د. النور حمد

سوف أعالج في هذه الحلقة بعض الجوانب التي سبق أن أشرت إليها في الحلقة السابقة. تتعلق هذه الجوانب بملاحظة مركزية، سبق أن أشرت إليها في الحلقة السابقة، وهي أن الأعراب الذين وفدوا إلى السودان لم يأتوا من مراكز الحضارة الإسلامية وحواضرها، وإنما أتوا من البرية. 

يسير وليامز آدمز على خطى ابن خلدون في تسبُّب الأعراب الوافدين في انهيار الممالك النوبية، خاصة ما كتبه بتفصيل عن سقوط المقرة المملكة النوبية، في الشمال السوداني في منطقة دنقلا. ذكر آدمز، أن وفدًا أتى إلى السلطان المملوكي، في عام 1365 من ملك نوبي 

بنية العقل الرعوي ليست بنيةً عقليةً خاصة بالسودان، وإنما بنية وفدت إليه منذ بداية تماهيه مع الفضاء العربي، منذ القرن الرابع عشر الميلادي. وهو تماهٍ اكتملت أركانه على أيدي الخديوية حين غزت البلاد، في نهايات الربع الأول من القرن التاسع عشر. بدخول الثقافة الرعوية

يرى بعض الأكاديميين المعاصرين أن آراء بن خلدون في ما يتعلق بـ "البدو" و"الحضر"، قد عفا عليها الدهر، وهذا ليس صحيحًا، تمامًا. فابن خلدون لا يزال نافعًا في ما نحن بصدده، من صراع القيم القبلية الرعوية مع العقل والعقلانية، ومع بنية الدولة الحديثة، 

وجدت أطروحتي حول ما أسميته "قيد الثقافة الرعوية" الذي يحول دون اكتساب قيم الحداثة، ويصبح، من ثم، طاقةً معيقةً لجهود التغيير، الكثير من ردود الفعل الإيجابية من جانب من قرأوه. وقد وصلتني عشرات الرسائل ممن أثق في سعة معرفتهم،

يقول المفكر البريطاني، جون غراي إن مسار التاريخ ليس خطيًا، أي؛ أنه لا يسير، في جملته، في خط صاعد، من الأدنى إلى الأعلى، أو من الحالة "المتخلفة" إلى الحالة "المتقدمة"، وفق ما هو سائد في فهوم الناس، منذ قرون طويلة. يرى غراي أن حركة التاريخ

لا توجد في السودان، إلى اليوم، معارضة تستحق اسمها. ومن يحلمون بأن تقف المعارضة على رجليها فجأة، لتصبح عملاقًا يُعوَّل عليه في احداث التغيير، واستدامة حراكه، إنما هم واهمون. فالتغيير الجذري لا يأتي فجأةً، وإنما يُبنى لبنةً، لبنة، عبر ثورةٍ فكريةٍ حقيقية