل بربر بأنهم مأدبين ورقيقين وأنهم يشبهون عربان مصر الا ان بنيتهم غير متناسقة، وأكثرهم مصاب بتسوس الأسنان لتعاطي التمباك. وهذا يبرر امر الامام المهدي بتحريم تعاطي التمباك لان تعاطيه كان شائعا بين القبائل في تلك الفترة.
اعترف انجليش بقوة شكيمة قبيلة الشايقية في المقاومة والقتال، ورغم شجاعتهم الا انهم كانوا يجهلون قوة تسليح جيش الغزو ، تماما كما فعل الخليفة عبد الله في كرري. قال انجليش ان الملك ( جاويش) ملك الشايقية جاء مستسلما لإسماعيل باشا وقال له:" لقد قاتلناك بكل ما نملك من قوة وعتاد، وانا الان مستعد للقتال تحت إمرة من تغلب عليك". وأنعم عليه اسماعيل باشا برتبة (بمباشي) احتراما للرجل الذي قاتل بشجاعة . ويكشف الكتاب حدوث انشقاق وسط ملوك الشايقية اذ استسلم الملك ( جاويش) وابي الملك ( صبير) الصلح والاستسلام رغم ان اسماعيل باشا حرر له ابنته من الأسر وأعادها اليه. كما استسلم مكوك الجعليين دون مقاومة لكن ظهر مكرهم وشدتهم في رحلة عودة اسماعيل باشا الي مصر عندما أحرقه المك نمر. قال بعض زعماء الأهالي لجورج انجليش الذين غلبهم السلاح الناري انه لو المسدس الذي تحمله لرميناك بايدينا في النيل. وتظل قضية السودان المركزية وهزائمه التاريخية طوال الفترة الاستعمارية تكمن في الاعتماد علي شجاعة الأفراد في المقاومة والقتال، ولكن يلازمها سوء تقدير قاتل لقوة العدو. ماعدا فترة الامام المهدي التي تعتبر فترة استثنائية لطاقته الروحية وشخصيته القيادية الكارزمية.
يكشف هذا الكتاب في بعض فصوله عن رمزية الشرف في تاريخ السودان القديم، حيث ذكر جورج انجليش ان ابنة ملك الشايقية ( صبير) ذات الخمسة عشر ربيعا أخذت اسيرة الي اسماعيل باشا الذي ردها الي ابيها بعد ان انعم عليها بالهدايا والكسوة التركية الفاخرة عسي ان يكسب ود ابيها وهو من الفرسان الشجعان. وعندما عادت الي معسكر جيش ابيها سألها والدها الملك صبير : "هل عدتي يا بنتي دون تفقدي شرفك؟، فقالت له وهل كنت أجرؤ ان ارفع رأسي ان جلبت لك العار".
مقابل هذه الصورة والحديث بين الملك صبير وابنته العائدة من أسر اسماعيل باشا دون ان يعتدي احد علي شرفها تقابلها صورة اخري رفض المترجم ان يكتبها رغم ورودها في الكتاب، وقال في مقدمته انه رفض ترجمة بعض صفحات الكتاب لانها تجاوزت الحد المعقول من الحصافة وتجني الكاتب علي أهالي منطقة بربر. وهذا يفتح سؤالا منهجيا وهو هل يحق للمترجم إهمال اجزاء من يوميات تاريخية لا تتفق مع عقيدته وقناعاته الشخصية؟ اترك هذا السؤال للمؤرخين والمختصين.
في مقابل حديث الملك صبير مع بنته العائدة من الأسر في معسكر اسماعيل باشا واهتمامه بالسؤال عن شرفها، قال جورج انجليش في الجزء الذي رفض الاستاذ عبد الله حميدة ترجمته ان بعض أعيان منطقة بربر عبروا عن رغبتهم في الجود ببعض الرقيق والحرائر لمّتعة الجيش الغازي. وهذا ما لا يتسق مع ثقافة وقيم تلك المنطقة والتي يغلب عليها العمل التجاري بإعتبارها نقطة لمرور القوافل التجارية الي مصر وسنار ودارفور.
قدم الاستاذ عبد الله حميدة عملا جليلا للمكتبة السودانية ، وهو يترجم نص مذكرات ضابط البحرية الامريكي جورج .ب. انجليش وهو يرافق حملة اسماعيل باشا لغزو السودان عام ١٨٢٠. اضافة للإحترافية العالية في الترجمة فقد زانها الاستاذ عبدالله حميدة بلغته السلسلة وعباراته الرصينة وبذل جهدا كبيرا في الضبط المنهجي لأسماء المواقع والإعلام .ولعل اهتمام نخبة من المثقفين بترجمة الاعمال التاريخية الهامة مثل الدكتور بدر الدين الهاشمي و الاستاذ عبد الله حميدة يَصْب في ترقية الوعي بالتاريخ وتعميق الدراسات عن كسب وهوية اهل السودان التاريخية من اجل استشراف المستقبل لغدٍ افضل لأجيال السودان القادمة. و أوجه تحية خاصة ايضا للدكتور السفير احمد المعتصم الشيخ الذي قدم ترجمة رائعة لكتاب الدكتور جاي اسبولدينغ عن " عصر البطولة في سنار" الذي يشكل مع كتاب مذكرات جورج انجليش افضل مرجعين لفهم تطورات وتقلبات تلك الفترة الهامة في تاريخ السودان.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.