د. النور حمد

التدين الزائف يقود إلى الصلف، والغرور، والاعتداد بالنفس، والتدين الحق يقود إلى التواضع والمسكنة. والمسكنة هنا، لا تعني بساطة الفهم، كما في التعبير العامي، أو الفقر المدقع، كما في التعبير الديني، رغم أن هذين المعنيين، من المعاني، اللغوية 

خرج السودانيونَ من الحقبةِ المهدويةِ الطهرانيةِ المتزمتةِ، ومن حالةِ العسكرةِ والتشميرِ التي امتدت لسبعة عشر عامًا، وهم ممتلئين حنينًا دافقًا لعيشٍ طبيعيٍّ هادئ. فقد ناصروا المهديةَ بقوةٍ، في بدايةِ أمرِها، من أجلِ أن تخلّصَهم من عسفِ الحكمِ الخديويِّ التركيِّ المصريِّ، وفسادِ ولاته،

أصبح الحديث عن قانون الصحافة والمطبوعات، في السودان، في العقد الأخير مشابهًا لـ "حجوة أم ضبيبينة"، التي يُعاد تكرارها في مسارٍ دائريٍّ لا ينتهي. فنظام الحكم القائم الآن، الذي عجز، عجزًا مزريًا، في كل مجالٍ من مجالات الإنجاز، منذ أن جاء قبل ثمانية وعشرين عاماً،

لم يكن عقدا الستيناتِ والسبعيناتِ عقدينِ زاهرينِ في السودانِ وحده، وإنما كانا كذلك على مستوى الكوكبِ كله. فالذي أصاب منهما السودان من حراكٍ ثقافيٍّ، لم يكن سوى جزءٍ يسيرٍ من حالةٍ كوكبيةٍ عامة. ولقد زخرت الأدبياتُ الغربيةُ المكتوبةُ، باعتبارِ عقدِ الستيناتِ من القرنِ العشرين

بدأت ظاهرةُ التراجعِ السوداني، تتفاقم منذُ الاستقلال، غير أن الإحساسَ بها قوِيَ في منتصفِ السبعينات. ولقد رصد الأكاديميون، وغيرُ الأكاديميين، تلك الظاهرةَ رصدًا واسعًا. لكني أود أن أشير هنا إلى الدراسات الأكاديمية التي وثقت لمسيرة التراجع السوداني، التي كتبها كلٌّ من: 

نشر الدكتور التجاني عبد القادر، الإسلامي السوداني البارز، والرئيس الأسبق لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم، والأكاديمي المتميز، مقالاً ملفتًا، الأسبوع الماضي. في ذلك المقال شخص التجاني عبد القادر ما آل إليه نظام الحكم، الذي فرضته الحركة الإسلامية، بقيادة المرحوم الدكتور

لا ننفك، نحن السودانيين، ننظر من فوق أكتافِنا إلى الوراء نحو عقديْ الستينات والسبعينات من القرن الماضي، ونحن مفعمينَ بمشاعر الحنينِ الجارفِ؛ التي يسميها الغربيون "النوستالجيا". ولا غرابةَ، فحاضرُنا المعاشُ عبر العقودِ الأربعةِ المنصرمةِ، ظل كئيبًا ومحتقنًا بلغ به الاحتقان