عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لعل الصدفة وحدها هي التي جعلت اكبر مفكرين اثرا علي الحياة السياسية والثقافية لقضية الاسلام والثقافة والاستعمار في امريكا ينحدران من أصول فلسطينية مغايرة، هما البروفيسور ادوارد سعيد وهو فلسطيني مسيحي و البروفيسور اسماعيل الفاروقي وهو فلسطيني مسلم . الاول في مجال دراسات الاستشراق والثاني في مجال إسلامية المعرفة. توفي ادوارد سعيد جراء مرض عضال ظل ينهش في جسده النحيل لكن بقيت روحه متوقدة ومتوثبة وظل يعطي من علمه الدفاق حتي رمقه الأخير. اما البروفيسور اسماعيل الفاروقي فقد مات مطعونا مغدورا في منزله بمدينة وينكوت ببنسلفانيا في مايو ١٩٨٦، لم يترك القاتل احدا من أفراد أسرته حتي غرس فيه نصل السكين توفي الفاروقي وزوجته في الحال، وبقيت ابنته تصارع الموت وأنفذ فيها الطبيب ٢٠٠ غرزة حتي يخيط جروحها. وكتب المحقق في تقريره ان الجريمة ليست بغرض النهب كما توهم البعض لكنها عملية اغتيال مكتملة الأركان في وقت بلغ فيه الصدام بين الفلسطينيين واليهود شأوا بعيدا. تم الاغتيال لإسكات صوت المفكر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس وظل يدافع عن القضية الفلسطينية ويهاجم اليهود والدولة الصهيونية بضراوة فقررت التخلص منه بطريقة ما.
كان التأثير الفكري للبروفيسور اسماعيل الفاروقي استاذ كرسي الأديان والدراسات الاسلامية بجامعة تمبل بالولايات المتحدة يمتد الي كافة ارجاء العالم الاسلامي. وصفه العلامة الفيلسوف الباكستاني فضل الرحمن في جامعة ماجيل بكندا بأنه مجرد مسلم شاب غاضب جراء اغتصاب بلاده فلسطين من قبل اليهود ويطغي عليه الحس العروبي الثائر، و اخذ عليه غلبة الظن ان العروبة هي روح الاسلام. لم يتخيل الفيلسوف فضل الرحمن الذي يحظي بتقدير كبير في الغرب يوازي او يفوق تقدير المرحوم علي مزروعي في الافريقينيات، ان هذا الشاب الغاضب سيحدث تحولا عميقا في اجيال من الباحثين والمفكرين الشباب علي امتداد العالم الاسلامي. تخرج علي يد الفاروقي عشرات الباحثين والمفكرين في جامعات العالم المختلفة ودرس عليه عدد من السودانيين ابرزهم البروفيسور ابراهيم محمد زين وأنجز دراسته العميقة عن فلسفة العقاب في الديانتين اليهودية والإسلام.
أسس البروفيسور اسماعيل الفاروقي من خلال سلطته المعرفية الموسوعية وافقه الفلسفي العميق معهد إسلامية المعرفة ليعبر عن مفهوم رد المعارف والعلوم الي اصولها واعتماد سلطة الوحي كأحد مصادر المعرفة العلمية. و انشأ مع المرحوم طه جابر العلواني من العراق و عبدالحميد ابوسليمان من السعودية و أنور ابراهيم من ماليزيا معهد إسلامية المعرفة بمدينة فرجينيا و نهض المشروع ليؤسس فروعا ممتدة منها معهد اسلام المعرفة ( امام) بجامعة الجزيرة والجامعة الاسلامية العالمية بماليزيا.
شجع البروفيسور اسماعيل الفاروقي تلميذه أنور ابراهيم ليخوض غمار التحالف السياسي مع الزعيم التاريخي مهاتير محمد في حزب الجبهة المتحدة (امنو ) الذي كان يحتاج الي قيادة شابة ذات جذور ممتدة في ثقافة ابناء الارض ( بوميبوترا) تستند علي قاعدة إسلامية حداثوية ممتدة سيما وان أنور ابراهيم برز نجمه القيادي في قيادة اتحاد الطلاب الماليزيين بالجامعات. كان نظر الفاروقي ثاقبا وهو يضع الأسس النظرية والسياسية لهذا التحالف من اجل مستقبل الهوية الاسلامية لماليزيا. ومن خلال الدفع المعرفي بتأسيس إسلامية المعرفة ودخول أنور ابراهيم مغامرة التحالف السياسي مع الزعيم التاريخي مهاتير محمد ولدت الجامعة الاسلامية العالمية بماليزيا والتي وافقت طموحات واستراتيجية مهاتير محمد عن تحالف ( الجنوب الجنوب) ، وتطالعاته بان تكون ماليزيا مركزا تعليميا متقدما في منطقة شرق ووسط آسيا في اطار تنفيذ استراتيجيته بان تكون ماليزيا دولة صناعية متقدمة في عام ( ٢٠٢٠) او ما يطلق عليه الماليزيون ( تيقا بلو تيقا بلو).
ربما كان مهاتير محمد وهو يبرم التحالف مع أنور ابراهيم قد تذكر نضاله السياسي وهو قد تخرج حديثا من كلية طب الأسنان من جامعة سينغافورة وهو يخوض غمار معركته السياسية التي صدّرها كتابه الشهير ( مشكلة الملايو) Malay Delimma التي قادت الي فصله من الحزب.
في ذلك الوقت كان البروفيسور حسن النقر قد اكمل للتو دراسة الدكتوراة في جامعة شيكاغو متخصصا في الأدب الانجليزي حيث أنجز رسالة الدكتوراة عن أدب شكسبير.
ارتحلت أسرة حسن النقر من عمق مناطق الجعليين في شمال السودان واستقر بها المقام في مدينة الدمازين بالنيل الأزرق. وعندما حقق التميز الأكاديمي في قسم اللغة الانجليزية ابتعثته الجامعة الاسلامية لنيل درجتي الماجستير والدكتوراة من جامعة شيكاغو مثل العديد من اقرانه في شعب الجامعة المختلفة. ما ان وصل حسن النقر الي شيكاغو حتي انخرط في العمل الاسلامي وسط الطلاب ، وتقلد في وقت وجيز رئاسة جمعية الطلبة المسلمين، و ظل قياديا ناشطا في جمعية مسلمي امريكا الشمالية ( إسنا).
كان لهذه الجمعية دور أساسي في احداث تحول فلسفي عميق في رؤية البروفيسور اسماعيل الفاروقي المعرفية. كان الفاروقي تحت تأثير مضاغطات عمل المقاومة الفلسطينية يعتقد ان ( العروبة) هي الهوية والمرتكز الأساسي للقيم الاسلامية، وقد حاول الفيلسوف الباكستاني العلامة فضل الرحمن ان يلفت انتباه الفاروقي الي الثراء والتنوع العرقي والثقافي لمجتمعات المسلمين . وحاول ان يلحقه بالتدريس في الكلية الاسلامية بكراتشي حتي يدرك وجود ثقافة إسلامية مغايرة خارج مرتكز العروبة التاريخية. الا ان الفاروقي اختار ان يذهب الي مصر بغرض الحصول علي درجة دكتوراه ثانية من جامعة الأزهر، بعد ان حصل علي الدكتوراة الأولي من جامعة هارفاد بأمريكا . لم تتغير افكار الفاروقي الا بعد تفاعل مع جمعيات الطلاب المسلمين في الجامعات الامريكية، واصبح منذ العام ١٩٦٨ يعرّف نفسه بأنه مسلم شاءت الاقدار ان ينحدر من فلسطين ويعيش في امريكا. وكان قبل ذلك يقول انه عربي مسلم فقط وان ( العروبة) هي مستودع هوية وقيم الاسلام الحق.
وثق الدكتور حسن النقر تجربته في العمل الاسلامي في امريكا في كتاب جم النفع شيق الأسلوب ، جميل السرد ورصين العبارة نال إعجاب وتقريظ كثير من المثقفين والمختصين. صدر الكتاب تحت عنوان (ذكريات الدراسة والعمل بأمريكا) وقدم له البروفيسور مالك بدري. الذي قال: " ان هذا الكتاب رغم صغره يسجل بين دفتيه كثيرا من النواحي التاريخية والاجتماعية والتربوية في فترة كان يسودها التفاؤل وحسن الظن بالاخر، كما يجسد لنا الجوانب الاخلاقية والإنسانية التي يتمتع بها حسن النقر والتي يعرفها كل من عاشره ". .
البرفيسور حسن النقر اضافة لإنسانيته المشرقة التي تفيض من تلقاء جوانحه بأريحية محببة يمتلك روحا مرحة واستمزاج ممتع للسخرية الذكية والمفارقة المضحكة.
كان حسن النقر مشرفا علي صندوق دعم فقراء الطلاب المسلمين في جامعة شيكاغو ، وتقديم العون العيني والدعم المالي حسب ظروفهم واحتياجاتهم. و في ذات الوقت كان يعمل في المساء عاملا للنظافة في مستشفي شيكاغو لتغطية نفقات دراسته وكان يضع علامة في قميصه لتعمية هويته تقول ( خبير في هندسة البيئة ). وذات ليلة جاء احد الطلاب العرب مع زوجته المريضة للمستشفي وكان من الذين يشرفون معه علي الصندوق. ولما تفاجأ به يحمل مكنسة ويلبس قفازات النظافة احتضنه ودمعت عيناه وقال لماذا لم تخبرنا بوضعك المالي وانت تشرف معنا علي توزيع الدعم المالي علي الطلاب الفقراء. فرفض حسن النقر واستحلفه ان يحفظ هذا الموقف سرا بينهما. كما عمل غسالا للصحون في المطاعم لدعم مصاريف دراسته وكذلك كان يوزع الخضروات علي بيوت الأغنياء، وما زاده ذلك الا رفعة وإعجابا بين مجايليه. كذلك كان المؤلف جم النشاط واشتهر بالحكمة وحسن التدبر لفض الاشتباكات الزوجية بين الطلاب العرب ، حتي قال له احدهم " يا اخ حسن أنتم السودانيوين الا تتشاجرون مع زوجاتكم". ومن طريف ما ذكره انه ساعد احدي الطالبات في اقتراح عنوان رسالة دكتوراه لتشمل درب الأربعين وكان في طريقه ليؤم صلاة الجمعة في معية بعض الطلاب المغاربة المتشددين، فخرجت الطالبة فرحة بحصولها علي درجة الدكتوراة واحتضنته وقبلت وجنتيه امام الجميع وهو في طريقه للمسجد والطلاب المسلمون ينظرون اليه شذرا، فلما شرح لهم الموقف طلب منهم ان يؤم الصلاة غيره فأصروا علي إمامته للصلاة لثقتهم في شخصه وحسن تدينه.
عندما تهيأ حسن النقر لحمل حقائبه والعودة للسودان وحرب الخليج الأولي تملأ شاشات التلفاز الملونة وذلك رغم الفرص التي اتيحت له لمواصلة العمل في الجامعات الامريكية، اتصل به المرحوم احمد عثمان مكي الذي كان ناشطا في العمل الاسلامي وقتها بامريكا وطلب منه تعديل وجهته الي ماليزيا بدلا عن السودان لدعم مشروع إسلامية المعرفة سيما وان مشروع الجامعة الاسلامية العالمية بماليزيا قد اكتمل ، وكذلك دعم العلاقات الشعبية والثقافية بين السودان وماليزيا.
جاء حسن النقر الي ماليزيا وهو يحمل المؤهلات العلمية التي حصل عليها من أرقي الجامعات العالمية، وخبرة ممتدة في العمل الاسلامي و الثقافي، فإلتحق بالمعهد العالمي العالي للعلوم والحضارة الاسلامية ( أستاك)، الذي أسسه البروفيسور محمد نجيب العطاس الذي تخرج من جامعة ماجيل بكندا. كان البروفيسور العطاس مفكرا من طراز خاص فهو ينحدر من أسرة العطاس ذات الأصول الحضرمية التي دخلت الي أرخبيل الملايو قبل مئات السنين عبر التجارة ، وقد حصل فرع أسرة العطاس في اندونيسيا علي منصب وزير الخارجية في وقت سابق. اهتم بروفيسور العطاس بفلسفة السعادة في الاسلام وقدم طرحا فلسفيا عميقا في هذا الجانب وقد استفاد الدكتور عصمت محمود الاستاذ بجامعة الخرطوم من نظرات العطاس وهو يتعمق في أطروحة الدكتوراة في هذا المبحث الفلسفي الشائك.
أسس البروفيسور حسن النقر قسم تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها وسكب عصارة خبرته الاكاديمية في تمكين طلاب المعهد من الماليزيين والأوروبيين وغيرهم من إتقان اللغة العربية وقد تخرج علي يديه مئات الطلاب ممن يشغلون مناصب هامة في عدد من بلدان العالم وماليزيا.
اسهم البروفيسور حسن النقر في تقوية العلاقات الشعبية والثقافية بين البلدين، من خلال تشجيع التبادل الثقافي والأكاديمي وخلق شراكات أكاديمية بين الجامعات وفتح فرص التعليم العالي للسودانيين في ماليزيا. وقدم اطروحات وتوصيات عميقة أسهمت في تطوير العلاقات في مختلف جوانبها وكذلك تجاوز بعض المنعطفات الحادة في تاريخها، سيما عند خروج أنور ابراهيم من الحكم في ماليزيا وانشقاق الإسلاميين في السودان.
اسهم ايضا البروفيسور حسن النقر من خلال علاقاته الشعبية والاجتماعية الممتدة في تشجيع الزعيم التاريخي مهاتير محمد لزيارة السودان في تسعينات القرن الماضي من خلال التقارير والتوصيات التي قدمها له مستشاروه ومعاونوه وهي الزيارة التي وضعت اللبنة الاساسية لتطور العلاقات بين البلدين ودخول الشراكات الماليزية في الاستثمار واستكتشاف النفط في السودان . وذلك في اطار سياسة السودان نحو التوجه شرقا. Look east policy وهي السياسة التي وصفها البروفيسور البريطاني بيتر وودورد بأنها ساعدت السودان في كسر طوَّق العزلة الدولية.
اكثر من عشرين عاما أنفقها البروفيسور حسن النقر في ماليزيا اسهم فيها إسهاما باذخا في دعم وتطوير العلاقات الثقافية والتبادل العلمي والأكاديمي بين البلدين، و في تقوية العلاقات الشعبية من خلال مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات. ولعل إسهامه الأكبر هو تأسيسه مع اخرين لعمل الجالية السودانية في ماليزيا وسعيه الدؤوب لحل مشاكل الطلاب السودانيين في الجامعات ورسوم الدراسة والسكن وكذلك سعيه مع اخرين لمعالجة القضايا الاجتماعية.
اضافة لهذه المناقب والحس الانساني الرفيع يمتلك البروفيسور حسن النقر ملكة ادبية في نظم القصيد وتنضيد الحروف وابداع النثر ويتمتع بحس نقدي ثاقب. وهو ايضا قاص مبدع، اذ افترع من قبل اكثر من مجموعة قصصية لعل أشهرها ( الأرجوحة) التي نالت إعجاب النقاد لمحاولتها إبراز التغيرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في المجتمع الماليزي، وصور النخبة التي تريد الحفاظ علي التراث والتقاليد والانفتاح في الوقت نفسه علي قيم الحداثة مما ادي الي تصدعات اجتماعية علي مستوي الاسرة وتربية الأبناء.
سيجد المؤرخون فصولا كثيرا لتوثيق تطور العلاقات بين السودان وماليزيا في جوانبها الرسمية المختلفة خاصة السياسية والاقتصادية، لكن كثيرون ايضا يعرفون ان تطور العلاقات في جوانبها الثقافية والشعبية والمدنية اسهم فيها بقدر كبير مع اخرين البروفيسور حسن النقر. وسيحفظ له تاريخ الجالية السودانية ايضا سهمه الوافر في تأسيسها وتقويتها ودعمها.
لم يكن هذا الجهد الذي حاولنا توصيفه يعود لملكات حسن النقر الفردية ولكن تلاقت جهوده مع نخبة من أخيار المثقفين السودانيين، يشكلون افضل العقول السودانية في الجامعات الماليزية.
بعد ان ملأ مقعده في الجامعة الاسلامية العالمية بماليزيا كفاءة وحيوية وإنجازا ، و ضرب بسهمه الوافر في ترقية العلاقات الشعبية والثقافية وتقوية الوجود السوداني بماليزيا عاد البروفيسور حسن النقر الي بلده بعد ان أنهكه المرض الذي استحال من زائر ثقيل الظل الي ملازم مستثقل الا من باب الرضي بقدر الله.
ما يزال يحمل البروفيسور حسن في شقته المتواضعة بشمبات قلمه وأوراقه وأحلامه، وفِي جعبته مسودات كتب كثيرة تنتظر النشر في شئون الفكر والثقافة، وابتسامة تؤمن بالقدر وتقهر المستحيل، و قريحة متقدة و عقل فعال وخبرة أكاديمية وحياتية ممتدة وذخيرة معرفية وافرة يتوجب ان تستفيد منها اجيال الشباب المتوثب نحو المعرفة والحياة ، وكذلك المؤسسات العلمية الجادة. ولا تثريب علي اخوان الامس الذين كانوا يلوذون ببيته في كوالالمبور عند كل طاريء وبارق ويتجاهلون عودته للسودان.
ربما يكون قدر حسن النقر في ألقاب السلطان والصولجان قليلة لكنها راجحة وثقيلة في قلوب محبيه و أصدقائه وعارفي فضله.
اللهم في هذه الايام المباركات، والحجيج يفيضون إليك من كل فج عميق اشف بروفيسور حسن النقر شفاءً لا يغادر سقما.