محاولة لمؤالفة المفهومين
تمازج الأضداد وفجر الروحانية الكونية :-
لا تمكن المزاوجة، ولا التوليف، بين الفكرة العلمانية، والفكرة الدينية، في مستوى التصورات الفقهية المدرسية للدين، وإنما على مستوى الرؤية الروحانية الكلية، اللّامة، المبثوثة في جميع الأديان، على اختلافها، وكذلك، في مرتكزات البنى المجتمعية، التي تأسست، منذ فجر الخليقة، على تصور ديني للعالم، ذي بعدين؛ أحدهما محسوس، والآخر غير محسوس. في مستوى هذه الرؤية اللّامة، التي يتداخل فيها التصوري الديني، مع الواقعي الاجتماعي، تتبدى الاعتمادية المتبادلة بين الدين، من جهة، والعلوم الطبيعية، والإنسانية، من الجهة الأخرى. فالعلوم الطبيعية، والعلوم الإنسانية، لم تعمل، كما يظن البعض، وبالضرورة، لهدم الدين، كما أشارت دوروثي داي لروبرت كولز، وإنما ظلت تعمل، كما أبانت تيارات ما بعد الحداثة، لتوسيع ماعون الدين، وللحفاظ على المعنى، داخل حيوات البشر، حتى لا يضيع. والبحث عن المعنى هو الذي ألجأ الإنسان للتدين حين أرهبت جنانه البيئة المحيطة، عند فجر الخليقة. ولذلك، فالتدين ليس حالة عارضة. وكذلك، فإن صمود التدين، أمام العلم الحديث، وأمام تيارات الفكر الحديث، وأمام الانظمة السياسية الحديثة، التي حاولت أن تفرض العلمانية كنظرة إلى الكون، هو الذي جعل العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، تتجه، تحت ضغط هذا التحدي الاجتماعي القاعدي، الهائل، إلى توسيع ماعونها، هي الأخرى، أيضًا. وكما يرى هبرماس فإن ما يحدث لثقافةٍ ما من معالجات ما، بواسطة النخب، لا يصبح في التو، وبالضرورة، مملوكًا لواقع الحياة اليومية . فالنخب التي ظنت أن الدين ظاهرة ملازمة لطفولة العقل البشري، وهو، من ثم، ظاهرة مرحلية، أدركتها الحيرة حين طالعها عجزها عن ابعاد الناس عن الدين. وهكذا بقي خطاب هذه النخب معلقًا في الهواء.
ولتقعيد هذه الرؤية، على مستوى النقد "الفكري/سياسي"، العصري، يمكن اللمس على طروحات حماة البيئة، التي هي طروحات فلسفية، في المقام الأول، وليست مجرد حراكٍ سياسيِّ لنشطاء، وحسب، كما يظن كثيرون. فلسفة حماة البيئة تقوم على مفهومٍ عميقٍ لوحدة الوجود، في تمثلاتها، اللاعضوية والعضوية، من جهة، وتمثلاتها العقلية/الروحانية، من الجهة الأخرى. هذه الرؤية صاغها كلود ليڤي شتراوس، حيث قال:
الإنسانوية، المرتبة ترتيبا جيدًا، لا تبدأ بنفسها، وإنما تعيد الأمور إلى أماكنها حيث ينبغي: إنها تضع العالم قبل الحياة، وتضع الحياة قبل الإنسان، كما تضع احترام الآخرين قبل حب الذات. هذا هو الدرس الذي يدرِّسنا له البشر الذين نسميهم "بدائيون ومتوحشون"؛ إنه درس التوسط والاعتدال، والأدب والخشوع في مواجهة عالمٍ سبق كائناتنا، وسيبقى من بعدها .
لقد انتجت الرؤية العلمانية للكون، الاقتصاد الرأسمالي. ورغم أن مرحلة التطور الرأسمالي كانت مرحلة ضرورية لتطور الحياة البشرية، فإن الخروج منها يصبح شرطًا، لكي تحتفظ كل من الحياة الطبيعية والحياة الاجتماعية بتوازنهما. لقد اتضح، وبصورة فاضحة، قصور النظرة المادية، الرأسمالية، الاستهلاكية، التي ترى في البيئة الطبيعية، والبيئة الاجتماعية، مجرد مورديْن لمراكمة الأرباح. فالعلمانية بهذا المعنى، تمثل أبشع أنواع الوثنية. فالوثن الأكبر في عالم اليوم، هو وثن الربح، الذي غايته، الأولى والأخيرة، هي الربح، لا أكثر، لقد أصبحت البشرية خادمة، في مجموعها، وعابدة، لصنم، يقع خارج دائرة المعنى تمامًا، وهو صنم "الربح". أصبحت خدمة الربد، من أجل الربح، تجري على حساب كل شيء آخر. وهنا تصبح الرؤية الدينية القائمة على روح الدين، ضرورية للغاية. وقد ناقش غارودي هذه الإشكالية حيث قال، عن نمط اقتصاد السوق، الذي تعتمده، حاليًا، الرأسمالية المتوحشة:
مِثلُ هذا الاقتصاد يستند إلى تصور للإنسان مقصورًا على بعدين وحيدين: الإنسان منتجًا ومستهلكًا. وفي مرحلة الرأسمالية الصاعدة أعطاه ""هوبز" هذا التعريف المقتضب: "الإنسان ذئب الإنسان". والمسألة التي ستكون وحدها هي الحاسمة هي: مسألة وحدة العالم وغايات الإنسان الأخيرة، التي لا يمكن أن يطرحها رجال الاقتصاد والسياسة، الذين يقبلون بمسلَّمة هوبز، مصدر جميع أنواع العنف على مستوى الأفراد، وكذلك على مستوى الأمم. هذه المشكلات الاقتصادية والسياسية تستند في نهاية الأمر، إلى مشكلة الغائية؛ أي، إلى مشكلة دينية .
الإخلال بشروط العلاقة بين الإنسان والبيئة الطبيعية، وبشروط العلاقة بين الانسان، والبيئة الاجتماعية، هو الكارثة العظمى التي تواجه عالم اليوم، وتهدده بالدمار الشامل. وهذا أمر أخذ يحدث، ولأول مرة، في تاريخ العالم، على مستوى الدول الصناعية، والدول النامية، سواءً بسواء. فالمنظومة التصورية، "الرأسمالية/الوثنية"، المهيمنة على عالم اليوم، تدمر البيئة الطبيعية، والبيئة الاجتماعية، معًا، من غير هوادة، وبصورةٍ غير مسبوقةٍ، في كل التاريخ الانساني. إن التحدي الذي نواجهه اليوم، تحدٍّ أخلاقي، في المقام الأول. وقد أضحى هذا التحدي، يواجهنا جميعًا، دون استثناء، وعلى قدم المساواة؛ يستوي في ذلك، ما توصف بأنها دول صناعية كبرى، وما توصف بأنها دول نامية. هذه هي، في تقديري، الزاوية المتاحة لنا الآن، للنظر الفلسفي، التي يمكن أن نلج منه إلى المؤالفة بين "العلمانية"، من جهة، و"روح الدين"، من الجهة الأخرى. فمنظومة الوعي والمادة منظومة واحدة متكاملة. فالقوانين التي تحكم البيئة الطبيعية هي ذات القوانين التي تحكم الوعي البشري. وحين ينحرف البشر عن السراط المستقيم، ويغيب عنهم مسرى القانون الكوني، ويظنون أنهم كيان مغاير للطبيعة، وأن لهم طاقات متنامية، تمكنهم، في نهاية المطاف، من الوقوف في وجه القوانين الكونية، تحدث الكوارث، كما هي حادثةٌ الآن. فالروحانية هي أن تعرف القوانين الكونية، وكيفية عملها على مستوى الطبيعة، وعلى مستوى المجتمع، وأن تتناغم معها، بذكاء، أن تسبح عكس تيارها.
في تلمس المخرج :-
لقد كان من الضروري أن يصل الإسلاميون إلى دست الحكم، حتى يتضح أن "تديين"، الدولة، وهي مجرد جهاز بيروقراطي منظم ومنسق لجهود الأمة، ليس سوى شعارٍ بلا محتوى. على الاسلاميين أن يعوا أن الدولة، من حيث هي، تقف على طرف نقيض، من مصالح الشعب؛ أي شعب. هذا هو السبب الذي يجعل الحزب الجمهوري الأمريكي، وسائر المحافظين، يصرون على "دولة صغيرة"، Small Government. وهي، في تقديري، قولة حق أريد بها باطل. فغرض الجمهوريون من "الدولة الصغيرة" ليس لتوسيع دائرة الحريات، بقدر ما هو افساحٌ في المجال للرأسمال، لكي ينطلق بلا قيود. لكن الشعار من حيث هو شعار صحيح، فالدولة ممثلة في الذين يحكمون، تحرص على سلامة نفسها، فتوسع في سلطاتها، وتبالغ في اجراءات حماية نفسها، ناسية أنها، في حقيقة أمرها، ليست سوى لجنة انتخبها الشعب لإدارة شؤونه ورعاية مصالحة.
استند الإسلاميون، بصور مختلفة، على شعار "الحاكمية الإلهية" ليمنحوا الدولة سلطة مطلقة، وهذا سير معاكس لمسيرة التاريخ، ومناوئ لطبيعة الأشياء. ولقد قدمت التجربة السودانية، في ربع القرن الماضي، أبلغ دليلٍ على فراغ هذا الشعار من المعاني العملية، وعلى عدم جدواه. فلا علاقة البتة بين رسم سياسات تنموية، واقتصادية، وتعليمية، وسياسة علاقات خارجية، ناجحة، ومثمرة، وبين الشريعة الإسلامية.
حين شرعت حكومة نميري في ممارسة ما أسمته "تطبيق الشريعة الإسلامية"، بتشجيعٍ، ومشاركة من الإسلاميين، لم ير الناس شيئًا إيجابيًا، يتعلق بأمر معاشهم، وتقدم اقتصاد بلدهم، وازدياد معدلات نهضتها. ما رأوه، حصرًا، كان قوانين عقوبات بالغة الوحشية، وتجاوزاتٍ فظيعةً في إجراءات التقاضي. ويمكن القول، دون أدنى تردد، إن إجراءات التقاضي الموروثة من الحكم البريطاني، كانت أكثر توخيًا للعدالة، وأكثر حرصًا على حفظ حقوق المتهمين، وكرامتهم الانسانية، مما رأيناه في "محاكم الطوارئ". ولو نحن نظرنا جديًّا إلى الجوهر، وإلى المعني، كما ينبغي أن ننظر، واصطحبنا في رؤيتنا، روح الدين، لوجدنا أن القانون الموروث من الاستعمار البريطاني، هو القانون الإسلامي، حقيقةً، وليست قوانين سبتمبر وممارسات محاكم الطوارئ التي سميت إسلامية.
يضاف إلى ما تقدم، فقد اتضح أن اختيار الطامعين في السلطة للقوانين الإسلامية، لم يكن من أجل تحقيق حياة أفضل للناس، بقدر ما كان من أجل إعادة أنماط الحكم المطلقة، وصور الاستبداد القروسطي، التي خلفتها كثيرٌ من الأمم، وراء ظهرها. فرافعوا شعار "أسلمة الدولة"، و"الحاكمية الإلهية"، إنما يريدون إعادتها مرةً أخرى، تحت مظلة الدين، ليحولوا دون ارتفاع أصواتٍ معارضة لحكمهم. فتحت اللافتة الإسلامية، يصبح من يعارضهم، معارضًا لحكم الله، ولمشيئة السماء. تحت هذه اللافتة، الاسلامية الزائفة تجري المراهنة على العاطفة الدينية الفجة، وسط الجهلاء، فيُمنحوا حيزًا في المجال العام، لم يكن من الممكن أن يحتلوه بغير هذه الصيغة. وهكذا يجري عزل النخب، عن طريق دمغهم بـ "العلمانية"، التي لا ينفك التشهير بها، والصاقها بالكفر والإلحاد. وهكذا ينقلب الهرم الاجتماعي، رأسًا على عقب، وتسير، من ثم، عقارب الساعة إلى الوراء. ولقد قدمت التجربة السودانية، في كل هذه الأمور، أبلغ الأدلة والشواهد.
إبقاء الدولة "علمانية"، هو الذي يحفظ لها "إسلاميتها"، من حيث النظر الجوهري الذي يهتم بحقيقة المعاني. فكل جهدٍ "علماني" لتيسير حياة الناس، وتوسيع نطاق حرياتهم، ورفع العنت عن كاهلهم، وتطوير أساليب عيشهم، وإخراجهم من ربقة الفقر، والجوع، والمرض، والجهل، وحفظ كرامتهم الإنسانية، فهو جهد "إسلامي"، أيًا كان مصدره. وكل جهد يكرس الاستبداد والقمع، ويغمط الناس حقوقهم، ويحبسهم في خانة العوز، وقلة الحيلة، وفي متاهات البطالة، ويغلق أمام أعينهم نوافذ الأمل في الغد، ويعطل تقدمهم، ونموهم العقلي، والوجداني، فهو جهد "كُفري"، "وثني"، بل، هو، من حيث النتيجة العملية، طغيانٌ وفسادٌ في الأرض، وينبغي أن يُناهض، بلا هوادة. ولذلك، فإن مدلول كلمتي "علماني"، و"ديني"، في مستوى شكل الدولة، ودور الدولة، بحاجة إلى إعادة نظر، بعيدًا عن العواطف الفجة، والأشواق الدينية الكاذبة.
أما "العلمانية" بوصفها رؤية للكون، ينبني عليها أسلوب للحياة الشخصية، يمارسه صاحبه، أو صاحبته، بعيدًا عن أعين المجتمع، فهو أمر لا يعني الدولة، ولا يعني المجتمع، في شيء. فالمجتمع ، ودولته، معنيان بالفضاء العام، وليس بخلوات الناس، وضمائرهم. فالخطاب في روح الدين: "وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر". فالحق في انتهاج أسلوب للحياة مهما كانت صورته، مكفول لأهله، طالما لم يخرقوا القوانين الدستورية التي تنظم حياة المجتمع. وطالما احتفظوا بخيراتهم داخل نطاق خلواتهم. وفي هذا لا يختلف الغربيون عنا، رغم اختلاف الدول الغربية عن بعضها في درجة الاتاحة. فالأمريكيون أكثر تحفظًا في المجال العام من الأوربيين. لا ينبغي أن يتخذ دعاة "الدولة الإسلامية" وجود خيارات مصادمة للتيار القيمي العام، لدى البعض، وهي خيارات لم يخل منها مجتمعٌ، لا في القديم ولا في الحديث، ذريعةً للقمع العام، والاستبداد، ومصادرة الحقوق المشروعة، باستخدام فقه سد الذرائع المُصادر، بطبيعته، للحريات الشخصية، بل والحريات العامة .
خاتمة :-
لقد آن الأوان لكي يخرج الجدل حول "علمانية" و"إسلامية الدولة" إلى دائرة جديدة، غير تلك التي ضمته لعقودٍ طويلة، واتسمت بالتبسيط الشديد، وبالسطحية. لقد كرس لحالة الدوران في تلك الدائرة غير المنتجة، وقوف أكثرية المثقفين العرب على السياج، تجاه قضية الاصلاح الديني. فقد اكتفوا بالفرجة، ظنًا منهم أن القضية لا تعنيهم، وإنما هي جدلٌ داخل سور الدين، لا شأن لهم به. ولربما كان لاعتقادهم أن الدين ظاهرة انقراضها حتمي، دور في وقوفهم على السياج، على ذاك النحو. لكن، اتضح بما لا يدع مجالا للشك، أن الدين باق في حياة عامة الناس. وهو لن يخرج منها، لأنه مثّل، منذ فجر الحياة على هذا الكوكب، استجابةً طبيعيةً لحاجة عميقة في نفوس البشر، تتعلق بإيجاد معنى للوجود، ومصدرًا للطمأنينة من المخاوف الوجودية. وقدرة الدين، بمختلف صوره، على مخاطبة هذه الحاجة، لدى عامة الناس، لا تماثلها قدرةُ أخرى، على الاطلاق. لكن، بقاء الدين وسط العامة، بمفاهيمه القديمة، المناقضة لكل صور الحداثة، جعل منه أداة للتخريب والانتكاس، لا تماثل قوتها، وخطرها، قوةٌ أخرى. ومن ينظر إلى ما جرى في العقود الثلاث الأخيرة، من تهديد الارهاب، والهوس الديني، للاستقرار ولأمن الشعوب، يدرك حجم الإشكالية.
تقف المفاهيم الدينية الإسلامية القروسطية، عقبة كأداء في وجه جهود التحديث، والتنوير، والدمقرطة. ويعود بقاء هذه المفاهيم، واستمراريتها، في شرقنا العربي الإسلامي، إلى حدٍ كبير، إلى ترك المثقفين، الحبل على الغارب، لرجال الدين، والإخلاء بينهم، وبين الجمهور، بالكلية. لقد تحاشت غالبية المثقفين الخوض في مناقشة قضية الدين، وتركتها بالكلية لرجال الدين وللجمهور. وقد أبقى هذا مجال الجمهور، ومجال النخب، مجالين متوازيين لا يتداخلان، ما جعل غالبية الجمهور واقعةً في قبضة رجال الدين، فبعدت عقولهم عن روح الدين، والتصقت بحرفه. إن نهج الإصلاح الديني هو النهج الأمثل للنهضة، لأنه نهج غير نخبوي، لا يبعد العامة عن مائدته. فالمثقف العميق الفكر لا يتجه لنسف فكرة الدين من جذورها، وإنما يتجه لإصلاحها. فالدين متشكل اجتماعي تاريخي، قائم. وهو، من ثم، بنية لا يمكن تقويضها، ولا ينبغي أصلاً تقويضها، كما أنها، لا يمكن الالتفاف حولها. يضاف إلى ذلك، أنها تحمل في بعض تجلياتها طاقةً ثوريةً تقف وراءها قوة جماهيرية بالغة الضخامة، وكذلك تنظيمات مجتمعية قاعدية، كما في الطرق الصوفية. وفي مجتمعاتنا، تبقى هذه القوة الضخمة عرضة لأن يستخدمها الجهلاء، أو المغرضون، من أجل أطماعهم، فيسوقون الحياة إلى الوراء، أو، يستغلها الخيّرون المستنيرون، لدفع الحياة إلى الأمام. فإذا لم يدخل المستنيرون في دائرة الجدل الثائر حول قضية الدين والعلمنة، بخطاب مرتكز على روح العلمنة، وروح الدين، فإن هذه القوة بالغة الضخامة تنتهي في يد الجهلاء وأهل الغرض من الطامعين في السلطة والثروة، على حساب الجميع. وهذا ما نراه اليوم جاريًا، خاصة في السودان.
يمثل توليف المفاهيم، التي تبدو، لدى النظر القصير، مفاهيم متعارضة، تعارضًا كليًا، ومنها مفهوم "علماني"، و"ديني"، مدخلاً لانخراط النخب في معركة الإصلاح الديني. ويلزمني التنبيه هنا، أن معركة الإصلاح الديني، لا تقف عند الدين، وإنما تتعداه لتشمل إصلاح العلمانية ذاتها. فالمصطلحان بحاجة إلى إعادة الانتاج داخل فضاء التدين في معناه الكوني الواسع، وداخل فضاء العلمانية، بعد اخراجه من دائرة الثنائيات المتعارضة التي احتوته منذ فجر حقبة الحداثة. بالانخراط في جدل الاصلاح الديني يجري اصلاح العلمانية الاجتزائية، الانتقائية، التي عاشت عليها نخب البيئات الاسلامية، فأصبحت غريبة في أوطانها. ويجري اصلاح الدين بإخراجه من دائرة العاطفة الفجة، والشعارات، والمزايدات الخطابية الجوفاء، وحالة انفصال الفكر عن الواقع، وحالة الانكار، التي نراها اليوم.
.............................................................
16/ J. Habermas, Modernity versus postmodernity. In H. Riassti (Ed.), Postmodern Perspectives: Issues in contemporary art, Prentice Hall, Englewood Cliffs, NJ: 1990, pp 54-66.
17/ أنظر: Morris Berman, The Reenchantment of the World. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1984, p235.
18/ روجيه غارودي، نحو حرب دينية: جدل العصر، (ترجمة صياح الجهيم)، دار عطية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1996، ص ص. 14 –15
18/ من أمثلة فقه سد الذرائع: تُمنع المرأة من السفر لوحدها، خشية الفتنة والإغواء.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

///////////////////

////////////////////

///////////////////