لا توجد دولة مؤتمنة، بطبيعتها، على مصالح شعبها، ترعى مصالحه من تلقاء نفسها. فالصراع بين الدولة، أية دولة، والشعب، أي شعب، مستمر. قد يكون ظاهرًا، وقد يكون كتيمًا، مستترًا. فما دام هناك حكام ومحكومون هناك صراع. هذه طبيعة الأشياء. ولذلك، إن جرى تطبيق القيمة الجوهرية للديمقراطية، على الوجه الصحيح، تنظم هذا الصراع، فتهذبه، وتلطفه، وتنزع منه فتيل العنف. لكن، كما هو معروف، حين تنسد الأبواب، جميعها، أمام الجماهير لأخذ حقوقها عن طريق الضغوط السياسية، والطرق السلمية، تشتعل الثورات.
 
لكن، للثورات إشكالاتها التي لا تنفصل عنها. ولقد أثبت التاريخ أن كل الثورات التي جرت، إلى الآن، صاحبتها، إشكالات عويصة، دفع فيها الثوار، والذين قامت الثورة ضدهم، ودفعت فيها البلدان، أفدح الأثمان. بل ضاع من جراء الثورات زمن غال وعزيز، فما أكثر ما رصد التاريخ من الكوارث والخيبات المريرة، التي نجمت عن الثورات. ولا أريد هنا أن أقول إن كل الثورات كانت بلا مردود، أو إنها بلا مبرر، بقدر ما أريد أن أقول إن مردودها يأتي ببطء، عبر الزمن الممتد. وقد لا يتعدى مردودها، أحيانًا، مجرد اقتناع الثوار بالإقلاع عن فعل الثورة، لما رأوا فيه من أهوال، ومخاطر.
المشكلة أن الوعي البشري، خصوصاً وسط الشعوب النامية، لم يرتق إلى الدرجة التي تجعله يُحل الحوار العقلي والسياسي محل الصدام الفيزيائي العنيف. وتنطبق هذه الحالة من تخلف الوعي على الحكام، كما تنطبق على المحكومين. فالحكام، من جهتهم، خصوصاً الديكتاتوريين، لا يتنازلون للشعوب، ويصرون على فرض إرادتهم عليها، حتى حين يتبين لهم أن للجماهير التي انتفضت ضدهم إرادة متبلورة، وأن لتلك الإرادة طاقة وقوة دفع مؤثرة. وقد أصابتنا الحيرة، جميعًا، أمام مسلك كل من القذافي، والأسد، وعلي عبدالله صالح، تجاه ثورات شعوبهم.

تعمي السلطة الحكام من الانتفاع من دروس التاريخ، فكل واحد منهم يظن أنه استثناء على القاعدة، وأن ما جرى للآخرين الذين سبقوه لا ينطبق عليه. أما المحكومون، من جانبهم، فيفقدون صبرهم، ويبسّطون قضية التغيير تبسيطًا مخلا، فيندفعون إليها بأشواقهم وعواطفهم. ويدمجون أحلامًا وردية في مجرد عملية إزاحة النظام القائم. كما يختزلون كل تعقيدات التغيير، وصعوباته الجمة، في مجرد خطواتٍ، وإجراءات، وأجندات، ونقاط لخريطة طريقٍ، تجري كتابتها على الورق. ولذلك، سرعان ما يكتشف الثوار أن تصوراتهم ليست واقعية كما ظنوا. وأن الأهداف لا تتحقق في الواقع بالصورة والسرعة التي تصوروها بها.

عيش السودان، الآن، حالةً تقتضي التدبر، وهي حالة انمحاق القوى التي يمكن أن تشكل ضغطًا حقيقيًا على نظام الحكم، فتجبره على تعديل مسلكه بالتي هي أحسن، أو بقوة الثورة. فالقوى السياسية والقوى المجتمعية التي نجحت، في الماضي، في كبح طغيان نظام الحكم، لم تعد موجودة. لقد أصبح نظام الحكم في السودان عبر مسار طويل ومعقد، نظامًا مطلق السراح. وهي حالة لم تحدث فجأة، وإنما نبتت من بذرة انغرست في تربة الحراك السوداني، القاصد للاستقلال، منذ ثلاثينيات القرن الماضي. ثم جاءت حقبة ما بعد الاستقلال، فأخذت كل القوى السياسية تعمل ضد النظام الديمقراطي منذ ولادته.

ظل الصراع بين قوى اليمين واليسار، في ما بينها، وبين كل واحدةٍ منها، والقوى التقليدية في السودان، صراع ثارات، لم يراع الدستور، ولا الثوابت الوطنية، ولا القيم الديمقراطية. فمن يظفر بالحكم يتجه إلى القضاء على خصمه قضاء مبرمًا. سيطر الشيوعيون على الحكومة الانتقالية التي أعقبت ثورة أكتوبر 1964، مدعومين بالحركة النقابية، فرفعوا شعار "لا زعامة للقدامى". أوجدوا أوضاعا خاصة للعمال والمزارعين، في نظام الحكم، لأن ثقلهم الجماهيري كان وسط هاتين الفئتين. وقد قصدوا بذلك إزاحة القوى التقليدية بأحزابها الطائفية. وبعد عام فقط، انقلبت القوى التقليدية وأحزابها الطائفية، عليهم، عقب حملة تعبئة وتحريض ضدهم من الإسلاميين، فجرى تعديل الدستور، وجرى حل الحزب الشيوعي، طُرد نوابه المنتخبون من البرلمان.
 
حين قام جعفر نميري بانقلابه في مايو/أيار 1969، وضح له، وهو يبحث عن سند جماهيري، أن حليفه الذي يملك قوة حقيقية وسط الجماهير، خصوصاً النقابات، هم الشيوعيون. كما وجد الشيوعيون الفرصة ليدفعوا بمخططاتهم نحو السلطة عن طريق هذا النظام العروبي اليساري، المحتاج إلى السند، حينها. تحالف الشيوعيون مع نميري، ورفعوا شعار التطهير، وبلغ التطهير فصل أكفأ أساتذة الجامعات، من الخدمة، بتهمة الرجعية. كما اتجهوا إلى احتكار العمل السياسي، وحرمان الآخرين منه. وحين جاء الإسلاميون بانقلابهم، بقيادة الرئيس الحالي، عمر البشير، في يونيو/حزيران 1989، رفعوا شعار "التمكين"، ففصلوا من الخدمة المدنية كل الشيوعيين، بلا استثناء، وتعدوهم إلى فصل كل من هو مشكوكٌ في ولائه للنظام الوليد. كما ضربوا العمل النقابي ضربة قاضية، وأحالوا إلى التقاعد كل الضباط اليساريين، في الجيش والشرطة، وسائر القوات النظامية، فقد اتضحت لهم خطورة الجيش، بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، التي قام بها الضباط البعثيون في أبريل/نيسان 1990، أي بعد أقل من عام على انقلابهم الذي أوصلهم إلى السلطة. أكمل نظام الإنقاذ الحالي مسلسل الإضرار بالقوى السياسية والقوى المجتمعية، التي يمكن أن تضبط طغيان الدولة، وأوصله إلى نهاياته القصوى. ونتيجة لإطلاق يد الأمن، بوحشية غير مسبوقة، ضد المهنيين، والنقابيين، والأكاديميين، والطلاب، والشباب، هجرت أغلبية هؤلاء البلاد. وهكذا، خلقت الإنقاذ واقعًا سياسيًا سودانيًا قزمًا، أصبح بطبيعته ضامنًا لاستمراريتها، غير أنها استمرارية بلا مشروع، وبلا إنجاز.

بدأت لعبة التخلص من الجميع، في الحقبة التي أدارها الشيخ، حسن الترابي، بنفسه، بين 1990و1999، فجرى إبعاد القوى السياسية، وتفتيت الأحزاب، واحتواء النقابات، والسيطرة على الاقتصاد السوداني، والعمل على إفقار الجميع، غير أن اللعبة ارتدت على الشيخ الترابي نفسه، فجرى إقصاؤه من الحكم. وبعد عشر سنوات مما سُميت "المفاصلة" بين الشيخ الترابي وعمر البشير، أخذ الإسلاميون يقفزون من مركب نظام الحكم الذي أتوا به، واحدًا تلو الآخر. ولم تنته اللعبة إلى هذا الحد، فقد دارت الدوائر على الجيش نفسه. فالجيش، بعد تململ قطاع مؤثر من الإسلاميين، ومنهم عسكريون اتهموا بمحاولات انقلابية، أصبح موطن التهديد الداخلي الجديد. فجرى تهميش الجيش، وأنشئت في مقابله مليشيا، سميت "مليشيا الدعم السريع"، كما تحول جهاز الأمن إلى قوة مسلحة مقاتلة.
أخيراً، أقصى الرئيس البشير أقرب المقربين إليه، من قيادات الإسلاميين، وجمع رئاسة الحركة الإسلامية إلى رئاسة الحزب، على الرغم من أنّ للحركة أميناً عامّاً، لكنه بلا أي تأثير. فهو، أصلاً، شخص بلا أية مؤهلات، لقيادة أية حركة. قبل الانتخابات الأخيرة، جرى تعديل الدستور، وأصبح ولاة الولايات يُعيَّنون بواسطة الرئيس، وقد كانوا، قبل التعديل، يجيئون عن طريق الانتخاب. الآن، لا أحزاب، ولا نقابات، ولا جيش يُخشى منه، ولا منظمات مجتمع مدني. كما لم يعد هناك ضغط دولي يؤثر على المجموعة الحاكمة، بل، أصبح هناك قبول خليجي للنظام، أوجدته، من جهة، أوضاع اليمن الأخيرة، والابتعاد السوداني عن إيران. كما أوجدته، من الجهة الأخرى، حاجة النظام الماسة لمخرج من أزمته المالية الحادة. الآن، هناك الرئيس، وجهاز أمنه المسلح الباطش، ومليشياته الارتزاقية الموازية للجيش. يقابل كل هذا التركيز لمصادر القوة في يد السلطة الحاكمة، من الناحية الأخرى، ما يشبه الفراغ.
حسنٌ أن الرئيس البشير ابتعد عن إيران، وحسنٌ رأب الصدع بينه وبين الخليجيين. لكن، لكي يخرج هذا الفعل من دائرة المناورة، ويدخل دائرة المنظور الاستراتيجي، على الرئيس البشير أن يعمل على إجراء حوار وطني حقيقي، وإحداث مصالحة وطنية. وعلى الدول الخليجية أن تضغط في وجهة المصالحة السودانية الشاملة، فهي أضمن لأمنها الإقليمي، من مجرد الاستعانة بنظام ألجأته إليها حالة الاختناق المالية. دللت الانتخابات الأخيرة على أن شعبية البشير في أسوأ أحوالها، وأن البلاد، من الناحية الاقتصادية والأمنية، في أسوأ أحوالها، أيضاً. يكفي أن نقول إن السودان، عاد، عمليًا، إلى فوضى الحروب القبلية التي سبقت الغزو الخديوي، في بدايات القرن التاسع عشر. ودونكم، ما جرى، أخيراً، بين المعاليا والرزيقات، وما تكرر كثيراً قبلهم.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

العربي الجديد – 24 مايو 2015