عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

        نقف جميعنا اليوم على شفا منعطفين كبيرين شاخصين: أحدهما كوكبي، يتمثل في التساؤل حول الرؤية التي تستهدي بها حكومتنا، وهي تقارب قضية التغيير، والتحديث، والتطوير. أي ضوء تستهدي به وهي تجوس في معتكر الظلام الذي لف الكوكب، عقب انهيار الشيوعية؟ هل تخبط عشواء، أم أنَّ لها رؤية  تستهدي بها؟ أعني، رؤية تعرف معنى وقيمة إرث التجربة الإشتراكية، وتعرف في ذات الوقت خطر الرأسمالية الكلوب، التي انفتحت شهيتها، على مصراعيها، لوضع الكوكب كله تحت سيطرة الشركات العابرة للقوميات؟! ولسوف أتناول هذا المنعطف في المقالة القادمة.

        أما المنعطف المحلي الشاخص، فهو منعطف احتمال ذهاب الجنوب برمته، وربما المناطق الأخرى الشبيهة به، مما يطرح تساؤلات ملحة حول الصورة الجديدة المرسومة للقطر السوداني الجديد، الذي اخذ يتخلق الآن في رحم الغيب، والذي غالباً ما سيكون بلا جنوب، وربما بلا عددٍ من الأقاليم الأخرى؟! سأناقش عبر هذه المقالة، والتي تليها، المحورين اللذين أشرت إليهما عاليه، مستصحباً حقيقة أننا قطرٌ عصفت به وبأهله مختلف الأنواء، وألقت بنا في وهدةِ فقرٍ شاسعةٍ وعميقة، ووضعتنا، في أنكى أحوال العجز، وانبهام السبل، وبؤس الخيارات المتاحة، في لحظ فرقة فيها نواجه تحدياتٍ مصيريةٍ حاسمة. كتب الأستاذ عادل الباز: ((هل يعتقد عاقل أن المؤتمر الوطني يأمل في الوحدة الآن؟ ... المؤتمر الوطني يدرك أن الوحدة كانت صرحاً في خيال الحالمين فهوت)). (عادل الباز، هل عقل الشعب في أذنيه؟ الأحداث، 19 ديسمبر 2009). والسؤال الإبتدائي الذي يترتب على ملاحظة الأستاذ عادل الباز الصريحة هو: كيف نفكر نحن المشفقين على مصير القطر، على اختلاف الأرضيات التي نقف عليها؟ فنحن، فوجود القطر ـ أعني مجرد وجوده ـ يمثل بالنسبة لنا أجمعين، رغم اختلاف الأرضيات والمنطلقات القاسم المشترك الأعظم، والبوتقة التي فيها تتخلق آمالنا، وأحلامنا، على تفاوت آمادها، واختلاف وجهاتها. إذ بغير وجود القطر ـ على أي شكل كان ـ تصبح كل قضية أخرى نعترك عليها، شيئاً بلا معنى، تقريباً.

        نمر الآن بتجربة مفصلية غير مسبوقة، فيها نواجه منعطفاً بالغ الخطورة، بالغ الدراماتيكية. فالموقف الذي نقفه الآن، ويحس بخطورته قليلون جداً، لا يكفي معه دفن الرؤوس في الرمال، أو مجرد التعلق بسرابِ الآمال السوالف، الخُلَّب، المُضَيَّعةِ. إذ يتعين علينا في هذا المنعرج الزلق أن نفحص كيف يفكر أهل المؤتمر الوطني الحاكم؟ علينا أن نفحص خططهم، وخططهم البديلة، لنعرف إلى أين نحن مسوقون؟ وما هي خياراتنا، وكيف نختار الخيار الأمثل في وضع لم يعد أياً من خياراته قابلاً للوصف بالمثالية. فالحال يحدثنا، وبأعلى صوت أنه ربما لم يبق لنا سوى خيار (مثلث حمدي) ذائع الصيت؟! وحتى مثلث حمدي نفسه، من الذي يضمن لنا بقاءه واستقراره، واستمراره، إن نحن قنعنا من غنيمة كل إرثنا السياسي لحقبة ما بعد الإستقلال، بمجرد التوافي إلى ذلك المثل الذي أصبح بالنسبة إلينا مثل سفينة نوح حين فاض بالقوم الظالمين التنور؟! فهل يا ترى، يجانب المرء الصواب، في الظرف المدلهم الراهن، إن هو قال: ربما لا يكون ماثلاً أمامنا، من الناحية العملية، سوى (خيار أم خير، اللا خيراً فيهو، ولا دخاناً يعمي)!

        هل لا زالت هناك مساحة باقية تتقاطع أفكارنا، نحن المختلفين مع أهل المؤتمر الوطني ـ على تباين منطلقاتنا، ومقاصدنا بإزائهم ـ تقاطعاً إيجابياً يصلح لأن نَقُدَّ به في صخر الحالة الراهنة منفذاً جديداً، ننفذ منه خارج طوق انبهام الرؤية المطبق الآن. هل من سبيل إلى عمل شيءٍ يجنبنا مصير غرق المركب بالجميع!؟ هل يفيدنا، ونحن في هذا الوضع، أن نكتفي بالشماتة على المؤتمر الوطني، ونردد في وجوه أهله: ألم نقل لكم إنكم سوف تفتتون البلد، وسوف تدفعون بكثيرين إلى قتالكم، وإلى انتزاع حقهم منكم عنوة، وإلى الخروج من هذه المظلة المفروضة فرضاً، وإلى الأبد؟!

        هذا الوضع القاتم يتطلب، في تقديري، رؤيةً جديدةً، ويطلب إحساساً عالياً بالخطر المحدق، وهو فيما أزعم، إحساسٌ غير متوفر الآن، لا لدى الحكومة، ولا لدى المعارضة، ولا لدى جماهير الشعب المغيبة. الإحساس العالي بالخطر الماحق في هذا المنعطف الزلق الذي نمر به الآن، لا يوجد إلا لدى قلةٍ قليلةٍ جداً، وربما تكون غالبية هذه القة من غير المنظمين سياسياً، ممن لا تعميهم عن الرؤية الثاقبة، أجندة الكسب السياسي اليومي. ينبغي على حملة الأقلام، وموجهي الرأي العام، في هذه اللحظة التاريخية الفارقة، أن يصنعوا ذلك الإحساس المنعدم بالخطر الماحق صنعاًً. فبدون ذلك الإحساس لن نتمكن من دخول دائرة الرؤى الجديدة البديلة. فإن بقينا ممسكين بتصوراتنا القديمة، قابضين على أهداب سيناريوهاتنا التي صاغتها تجاربنا المكرورة غير المنتجة، وأحلامنا المصنوعة من مادة العاطفة الفجة، وسائر ترهات طفولتنا العقلية، ورهاقنا السياسي الطويل، فإننا لا شك منجرفون إلى وهدة تيهٍ عظيمٍ، لا قرار لها.

        يأوي إلى المخارج السهلة من يظن أن نظام الإنقاذ هو الذي قاد الجنوب، أو قاد دارفور إلى الحالة القائمة الآن. نعم، ما يمكن أن يؤخذ على الإنقاذ، في هذا المنحى كثير. فهي قد أسهمت إسهاماً كبيراً جداً في الإسراع بهذين الإقليمين (الجنوب ودارفور) ليصلا إلى هذه الحالة. فعلت الإنقاذ ذلك عن طريق تحويل حرب الجنوب إلى حرب دينية، وعن طريق استخدام القبائل الدارفورية، التي تماهت مصالحها القبلية مع مصلحة النظام، في حربه مع الفصائل المتمردة. وعموماً، فعلى الرغم من كل ما يمكن أن نلقيه على عتبة الإنقاذ من ملاماتٍ، وإداناتٍ، وهي ملاماتٌ وإداناتٌ حقيقية غير مفتأتة، فإن مخطط تفتيت السودان، يبقى مخططاً قديماً. ولربما يجرؤ المرء، ويصل إلى حد القول بأن مخطط تفتيت السودان، المُحكمٌ، المُموَّل تمويلاً كبيراً، المرصودة تجلياته على الواقع بدقة، وبأناة، مخطط كان بالغاً منتهاه، جاءت الإنقاذ إلى السلطة، أم لم تجيء! من يحاولون رمي كل وزرٍ ارتكبوه في حق الجنوب وغيره من الأقاليم المهمشة، منذ فجر الحركة الوطنية، في سلة الإنقاذ وحدها، إنما يحاولون إخفاء خطاياهم، وكبائرهم التاريخية. الحالة التي وصلنا إليها اليوم حالة مركبة شديدة التعقيد، وهي حالت تضافرت في انتاجها عوامل داخلية متشابكة، وعوامل خارجية، كانت ولا تزال تعمل، لكي تضع السودان في وضع يخدم ما تقوم به القوى الغربية من إعادةِ رسمٍ لخرائط الإقليم، بما يخدم استراتيجاتها طويلة المدى.

تقرير المجموعة الدولية للأزمات ICG

        وصل إلى بريدي الإلكتروني، تقرير أصدرته ما تُسمى بالمجموعة الدولية للأزمات (ICG)، International Crises Group، فزادني هذا التقرير غماً على غم. ومما يجعل التقرير ممعناً في التكدير، وفي الإصابة بالغم غزارة المعلومات التي احتواها، وتنوعها، والصورة القاتمة التي رسمها لأحوالنا الشاخصة الآن. فالتقرير قد عكس من ناحية، قدرة من أعدوه على اختراق بلادنا، وجمع المعلومات من كل ما كان يحسبه المرء مظنة سرية. فكل ما لم أكن أعلمه من صراعات وتجاذبات ظلت تدور داخل أروقة المؤتمر الوطني، خاصة مؤتمره الجامع الأخير، وجدته في هذا التقرير! صدر هذا التقرير في يوم 17 ديسمبر الجاري، في كل من بروكسل ونيروبي. وينبه التقرير في مجمله إلى المخاطر التي تتهدد السودان، واحتمال انزلاقه فيما أسماه التقرير، (Implosion)، أي "الإنهيار من الداخل". ولسوف أستعرض في هذه الحلقة جزءاً يسيراً من محتويات ذلك التقرير، ولربما أعرض له مرة أخرى، في الحلقة التي تلي. والذي يهمني التعرض له في هذه الحلقة، ينحصر في الجزئية المتعلقة بما يسمى بـ "مثلث حمدي". فالتقرير يشير إلى وجود ثلاث استراتيجياتٍ، يعكف المؤتمر الوطني على وضعها، تحسباً لإحتمال انفصال الجنوب، من ضمنها التمسك بمثلث حمدي كملجأ أخير. 

        يقول التقرير في صفحته الثامنة،  تحت عنوان "الشمال: استراتيجيات المؤتمر الوطني الثلاث"، ما يلي: ((لم تتخلى الحكومة الإسلامية عن أهدافها المتمثلة في إعادة صياغة السودان كدولة عربية إسلامية. إذ نجد أن أجندة الجبهة القومية الأسلامية قد بقيت قيد المتابعة الحثيثة منذ العام 1989، ويتبدى ذلك أكثر ما يتبدى من خلال الإمتلاك والسيطرة على المؤسسات الحكومية. والإنشاق الذي جرى بين المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي بقيادة حسن الترابي في العام 1999، إنما تعلق بالتكتيكات وحدها، ولم يتعلق بالأهداف)).

(ترجمة نص الفقرة السابقة من عندي). ويمضي التقرير ليقول، إن المؤتمر الوطني لا يزال يعمل ليقفل الطريق أمام انفصال الجنوب. ولكن بما أن الانفصال أضحى أكثر رجوحاً، من أي وقت مضى، فقد أخذ المؤتمر الوطني يركز أكثر على التنمية الإقتصادية لما يُعرف بـ (مثلث حمدي: دنقلا ـ سنارـ كردفان). ويشير التقرير إلى وجود مصر كعنصر محتمل في تلك الإستراتيجية البديلة، لكون السودان يمثل عمقاً أمنياً لها، وعنصراً حيوياً في أمنها المائي، ومكاناً محتملاً لتوفير أمنها الغذائي، خاصة وأن مصر تعاني تزايداً سكانياً، مع شحٍ في المياهِ، وتناقصٍ في المساحات الصالحة للزراعة. ويشير التقرير إلى أن البعد المصري في هذه الإستراتيجية، يتجلى في ما يدور من حديث حول منح المؤتمر الوطني ستة ملايين هكتار من أرض الحوض النوبي في الإقليم الشمالي لشركات مصرية، لكي تستثمرها زراعياً، ولتوطِّن فيها فلاحين مصريين. ويمضي التقرير ليقول، إن الخرطوم ستكون ثرية وآمنة بسبب عائدات النفط، وبسبب الإستثمارات الخليجية المباشرة، وعوائد صادرات المنتجات الزراعية، وإن المناطق الوسطى كالجزيرة، وشرق السودان، والشمال حتى دنقلا التي ستمثل الأعمدة الإقتصادية، قد أخذت تنتفع بالفعل من الإستثمارات الضخمة في السدود، والطرق، والموانئ البحرية والجوية. ويقول التقرير إن هذه الرؤية تستبطن في داخلها فكرةً ترى أن المستثمرين الأجانب سوف تكون لهم مصلحة في بقاء المؤتمر الوطني في السلطة، لأن ذلك يوفر إجراءً للحماية ضد الضغوط الأجنبية.

        ربما لاحظ كثيرون أن الأمور المتعلقة بمستقبل السودان عقب الإستفتاء قد ظلت في جملتها غائمة، ولا يكاد المرء يستبين منها شيئاً، أو يجد فيها ما تطمئن إليه النفس، أو ينشرح له القلب. ومما لمسته في هذا التقرير، وهو يمثل عندي، وجهة نظرٍ غربيةٍ، مرتبطةً ارتباطاً عضوياً بالإستراتيجيات الغربية الكبرى، أن الجهود تُستجمع الآن من أجل تحقيق انفصال سلسِ لا يكلف الدولة الجنوبية الجديدة متاعب كثيرة، ولا يضطر رعاتها للصرف على تأمينها. أحسست بهذا رغم أن التقرير مملوء بالفقرات وبالعناوين الجانبية التي توحي بالحرص على استقرار السودان، وتظهر الإشفاق من الإضطرابات التي سوف تنتج في كلتا الدولتين المستقبليتين إن لم يتم اتباع الوصفة التي يقدمها التقرير. ومن تلكم الوصفة تأجيل الانتخابات حتى نوفمبر 2010، أي لمدة سبعة شهور، يتم خلالها إجراء بعد التعديلات لضمان قيام انتخابات نزيهة. ويشير التقرير في وجهة التحوط اللازم لتحقيق انفصال سلس، (في حال اختيار الجنوبيين للإنفصال) إلى أن دولة الجنوب المتوقعة، ربما تصبح مشروع دولة فاشلة، إن لم يتم التعاطي مبكراً وبشكل صحيح مع عديدٍ من القضايا، التي من ضمنها عدم تعُّجل الجنوبيين الإنفصال، ومناقشة سائر الترتيبات المتعلقة بقيام دولتين، خاصة إدارة الفترة الإنتقالية التي تلي قرار الإنفصال. ويشدد التقرير على ضرورة أن تكون الولايات المتحدة، والأمم المتحدة، ومنظمة الإيقاد، حاضرة عبر المراحل المختلفة لهذا المخاض الذي بدأ. ولا ينسى التقرير أن يشير إلى ضرورة أن يتم تشديد القبضة على حكومة الخرطوم إن هي لم تسر وفق الطريق الذي رسمته اتفاقية السلام.

        نقف هكذا على حافة الخطر، وحكومتنا ومؤتمرها الوطني لا يُشركون الرأي العام في مناقشة ما يجري، ويظل أعلامهم منشغلاً بسفساف الأمور، شأنهم شأن أهل بيزنطة. ترسم الحكومة خططها للبلاد الواقفة على حافة الخطر، بعيداً عن مواطنيها، وعن كل القوى المجتمعية الحية، وكأنها تتصرف في ضيعةٍ تخصها وحدها!! ألا تخشى الحكومة ان تكون مارةً بنفس حالة الذهول التي مرّ بها نظام صدام الذي ذهب إلى حتفه وكأنه منوَّمٌ مغنطيسياً؟! (يتواصل)