انطلق هذا الطرح من ملاحظة مركزية، لم أبدأ بها هذا الطرح، رغم أنها وقفت وراءه، وكانت مبتدأه. وآثرت أن أسبق عرضها بمراجعات لتاريخنا، ومحاولة تلمس جذور البدوية والرعوية في وعينا، التي لا تنفك تمسك بنا وتقعدنا عن اكتساب الحداثة، وتعيق قدرتنا على النهوض بحياتنا، ودفعها إلى الأمام. لقد كمنت القيم البدوية والرعوية طيلة فترة التحديث الاستعمارية، التي فُرضت علينا، من علٍ، فرضا. وما أن خرج المستعمر انسربت تلك القيم البدوية والرعوية التي كانت كامنة تحت السطح، إلى مركز إرث التحديث القليل الذي ورثناه من الحقبة الاستعمارية، وفجرته من الداخل. 

تتعلق تلك الملاحظة المركزية بحالتيْ السودان والصومال، بوصفهما أكثر الدول تعثرًا في إفريقيا، بل وفي العالم بأسره، في ما يتعلق بالأخذ بأسباب الحداثة. فالأحوال الداخلية المتردية في هذين القطرين، تدعم زعمي هذا، بما لا مزيد عليه. كما تعضده أكثر، كل التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية، في العقود الأخيرة. وهي تقارير سنوية تصدرها هذه المنظمات تكشف فيها مستوى أداء الدول في جوانب عديدة. ولقد بقيت هذه التقارير تضع كلاً من السودان والصومال، في ذيل القائمة. هناك مشترك ما في بنية الوعي في هذين القطرين. فلو قارنّا السودان والصومال بكل من إثيوبيا، وكينيا، ويوغندا، لاتضح لنا أن سببًا ما قد جعل هذه الأقطار الثلاثة تنعم بمقادير أكبر من الاستقرار النسبي، ومن القدرة على الحفاظ على مكتسبات الحداثة، وتحقيق نمو لا بأس به، في جهود التحديث والتمدين. وفي تقديري أن القبلية، وبنية العقل الرعوي، وتبنّي نسخة فجة من الإسلام، اشتُهِر بها الرعاة في التاريخ الإسلامي، هي التي أقعدت كلا من السودان والصومال عن النهوض. فطبيعة الحياة البدوية، وبنية العقل الرعوي التي تتحكم فيها، تقفان، بطبيعتهما، ضد المؤسسية، وضد المساواة أمام القانون. فكل بدوي يرى أن قبيلته هي خلاصة، خلاصة البشر. وهذه خاصية تاريخية ضرورية حمت بها القبيلة نفسها. فأفراد القبيلة يجري تسلحيهم معنويًا، منذ نعومة أظافرهم، بأنهم الأفضل، والأعلى، والأحق. ولا مجال للمقارنة بينهم وبين غيرهم. فغيرهم لا يستحقون مثلما يستحقون هم. بل إن العشائر التي تنتمي إلى قبيلة واحدة يضع كل قبيل منها نفسه في مرتبة أعلى.
بنية العقل الرعوي هي التي وقفت وراء سيادة العلّة الأساسية المجهضة للمؤسسية في الدولة الحديثة، وهي المحسوبية. فما يسمى "الواسطة"، أو"الضّهر"؛ أي وجود أقارب في مراكز اتخاذ القرار، كانت، ولا زالت، تمثل ميزة يتباهى بها من يمتلكها. وعلى سبيل المثال، هناك قناعة رسخت منذ فترة طويلة، وهي أن من لا يملك "واسطة"، لا يستطيع أن يدخل الكلية الحربية، أو كلية الشرطة. فهاتان الكليتان، كما هو معلوم، تمنحان مدخلا على مركز السلطة، وعلى دوائر النفوذ، ومن ثم تأمين المصالح. ولا ينحصر ذلك في مجرد أن الزي الرسمي يفتح كثيرًا من الأبواب المغلقة، وإنما يتعدى ذلك إلى اتاحة الفرصة للاشتراك في أي انقلابات عسكرية مستقبلية محتملة. (راجع شريف حرير، إعادة تدوير الماضي في السودان: نظرة عامة للتحلل السياسي، (ترجمة مبارك علي عثمان، ومدي النعيم)، في: شريف حرير وتيرجي تفيدت، السودان: الانهيار أو النهضة، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، ج م ع، 1997، ص 56). وقد ظل سودانيو الهوامش المختلفة يعتقدون، وهم محقون، أن مجالات معينة في الخدمة العامة ظلت حكرًا على أبناء السودان النهري، كضباط الجيش، والعمل في وزارة الخارجية، أو الخدمات التي ارتبطت بالسكك الحديدة والنقل النهري، ومشروع الجزيرة. وقد برزت هذه الاحتكارية العرقية لوظائف الدولة، بصورةٍ صارخة، جدًا، في عملية السودنة. فمن بين 800 وظيفة كبيرة جرت سودنتها قبل الاستقلال، بقليل، حصل كل الجنوبيين على ستّ وظائف فقط؛ أربعة جرى تعيينهم مفتّشي مراكز، إضافة إلى اثنين جرى تعيينهم، في وظيفة مأمور. (يوسف محمد علي، الوحدة الوطنية الغائبة، مركز عبد الكريم ميرغني، أم درمان، السودان، 2012، ص 33). وما من شك أن ضغوط أهل الهامش المستمرة على المركز، أثمرت، لاحقًا، بعض التغيير في هذه الصورة. غير أن التغير لم يكن جوهريًا، بقدر ما كان رضوخًا لمحاصصاتٍ مؤقتة، فرضتها ضرورات توازن القوى، واللعب على عنصر الزمن. وهي تبدلات سطحية تسير في ذات الوجهة القديمة، مع تعديلات طفيفة لا تغير من جوهر الموضوع، ولا تسير في وجهة استعادة المؤسسية والجدارة. ويظهر هذا جليًا جدًا في كوتات الوظائف التي تمنحها الحكومات، عقب كل اتفاق سلام، مع فصيل من الفصائل المحاربة.
يرى شريف حرير وتيرجي تفيدت، أن المحاباة يجري استخدامها بوصفها وفاءً أخلاقيًا للأقارب، فتتحول المحاباة من علة هادمة للمؤسسية وللشفافية، إلى فضيلة اجتماعية مقدرة وسط متنفذي القبائل المسيطرة. وهكذا، يجري الالتفاف على القوانين والضوابط، ليتحقق ما يراه كبار شاغلي الوظائف العامة وفاءً وواجبًا أخلاقيًا، تجاه أهلهم. فالخضوع للتبعية، ولأنظمة الحماية القاعدية في المجتمعات، وسطوة القيم القبلية، هي التي تفرض المحاباة. وهي التي تجعل الأحزاب السياسية، والخدمة المدنية، لا تقفان عند حد انتقاء الأفراد للوظائف العامة، بسبب صلة القربى، وحسب، وإنما تتجاوزان ذلك، إلى حماية الفساد، ومأسسته، وغضّ النظر، كليًا، عن سوء الإدارة. (شريف حرير وتيرجي تفيدت، مصدر سابق، ص 56). لقد سيطرت هذه القيم الجهوية الرعوية على مسارات العمل الإداري في السودان سيطرة شبه كاملة، لأن سلطة العقل الجمعي المتشكل على هذه الصورة، تصعب مقاومتها، إلا لدى قليلين. فإذا وقف الموظف العام أمام رغبات ذويه، في فتح الأبواب لذويه لمجرد صلة القربى، فغالبًا ما يسمع من أهله وأقاربه عبارة: "الزول ده ما فيهو فايدة". وقليلون من يقوون على الوقوف أمام هذا التيار التخريبي الجارف.
لا يقف هذا النمط من القيم المعتلة وراء التوظيف فحسب، وإنما يمتد إلى منح ملكية الأراضي، ومنح تراخيص المشاريع الزراعية، ومنح الرخص والتصديقات، وخلق مسارات جانبية تلتف على النظم واللوائح والقوانين، لتتمكن فئات بعينها من الإثراء على حساب الآخرين. ففي المستبطن من قناعات بنية العقل الرعوي، ليس هناك دولة ومواطنون، وإنما هناك؛ نحن، وهم. ولقد تشابه السودان والصومال، في هذا المنحى، تشابهًا يصل حد التطابق. وتمثل حقبة سياد بري المثال الأوضح في هذا النهج الجهوي الاستحواذي. فعلى الرغم من أن الصومال قطر متجانس عرقيًا ودينيًا ولغويًا، إلا أن سياد برى منح عشيرته "الدارود" كل شيء في الدولة، وحرم العشائر الأخرى من أي شيء فيها. فالموارد العامة في الصومال جرى تحويلها في فترة حكم سياد بري إلى جيوب النخب التي ترعى شؤون العشيرة. وبهذا تحولت المؤسسات القديمة، التي هي ليست جزءًا من نظام سياد بري القمعي، إلى قواقع فارغة. ( راجع: Lidwien Kapteijns, Clan Cleansing in Somalia: The Ruinous Legacy of 1991, University of Pennsylvania Press, 2013, p2) .
حين لا تكون في مواجهة القبيلة، قبيلة أخرى، تنازعها على الحيازات، تنقسم القبيلة على نفسها، ويتحول الصراع، من صراع مع "الآخر" المغاير، إلى صراع بين العشائر في القبيلة الواحدة. فمنظومة الانتماء الرعوية لا تنسى التراتبية التي هي أصل كل شيء فيها. فالهرمية التي تتعامل بها القبلية مع الخارج، واضعة نفسها على قمتها، موجودة أيضًا في الداخل، حيث تضع عشيرة نفسها على القمة، بإزاء بقية العشائر. عمومًا، تناقض بنية العقل الرعوي، جوهريًا بنية الدولة الحديثة. فهي لا تعرف الصالح العام، ولا تعرف المؤسسية، أو الشفافية، أو أي شيء من هذه المصلحات المرتبطة بالفكر السياسي الحداثي. إنها تعرف القبيلة والعشيرة، والفخذ، وأحقيّتها المطلقة في الحيازة. ومثلما كانت الحيازة تتحقق في الماضي، ولا تزال، عن طريق السيف والرمح، أصبحت تتحقق، لبنية العقل الرعوي المتغلغلة في بنية الدولة الحديثة، بالقرطاس والقلم، عن طريق المتنفذين الذين لا يزالون خاضعين لعقل القبيلة ومنظومة قيمها. فالدولة الحديثة لا تقوم بغير تخليق بنية وعي حداثيٍّ، وبغير إخراجٍ كليٍّ لبنية العقل الرعوي، التي تسربت إلى جسد الدولة الحديثة، كما هو الحال في السودان والصومال، حيث بلغ تغلغلها حد الوصول إلى نواة الدولة، وتفجيرها من الداخل.
كما سبق أن أشرت، هذه المقالات ليست سوى مساحة للعصف الذهني. ولا يدعي كاتبها أنه ممسك بكل خيوط هذه القضية المعقدة. ما يملكه كاتبها، ويمكنه قوله بثقة كبيرة، أن هناك أجندة بحثية جمة، لا تزال تنتظرنا. وأن الحلول لا تأتي إلا عن طريق البحث العملي، وسيادة عقلية البحث العلمي، بعد القضاء على نزعات "الكلفتة" والابتسار في تناول القضايا. فنحن لسنا بحاجة إلى اختراع شيء جديد. فهناك منظومة من العلوم الإنسانية التي يمكن عن طريقها ملاحظة الظواهر الاجتماعية والاقتصادية، وتحليلها، بحيدة وموضوعية. ولابد من الإشارة هنا، إلى أن بنية العقل الرعوي تتسم بالميل الشديد إلى التبسيط، والاختزال، واستسهال الأمور. يصيب بنية العقل الرعوي الإعياء السريع من التفكير، والتأمل، لأنهما ليسا من طبيعتها. وهو إعياء يصيب حكوماتنا، كما يصيب قوى المعارضة لدينا، أيضا. فالخطاب السياسي لدينا لا يزال خطابا مشغولا بالكسب السريع، ويتسم بقصر النظر، وبالعجلة، والنزق، وضمور المعارف، والكسل العقلي، الذي يقود إلى انصرافٍ تلقائيٍّ عن التأمل في أصل الظواهر، والانحصار، من ثَمَّ، في الانشغال بـ "المجابدات" السياسية اليومية، التي ما أنجبت، عبر تاريخ حقبة ما بعد الاستقلال، لدينا، سوى مواليد مشوهين.
بعبارة أخرى، مهمة الأكاديمي والباحث، ليست الانضمام إلى صفوف الراكضين إلى السلطة، بلا عدة أو عتاد، وإنما البحث في أصل الظواهر، بروية، وبعمق، بغية تحليلها وتفسيرها. ولا أعني هنا أن يبقى الباحث أو الأكاديمي في برج عاجي، أو أن يمتنع كليًا عن الناشطية السياسية، أو أي ناشطية أخرى، تسعى إلى التغيير. فالمثقف العضوي، كما عرّفه غرامشي، وإداورد سعيد، وغيرهم من المفكرين، مثقف فاعل مناضل. غير أن الفاعلية والنضال كثيرًا ما تُبتذل وتتحول إلى أعمال شعبوية دارجة. مهمة المثقف والأكاديمي الباحث هو تلمس العلل المركزية، وسبر أغوارها، والتعريف بها، من أجل أن تقف وراء إرادة التغيير رؤية واضحة. وليصبح، من الممكن، رسم سياسات محكمة، لا تهتم بالتجميل الفوقي لسلطة النخب الطافحة فوق ركام الفوضى السائدة، وإنما تنصرف عن هذا الطريق المطروق، الذي خبرنا مغبّاته، مع مختلف الأنظمة، ديكاتوريِّها وديمقراطِّيها، لتصل إلى جذور الأزمات وإلى القواعد الشعبية، لتغير البنية العقلية، وإعادة تعريف الذات الجمعية، وحشد العقول وحفزها إلى السير في وجهة المؤسسيّة والشفافية وحكم القانون، واحترام القانون. بغير ذلك، لن تنجح أي جهود في إعادة المؤسسية للحياة، بعد أن شبعت موتًا، عبر ستّ عقود من النزاعات الدامية المريرة، التي لم تخرج من إطار نزاعات "الإيقو"، Ego disputes، بين الأشخاص. وهي نزاعات تخفي نفسها وراء مختلف المزاعم المضللة.
لقد ظل التنافس، عبر سنوات الاستقلال، منصبًا على الوصول إلى حيث توجد مفاتيح خزائن المال العام، وتحويله، من ثم، عبر مختلف الحيل، إلى الجيب الشخصي للعائلة، وإلى الأسرة الممتدة، ومن بعدهم إلى سائر المحاسيب الداعمين. كما يجري تحويل المال العام في وجهة منظومة القوى الأمنية، بمختلف مسمياتها، من أجل ضمان البقاء في السلطة. فحين تتحول القُوى الأمنية إلى طبقة جديدة ملحقة بمركز السلطة، وتصبح ذات مصالح اقتصادية واجتماعية نابعة من مركز السلطة، تستميت هذه القوى الأمنية في الدفاع عن الأوضاع القائمة. كما تندفع بشراسة لقمع أي بادرة معارضة تشتم فيها تهديدا لمصالحها الاقتصادية، أو للمزايا الاجتماعية التي اكتسبتها.
بغير لمس جذور العلل المزمنة، لا تتخلق الدافعية للإصلاح: لا لدى النخب ولا لدى العامة. هذه الدافعية والرغبة الصادقة في تحسس أصل العلل تمثل ركنا شديد الأهمية في مسار تبديل الذهنية، ومن ثم في مجريات عملية التغيير. مرة أخرى، من يعمل للتغيير وهو منصرف عن مناقشة علل الثقافة السائدة، لن ينجز أكثر مما ينجزه حاطب الليل. هذا إن قُدر له أن ينجز شيئًا، أصلا. فما ظللنا نشهده، منذ الاستقلال، ليس سوى مسلسلٍ متِّصلٍ من التراجعات، بلغ أن وضع الدولة ذاتها، التي نتقاتل، من منطلقات جهوية، على تملك مفاصلها، في مهب الريح. وبطبيعة الحال، فإن الأنظمة العسكرية تعبر عن هذا المنحى الذي أتحدث عنه، أكثر مما تعبر عنه الأنظمة الديمقراطية. غير أن الأنظمة الديمقراطية لم تسلم من الاسهام في هذا التخريب، بل هي التي كانت تتيح، باستمرار، للعسكريين ذرائع الوصول إلى السلطة.
ما وددت التركيز عليه في هذه الحلقة، أن الواجب المباشر، الذي ينبغي أن يكون أكثر الزامًا للمثقف وللأكاديمي الباحث، هو البحث عن أصول الظواهر، خاصة حين تقع البلدان، كما هو حال بلادنا، في دوامات العجز والركود، وتراجع الأخلاق، وتفشي التدين المظهري، وانهيار منظومة القيم النبيلة، واضمحلال التمدن، وتراجع العقول والفهوم، وتسارع وتيرة "بَدْوَنَة" الوجدان، التي انخرطت فيها قنواتنا الفضائية. كل أولئك يجري لدينا في السودان، الآن، على قدم وساق، وبوتائر بالغة السرعة. ورغم ميلِ الحالِ الذي لا يحتاج إلى دليل، فالويل والثبور، لمن يجرؤ، ويمد إصبعه، ليشير إلى أيٍّ من ذلك. فللركود والتراجع حراسٌ لا يترددون في تصويب فوهات بنادقهم لكل من يحاول لمس صنمهم الذي يحرسون به مصالحهم، كحال قريش قبل الاسلام.
في ظروف المنعطفات التاريخية الحادة، والانهيارات الاستثنائية، ينبغي أن يقف الأكاديمي على مسافة، من الجوقة التي لا تحب أن ترى أو تفكر في شيءٍ، سوى تغيير قمة هرم السلطة المتمثل في الحكومة. وعلى مسافة، أيضًا، من الملتفين حول مركز السلطة الذي لا يرون أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان. هذه المسافة الفاصلة جد ضرورية للباحث لكي يمسك بعنان عقله ووجدانه، ومعرفته، ويحبسهما من الانزلاق في مجرى الاندفاعات الغوغائية، العمومية، الدارجة، التي تحركها غالبية القوى المعارضة، وكذلك الخطاب السلطوي التخديري المُقْعِد للقوى المسيطرة. بغير ذلك، لن يتمكن الباحث من رؤية المشهد برمته، ومن جميع زواياه، ولن يصل إلى اكتشاف الظواهر، وبلورة فهم متكامل لأصلها وأسبابها، ولن يتمكن، من ثم، من تحليلها، والدعوة إلى مناقشتها بشفافية، من أجل الوصول إلى طرق لمعالجتها.
كما سلفت الإشارة، يمثل كل من السودان والصومال نموذجين استثنائيين في التراجع والفشل. وتمثل الصومال، بخاصة، حالة غريبة، منعدمة النظير في صعوبة تحقيق الوحدة الوطنية، وفي قدرة وإصرار الفاعلين فيها على تخريب بنية الدولة، وكلك، في الاستعصاء الشديد على التحديث. وتأتي الغرابة، كما سلفت الإشارة، من أن الصومال بلدٌ متجانسٌ، من حيث الأصل العرقي، واللغة، والدين، ولكن، مع ذلك، بقيت مضطربة لعقود، ولا تزال مضطربة، إلى اليوم. والذين يرون في التنوع السب الرئيس للتناحر، ويدعون إلى التجانس، عن طريق بتر أطراف البلدان، عليهم أن ينظروا إلى الصومال، الذي لا يوجد بلد في العالم يماثله في التجانس. يقدم الصومال أسطع الأمثلة على أن التجانس العرقي والديني واللغوي، لا يمثل، وحده، صمامًا للأمن والاستقرار.
أنشأ سياد بري نظام حكم فاسد، واتخذ سياسة عشائرية، ليحكم قبضته على السلطة. اتجه برَّي إلى النظام الوراثي، وصعّد عشيرته (الدارود)، إلى قمة هرم السلطة، فسيطرت على جميع ركائز الاقتصاد. انصرف سياد بري عن العمل الجاد لتطوير الصومال وتحديثه، وبناء اقتصاد حديث نامٍ، وتحقيق للوحدة الوطنية فيه. اعتمد بري في الاقتصاد على المعونات التي وفرتها له تحالفاته في حقبة الحرب الباردة. غير أن المعونات ظلت تذهب في وجهة تقوية الأجهزة الأمنية، وشراء الذّمم طلبًا للدعم والمساندة، حتى سميت الوجهة التي تنتهي إليها تلك المعونات، بـ "مقبرة المعونات"، (راجع: سولومون ديرسو، وبيروك مسفين، الصراع في أقاليم الصومال، مركز الإمارات للبحوث والدراسات الاستراتيجية، أبوظبي، 2010، ص 17). وبانهيار نظام سياد بري، دخلت العشائر الصومالية، المنتمية إلى أصل عرقي واحد، وتدين بدين واحد، وتتكلم لغة واحدة، في دوامة متطاولة من التناحر. وقد اشتد الصراع العشائري في السيطرة على مقديشو، بين محمد فارح عديد وعلي مهدي، عقب هروب سياد بري، حتى انقسمت العاصمة إلى شطرين. (المصدر السابق، ص 20). وهكذا بدأت حقبة لوردات الحرب، وتناسلت الانقسامات على مختلف الصعد، واستمرت حالة الاضطراب، إلى يومنا هذا.
من يرون أن تفكك الدولة في الصومال تسببت فيه سياسات سياد بري الداخلية، ومحاولته إعادة احتلال إقليم أوغادين، الذي جره إلى الحرب مع إثيوبيا، وخسارته تلك الحرب، وغير ذلك من الأسباب، لا يذهبون بالتحليل إلى نهاية الشوط. فالمشكلة تكمن أصلا في البداوة، وفي العقلية الرعوية، وفي الاعتماد، في إدارة الدولة الحديثة، على البنيات الاجتماعية الأولية، المتمثلة في العشيرة، وما تنطوي عليه من تعصب أعمى، وأنفة، وحرص لا يني في النظر إلى الآخرين من علٍ، زراية بهم، واستحقارا لهم. وقد فاقم انهيار الدولة في الصومال، الذي تسببت فيه العشائرية، النزعة العشائرية أكثر، فأكثر. فلقد أدى انهيار الدولة إلى احتماء الأفراد بقبائلهم وعشائرهم طلبًا للأمن والحماية. ولما لم تعد هناك مؤسسات وسلطة مركزية تفرض القانون والنظام، لجأت القبائل والعشائر، بل والمؤسسات إلى تسليح نفسها لضمان أمنها وفرض قوانينها. وهكذا اختفت المؤسساتية من الوجود تمامًا، أو كادت. وانفتحت أبواب البلاد، من ثم، لتجار السلاح لعدم وجود سلطة مركزية تراقب الحدود، (المصدر السابق، ص 26). وتفاقمت الأوضاع، حتى أضحى الحال في مجمله، باعثًا على اليأس.
لا تملك بنية العقل الرعوي صبرًا على المؤسساتية وعلى حكم القانون، والتقيد بالنظم، رغم أنها تهتم بتلك الأمور في سياق حفاظها على بنيتها كمؤسسة منفصلة، لا تخضع إلا لذاتها، ولا تتبع سوى منطقها التاريخي في السيطرة، واحتكار موقع اليد العليا، الذي ورثته صاغرًا عن كابر. أيضًا، لا تملك بينة العقل الرعوي، بحكم تضخم "الإيقو"، والغلو في الأنفة، والعُجْبِ المطلقِ بالذات، قدرةً على المساومة، أو استعدادًا للوصول إلى الحلول الوسط. ولذلك غالبًا ما تقودها هذه الخصائص إلى نسف مؤسسة الدولة، حين تطالها يدها. ولسوف أجري مقارنة في الحلقة القادمة بين أحوال السودان والصومال، بإزاء كل من إثيوبيا وكينيا ويوغندا، طمعًا في أن ينشأ في أذهاننا جميعًا السؤال الشهير، شديد الأهمية: لماذا هم كذلك، ونحن هكذا؟ ففرضيتي المبدئية، في مجمل هذا الطرح، أن السودان والصومال غلبت في تاريخهما القريب، قيم البدو الرعاة. فغلبة قيم البداوة ظاهرة جديدة، خاصةً في تاريخ السودان القريب. فعمر "البَدْوَنَة" وقيمها، التي جلبها الأعراب إلى السودان، لا يتعدى السبعمائة عام. وهذا مسار قصير تسهل مراجعته، كما تسهل إعادة الأمور فيه إلى مسارها القديم، الذي اعترضته عوارض البداوة، وقيم الرعاة، وحرفته عن مساره.
(يتواصل)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.