عندما تفشل الحكومات الانقلابية الاستبدادية في انجاز مشاريعها التي وثبت بذريعتها إلى السلطة، تتحول كل جهودها، بصورة تلقائية، إلى مجرد حِيَلٍ للاستمرار في الحكم. في العامين الأخيرين ازداد التململ ضد النظام الحاكم في السودان، حتى وسط الإسلاميين أنفسهم؛مدنيين وعسكريين. أمسك التوجس بتلابيب النواة الصلبة للسلطة، فركنت إلى الاعتماد على جهاز الأمن، وعلى ما يمكن أن يجيشه من ميليشيات قبلية مستأجرة تحارب الحركات المسلحة، بدلاً عن الجيش. وقد تضمنت هذه النقلة ارسال رسالة إلى قادة الجيش أنفسهم وإلى المتململين من لإسلاميين،مفادها أن الاستيلاء على السلطة دونه حرب شوارعٍ بالغة الدموية.
أوصلت لعبة التوازنات وضرب القوى المختلفة ببعضها الحكومة السودانية إلى مرحلة الاعتماد الكلي على الميليشيات القبلية، التي لمع نجمها في العام الحالي لمعانًا كبيرًا، فسيطرتما سُميت بـ "قوات الدعم السريع"، على العناوين الرئيسية للصحف والفضائيات السودانية.وحين انتقد قطب المعارضة، الصادق المهدي فوضوية هذه المليشيات المستأجرة وتجاوزاتها، أودع السجن لشهر كامل، بلا محاكمة. ولا يزال إبراهيم الشيخ، رئيس حزب المؤتمر السوداني المعارض، معتقلاً بسبب نقده لها.
شهد عام 2003 نموًا كبيرًا في قوة الحركات المسلحة في دارفور،فاجتاحت مدينة الفاشر واستولت على مطارها لساعات، تم خلالها احراق عدد من الطائرات العسكرية. حينها، لجأت الحكومة لتجييش القبائل العربية لمواجهة القوة المتصاعدة للحركات الدارفورية المسلحة. استغلت الحكومة الصراعات التاريخية القديمة حول الأرض بين القبائل ذات الأصول العربية، المتجولة طلبًا للرعي،وبين المزارعين المستقرين من سكان دارفور، فسلحت ذوي الأصول العربية،فعمدوا إلى إحراق قرى الدارفوريين واتلاف محاصيلهم الزراعية، ونهب ثروتهم الحيوانية، وقتل ثلاثمائة ألف منهم، وتهجير أكثر من مليون من قراهم، ما جعل البشير متهمًا بارتكاب جرائم حرب، لدى محكمة الجنيات الدولية. 
نتيجة لتشديد الضغط على الحركات المسلحة في إقليم دارفور بواسطة المليشيات،وبسبب تراجع دعمها من الخارج، انتقل قطاع كبير من مسلحي دارفور إلى جنوب كردفان،متحالفين مع الحركة الشعبية قطاع الشمال التي تحارب في جبال النوبة.بذلك انتقلت الحرب قريبا من المركز،وجرى الهجوم على مدينتي أم روابة وأبوكرشولا في شمال كردفان في أبريل 2013. دفعت تلك الأحداث الحكومة لكي تتحول، من الاعتماد على الجيش، إلى المليشيات المستأجرة. خاصة وأن الجبهة الداخلية للإسلاميين تشققت، كما تبخر الدافع الديني للقتال وسطهم. لم يبق لنواة النظام الصلبة سوى أن تحمي حكمها بطرق جديدة. فالجيش المؤدلج لم يعد محل ثقتها بعد أن فارقت أيدولوجيتها، وانصرفت كليًّا إلى تكتيكات البقاء.
الجديد في المشهد هو ظهور تفاهمات بين قوى ظلت متحاربة، كما جرى مؤخرًا بين موسى هلال، زعيم قبيلة المحاميد، حليف الحكومة السابق، وذراعها العسكري في دارفور، الذي دارت حوله الشبهات في حملات الجنجويد للتطهير العرقي في دارفور عام 2003، وبين الحركة الشعبية قطاع الشمال. أيضًا، رغم تنصل السيد الصادق المهدي العام الفائت من إعلان الفجر الجديد الذي وقعته قوى المعارضة المدنية والمسلحة في كمبالا، طار المهدي مؤخرًا إلى فرنسا ليوقع مع الجبهة الثورية ما سمي بـ "إعلان باريس". وهكذا أصبحت الجسور تمتد في وجهات غير متوقعة، ناسفةً وهم الخطوط المتوازية لا تلتقي.
في الوقت الذي ابتعد فيه الشيخ موسى هلال عن الحكومة واعتصم بقواته في شمال دارفور، علا نجم ميليشيا أخرى يقودها ضابط أمن يدعي محمد حامد دقلو،اشتهر بلقب "حميدتي". أسمت الحكومة هذه المليشيا "قوات الدعم السريع". تولت هذه القوات مهمة محاربة الحركة الشعبية قطاع الشمال، والجبهة الثورية في معاقلها الحصينة في جبال النوبة. لم تناصب الحكومة الشيخ موسى هلال العداء، رغم تمرده الظاهر عليها، وهو العضو البرلماني، والمستشار بديوان الحكم الاتحادي، وإنما انصرفت إلى استخدام حميدتي وترفيعه وهو من عشيرة هلال. أما الجيش فقد أصبح مجرد ظاهرة إعلامية، انحصر وجودها في التصريحات المتتالية التي يدلي بها المتحدث الرسمي باسمه، وفي ما يقوم به سلاح الطيران من قصف عشوائي يصيب أغلبه المدنيين.
لوردات الحرب، الذين أصبحوا يمثلون الدرع الواقي المتبقي للحفاظ على النظام، زعماء قبليون نمت طموحاتهم بسبب تقريب الحكومة لهم، فتطلعوا إلى كراسي رجال الدولة.في هذا الجو من اختلاط الأمور يصبح من الغفلة استبعاد احتمال أن تتحالف هذه المليشيات،في لحظة ما، مع الحركات المسلحة المعارضة، ولو على سبيل التكتيك المرحلي، من أجل القضاء على هيمنة المركز. ولقد بدا جليًا ميل الحركات المسلحة المعارضة للتحالف مع المليشيات الدارفورية التي صنعتها الحكومة،كما رأينا في مذكرة التفاهم مع موسى هلال. ولسوف تأتي لحظة يعي فيها الدارفوريون من حملة السلاح، الواقفون منهم مع السلطة المركزية، والواقفون ضدها، أن السلطة ظلت تستخدمهم ضد بعضهم، وأن إقليمهم هو ساحة الحرب، وأن أهلهم هم وقودها. فإن هم اتحدوا سيسطرون على دارفور، ولربما أوقفوا الحرب، بل ولربما أصبح في وسعهم السيطرة على مركز السلطة، الذي يعتمد الآن في حماية نفسه على بعضهم. سوف تأتي اللحظة التي يتساءلون فيها:لماذا يرضون بأن يكونوا أدوات تدمير لبعضهم من أجل سلطة مركزية لا يهمها سوى ابقاء نفسها آمنة في وسط السودان، الذي لم يتأثر قط بحروب الأطراف وويلاتها؟  
لن تمنع حدوث هذا السناريو سوى قوة عسكرية مكافئة. ولكن الواقع القائم الآن يقول إن هذه القوة المكافئة لم يعد لها وجود في المركز. هذه المليشيات،ومن يتحالف معها، ستصبح القوى المرشحة لملء فراغ القوة المتنامي في المركز. ومع الغضب الشعبي العارم من سياسات النظام وفشلها، أصبح هذا الفراغ يلهج بالدعوة لمن يسيطر عليه. فسقوط الدولة السودانية في قبضة لوردات الحرب،سناريو محتمل الحدوث، وستكون ثروات البلاد هي الكعكة لبلقنة السودان في المرحلة التي تلي. ولا شيء ينفي امكانية تحقق هذا السيناريو بعد أن أخذت الخطوط المتوازية بين القوى المسلحة في الامِّحاء. فعنجهية النظام ونزعته الاستغلالية وأساليبه الماكرة أخذت تقرب بين خصومه وبين مسانديه. أما ما يلي ذلك، فربما يصبح ظلمات بعضها فوق بعض، خاصة في هذه الوقت الذي أخذت فيها الجيوش النظامية تنهار، في لمح البصر، أمام المليشيات، كما حدث للجيش الحكومي ولقوات البشمرقة في العراق. وأخشى أن يكون عصر الدول القطرية الهشة، في بعض أجزاء المنطقة العربية، قد أخذ يخلي الساحة لعصر المليشيات ولوردات الحروب.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////