عندما قدمت إلى ولاية فيرجينا، لأول مرة، عام 1992، سكنت وأسرتي في مدينة أليكساندريا (الإسكندرية)، التي تطل مباشرة على العاصمة واشنطن دي سي من الضفة الغربية لنهر البوتاماك. حينها كنا قلة من السودانيين مبعثرين في أرجاء منطقة واشنطن الكبرى التي تشمل إضافة إلى واشنطن العاصمة، أجزاء من ولايتي فرجينيا وميريلاند. كنا حينها، لقلتنا، نعرف بعضنا. بعد عامين ويزيد قليلا غادرت منطقة واشنطن وتنقلت في عدد من الولايات الأمريكية الأخرى، وانتهى بي التطواف في دولة قطر لأمكث فيها عقدا كاملا من الزمان. وقبل شهر ونصف، وبعد غياب استمر لأكثر من عقدين، عن فرجينيا عدت إليها لأسكن مدينة ألكساندريا مرة أخرى، ولكن، لأجدها قد تغيرت، ديموغرافيا، بصورة لا تصدق.

قبل بضعة أيام تنادى السودانيون لحفل أقاموه لدعم جهود علاج الدكتور حيدر ابراهيم، أبلغه الله تمام العافية. اختار المنظمون للحفل قاعة في ضاحية سبرينغفيلد جنوبي ألكاسندريا. أذهلتني في هذا الحفل أعداد السودانيين، وتعدد أجيالهم. فعلى سبيل المثال، كان هناك مربي الأجيال الأستاذ الطيب السلاوي، وكان هناك الفنان عبد الكريم الكابلي، ومن هم في مثل سنهم. وكان هناك من هم في مثل سني ومن هم دوني بجيلين، أو نحو ذلك. كما كان هناك من هم أقل عمرا، ابتداء بطلاب الجامعات والثانويات ومن دون ذلك، وانتهاء بالأطفال. لم أعرف في هذا الحضور الضخم سوى قليلين ممن بقوا في منطقة واشنطن الكبرى منذ بداية التسعينات. لقد رأيت حيوات سودانية، متعددة الفئات العمرية، تتشكل في هذه البوتقة الجديدة التي تبعد قرابة العشرة آلاف كليومترا عن الوطن الأم. واستحضرت في ذهني، أن هذا الشي نفسه يحدث للسودانيين؛ في كندا، وفي أوروبا الغربية، وفي استراليا، وفي العديد من دول العالم الأخرى. هذا، بخلاف الهجرة المؤقتة الطويلة للسودانيين، في الجزيرة العربية والخليج، التي تنتهي بالبعض إلى نفس هذه المهاجر الغربية، بعد وقت، قد يطول وقد يقصر. إنه نزف للطاقات وللعقول لم يعرفه السودان شبيها له منذ أن خُلق الله الأرض ومن عليها.
يتكون مكان الاحتفال من عدد من القاعات المتجاورة. وكان في أحد القاعات المجاورة حفل عرس، أظنه باكستاني، أو أفغاني، لا أستطيع أن أجزم. اكتظت ردهات مجمع القاعات بهذا الخليط من السودانيين وغير السودانيين. وحزرت مما شاهدته من تغير ديموغرافي في مدينة أليكساندريا، أن هذه القاعات نادرا ما تشهد فعاليات للبيض أو للسود من المواطنين الأصليين. فقد تحولت مدينة ألكساندريا وضاحية سبرينغفيلد، في أقل من ربع قرن من الزمان، إلى مناطق تتزايد فيها أعداد المهاجرين، باستمرار، حتى أصبح وجود المهاجرين هو السمة الغالبة عليها.
وعلى سبيل المثال، فإنني نادرا ما يصادفني البيض في البناية التي أسكن فيها. سوق المتاجر الصغير الواقع في تقاطع شارعي جورج ميسون وسيميناري، تحول من سوق (بلازا) يغلب عليه الطابع الأمريكي، إلى سوق تسيطر عليه الأعمال التجارية لأهل الثقافات الوافدة. هذه (البلازا) يحتل معظمها الآن الإثيوبيون، بمتاجرهم ومطاعمهم، تشاركهم قلة قليلة جدا من العرب، إضافة إلى متجر أو متجرين للسودانيين. العاملون في مختلف المولات الواقعة في هذه الناحية، إما إثيوبيون وإما من مهاجري أمريكا اللاتينية، أو غير ذلك من بلاد الله. يقول المشهد الجديد إن أمريكا تتحول. إنها تخلع قميصا قديما طالما لبسته، وتكسو نفسها قميصا جديدا، تماما مثلما تفعل الحية. فأمريكا تملك مراكز أبحاث مسموعة الكلمة، تفكر وتعمل باستمرار لسد الثغرات. إنها تقرأ مؤشرات التراجع بعقل علمي محايد، وتعمل على وضع الحلول، وتوصي بتنفيذها كمن يقدم وصفة طبية لا مناص من اتباعها. فأمريكا تشيخ، من عدة وجوه، وهم، بسبب ذلك، يعملون الآن، بكل طاقتهم لتجديد شبابها، عن طريق فتح الباب على مصراعيه، للمهاجرين.
بدأ برنامج استقدام المهاجرين المسمى "اللوتري"، منذ أكثر من عقدين من الزمان، بغرض دعم التنوع في الحياة الأمريكية. وأخذ الاستقدام يتخذ نمطًا ثابتًا، منذ أن أجاز الكونغرس في عام 1990 مرسوما باستقدام 50 ألف مهاجر سنويا من الأقطار الأقل تمثيلا في النسيج الديموغرافي الأمريكي، ومن بين هذه الأقطار السودان. وقد ظل هذا العدد من المهاجرين من هذه الدول الأقل تمثيلا في النسيج الديموغرافي الأمريكي يدخل أمريكا سنويًا منذ ذلك التاريخ.
ظل البيض، منذ نهاية الفصل العنصري، يهربون إلى الضواحي، كلما تكاثرت أعداد الملونين من حولهم في المناطق التي يقطنون فيها؛ سواء كان هؤلاء القادمون للسكنى في مناطقهم من الأمريكيين الأفارقة، أو من المهاجرين الجدد. وتدل هذه الظاهرة على تفشي فوبيا الملونين وسطهم. وما لا يعرفه، هؤلاء البيض، أو يعرفونه، ولكنهم ينكرونه، أو يتجاهلونه، أن أمريكا مرشحة لأن تصبح قطرا قوامه الملونون. فكل القراءات تقول إن هذا الانقلاب الديموغرافي ربما يحدث قبل أن ينتصف هذا القرن. فالجنس الأبيض يتناقص بسبب تراجع مؤسسة الزواج وسطه، وبسبب تراجع الرغبة في الانجاب، وكذلك، بسبب العقلية الحسابية التي غرستها الرأسمالية، ما جعل التعامل مع عدد المواليد في الأسرة، يُنظر إليه من زاوية يغلب عليها حساب التكلفة. هذا، في حين تزادا أعداد المهاجرين الذين يرغبون في الانجاب. وهؤلاء، بسبب خلفياتهم الثقافية، يتصفون بكونهم الأكثر قدرة على الحفاظ على تماسك النسيج الأسرى. وعلاوة على هذا وذاك، يزداد الزوج المختلط بوتيرة متسارعة أدهشت الكبار من البيض ومن الملونين سواء بسواء.
تتميز السياسات الأمريكية بالاستناد على نتائج الأبحاث وتوصيات مراكز التفكير، وعلى الرؤية طويلة المدى. وتتميز سياساتنا نحن بالارتجال واحتقار العلم والعلماء، وبالعجز المفرط في القدرة على النظر إلى الأمور بموضوعية. تجدد أمريكا الآن دماءها بالعقول وبالطاقات من جميع أرجاء العالم، وبالصغار الذين يأتون مع ذويهم، أو يولدون في أمريكا، فيشبون في أسر لا تزال تحمل خصائص الثقافات التقليدية، ما يجعل هؤلاء الصغار متمتعين بقدر معتبر من ثقافة وأخلاق العالم القديم. ولقد أصبح، أبناء الوافدين هؤلاء الطاقة الجديدة التي سوف ترفد الحياة الأمريكية بروح جديد، وبكثير من منظومات القيم الجوهرية للبناء الحضاري وللمحافظة عليه، مما بدأت أمريكا تفقده بوتيرة متسارعة. فالأمريكيون يتعاملون مع الهجرة بوصفها استثمارا في نوعية العنصر البشري الذي ينتظر منه أن يردم الفجوة التي أخذت تتبدى، عاكسة ما اعترى طاقة الدفع الحضاري الأمريكية من وهن، وما جرى لمنظومات القيم الايجابية فيها من تآكل.
في نفس هذا الوقت الذي شخصت فيه أمريكا مشكلتها منذ ثمانينات القرن الماضي، وبدأت في التنفيذ الممنهج في التسعينات، بدأ السودان نزفا سكانيا لم يعرفه في كل تاريخه الطويل. شهد العقدان ونيف الأخيران هجرات سودانية ملحمية إلى خارج القطر. أوردت "الجزيرة نت"، مرارا، نقلا عن السلطات السودانية، أن عدد السودانيين الذي هاجروا بصورة شرعية في الآونة الأخيرة يصل إلى أربعة ملايين نسمة. ولو أضفنا إلى هؤلاء من هاجروا بصورة غير شرعية، فإن الرقم يصبح مخيفا بحق. يطرد حكامنا مواطنيهم ويفتحون الأبواب لهجرة متدنية النوع؛ تعليما وتمدنا، تتدفق علينا بلا ضوابط من دول الجوار. هذا حين تفتح بلدان مثل أمريكا، على سبيل المثال، أبوابها لهجرة منتقاة، محسوبة حسابًا دقيقًا ابتداء؛ من منافذها التي يجتاز منها المهاجر عتبة الدخول الأولى، وانتهاء بآفاق مآلاتها المستقبلية المفتوحة.
لو سارت الأمور في السودان، لا قدر الله، على هذه الوتيرة الجارية الآن، وبقي حكامنا والجوقة المحيطة بهم، متشبثين بكراسي الحكم، على النحو الذي ظللنا نشاهده منذ سبعة وعشرين عاما؛ حيث الامساك بالكرسي مقدمٌ على أي اعتبار آخر، فإنهم سيجدون أنفسهم، في القريب العاجل جدا، يحكمون كتلة بشرية ضخمة جدا، هي خليط عجيب من الأجانب الجهلة الذين لا يستطيعون بناء شيء، بل سيكونون، بطبيعتهم، معول هدم لكل ما يجري بناؤه. هذه الكتلة الضخمة من الأعراق والثقافات المختلفة، تتكون من النازحين من الأطراف الأكثر تخلفا، وأمية، والأشد فقرًا في دول الجوار. هؤلاء سوف يحلون، كما هو جارٍ الآن، على قدم وساق، محلَّ زبدة السكان من الشباب والكهول المتعلمين المؤهلين، الذين هاجروا من البلاد، ولا ينفكون يهاجرون.
يدفع حكامنا بزبدة السودانيين إلى المهاجر بلا مبالاة تبعث على الحيرة. ويتركون ثغور البلاد مفتوحة لعملية إحلال وأبدال، يقول كل شيء فيها إنها وصفة لمزيد من التراجع. هذه الهجرة الملحمية الضخمة للسودانيين نحو الخارج تقول كل شيء عن فشل تجربة الانقاذ برمتها؛ ما ذهب منها وراء الكواليس، وما لا يزال منها باقيا على المسرح. هذه الهجرة الملحمية هي الدليل الأسطع، الذي لا يعادله دليل، على فشل جميع سياسات الانقاذ، الداخلية والخارجية. فما نراه اليوم، باختصار شديد، هو حصاد الهشيم لتجربة تحالف المهووسين دينيًا والمغامرين التي امتدت لسبعةٍ وعشرين عاما. فهل تستغربون؟! لا غرابة أبدا!! فأهل هذا الحلف لم يكونوا أصلا يملكون قدرة على أن يروا أبعد من أنوفهم، ولسوف يوردون البلاد، في نهاية المطاف، موارد الحتوف، إن لم تحدث تحولات دراماتيكية.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.