عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بعد ثلاثة وخمسين عاما من الإستقلال، أصبحت عاصمتنا التي كانت بها عشرات دور العرض السينمائية، بلا دور عرض تقريباً. ولقد ظلت عاصمتنا، حتى منتصف سبعينات القرن الماضي،  تشبه غيرها من عواصم العالم، من حيث روح المدينة العصرية، وحيويتها. لكنها أصبحت في بضعة عقود، مسخا لا هو بالقرية ولا هو بالمدينة. تراجع فيها النظام، وتراجع الهندام، وتراجعت النظافة، وقل زائروها، وتراجع الفن والأدب، وماتت فيها حيوية التثاقف الحر. أصبحت عاصمتنا خلواً مما يمكن أن تجذب به مدينة ما شخصا ما، عرف بالتجربة، أو بالقراءة، دفء المدينة، وأنسها، وما يمكن أن تقدمه من غذاء للعقل، وللروح، وللوجدان. انتهى بنا الحال إلى قطر بلا مدينة، وبلا ثقافة تذكر!

ولمَّا لم تعد عاصمتنا عاصمة تستحق إسمها، فقد أصبح الموسرون والمتنفذون منا يعاملونها كمجرد مكان للعمل ولجمع المال. فهم ما أن يحسوا بأن أرواحهم كلًّت من عيشها التعيس البئيس، يهرعون إلى عواصم الخارج، حيث ينسون، ولو لحين، ما حاق بهم في صحرائها التي صنعوها بأيديهم. هناك ينسربون في الأسواق الحديثة الفسيحة، وينعمون برؤية البشر من كل عرق، ولون، وزي، ولهجة. يلتقون بروح المدينة الحقة وفتنتها، وسحرها، فيملأون منها الحواس. يرتادون دور السينما النظيفة، التي تستخدم آخر التقنيات التي توصلت إليها صناعة السينما، وصناعة دور العرض، ويستعيدون الإحساس بأنهم جزء من جمهور السينما العريض المنتشر في بقاع الأرض. يشهدون آخر ما تناولته دهاقنة السينما العالمية من قضايا، ويستعيدون الإحساس بأنهم جزء من حراك التثاقف الكوكبي، الذي تتزايد وتائره، وتتسارع، وتنداح. يغشون المسارح الفخمة، ويرتادون المتاحف وغاليرهات الفنون. وحين يذهب عنهم الظمأ، وتبتل العروق، يعودون إلى صحرائهم الكئيبة التي انفصلت عن  العصر ونبضه، لينهمكوا كرة أخرى في جمع المال، ممنين النفس بخروج آخر قريب. تصنع النخب الخراب، ولا تكتوي بناره! فهي تملك كل الوسائل وكل القدرة للهرب منه. أما السواد الأعظم الذي لا يملك ما يتنقل به داخل القطر، دع عنك خارجه، فهو الذي يكتوي بنار الخراب المقيم الذي تصنعه النخب! وكما قيل قديما: ((الآباء يأكلون الحصرم، والأبناء يضرسون))!!

 

الإفقار الثقافي:

لا يمكن، بطبيعة الحال، مناقشة موضوع كموضوع الإفقار الثقافي، في مقالة صحفية واحدة، أو حتى في سلسلة من المقالات الصحفية. ولذلك فالغرض من هذا المقال إنما هو تسليط الضوء على جانب واحد من جوانب هذه القضية، وهو دور القوى السياسية المؤدلجة في هذا الإفقار. وقصة الإفقار الثقافي تمثل، فيما أحسب، مبحثا لا يزال إلى حد كبير مبحثاً بكراً. أما الجانب الذي أريد أن أسلط عليه بعض الضوء في هذا المقال فهو تحديدا دور الأحزاب العقائدية في الإفقار الثقافي.

إن أفدح ما تصاب به أمه هو أن يحكمها إديولوج، ونحن قد وقعنا منذ صدور القوانين الإسلامية في سبتمبر 1983، تحت نير حكم الإديولوج. والإديولوج لا يعترف بالآخر المخالف، ولا يعرف قيمة التثاقف بين الرؤى المختلفة، فهو لا يحب، ولا يرى ضرورة لكي يسمع صوتا غير صوته هو. وعموما فإن "التثاقف" الحق لم يبدأ في حياتنا الفكرية والسياسية، بعد. كما أن حراكنا الفكري والسياسي قد رزء في أغلب أحواله، بإمساك المؤدلجين لأَعِنَّتِهِ. يقتضي التثاقف الحق الذي يثمن الإختلاف والتنوع، أفقاً واسعاً، وإيماناًُ عميقاً راسخا بعدم الامتلاك الكامل للحقيقة. فالمثاقف المختلف يملك بين يديه، وبالضرورة، القطعة المفقودة المالئة للفجوة القائمة في ما تملك. هذا المستوى من الفهم هو الذي يفرض على صاحبه إيمانا حقيقياً بالديمقراطية. ولكن الإيديولوج لا يملك إلا أن يرى المثاقف الآخر خصماً يجب القضاء عليه، وبكل سبيل. ومن أمثلة ضيق الإديولوج بكل ما لا ينبت من بذور إديولوجيته، ما جرى لروسيا في النصف الأول من القرن العشرين. كانت روسيا القيصرية دولة عريقة، غنية بآدابها وفنونها. وكانت تمثِّل جانباً شديد الثراء، وشديد التميز، في منمنة الفكر الغربي، والحضارة الغربية. غير أن اللينينية والستالينية، التي صنفت كل ما هو غير شيوعي بأنه "برجوازي"، عرضًّت روسيا لأسوأ أنواع الإفقار الثقافي، وأبشع صنوف اضهاد الكتاب والمفكرين والفنانين، فلاذ كثيرون منهم بالفرار إلى الغرب. أما في سودان الإنقاذ، فقد (فقع مرارتنا) إديولوجيو الحركة الإسلامية بحذلقاتهم الفجة، بما أسموه: (أسلمة المعرفة)، وبالخطاب الإنقاذي المتدني قالباً ومضموناً. أما ما طال التعليم،  فحدث ولا حرج! إن الإفقار الثقافي الذي أصابنا من جراء إمساك المؤدلجين لأعنة الأمور في بلادنا، خاصة الإسلاميين، لأمر مروع حقاً. وكثيرا ما قام في خاطري أن ما جرى في هذا الصدد، في العقدين الأخيرين، ليس ناتجا عن جهل بما ينبغي أن تكون عليه الأمور، بقدر ما هو ناتج عن قصد وتصميم، غرضهما خلق قطيع جاهل، مستكين، لا يعي ما يُصنع به!

 

الصراع الإخواني الشيوعي:

يمثِّل الصراع الإخواني الشيوعي الذي ساد حياتنا السياسية منذ الإستقلال عاملا مهما في التصحر الفكري، والهزال الثقافي، الذي أصابنا. لم تكن لهذا الصراع ثوابت قومية تضبطه، أو مصلحة وطنية توجهه. فالإديولوج يجيء دوما من علٍ، بحكم صفويته وفوقيته. في سائر منعطفات حياتنا السياسية عمد كل فريق إلى إخراج الفريق الآخر كليا من اللعبة السياسية. طردت جبهة الميثاق الإسلامي نواب الحزب الشيوعي المنتخبين ديمقراطيا من البرلمان، عقب حادثة معهد المعلمين الشهيرة، بعد ضمت إلى صففها الحزبين التقليديين، الأمة والإتحادي. وما أن جاءت مايو وأمسك الشيوعيون فيها بأعنة الأمور، حتى شرعوا في الأخذ بثأرهم القديم. والصراع الشيوعي الإخواني برز إلى السطح، بشكل ملفت، عند ثورة أكتوبر. فقد ظل الإخوان المسلمون ممثلين في جبهة الميثاق الإسلامي، ينسبون مآثر أكتوبر وإنجازاتها إلى أنفسهم. غير أن اكتساح الشيوعيين لدوائر الخريجين في الانتخابات العامة التي أعقبت ثورة أكتوبر، أوغر صدور الإسلاميين، وأفسد بهجة زهوهم بما كانوا يحسبونه إنجازا خالصا لهم. فما كان منهم إلا أن استغلوا حادثة طالب معهد المعلمين، وكادوا بها للشيوعيين.

لم أرد مما تقدم أن يبكي أحد على اللبن الذي انسكب. وإنما أردت أخذ العبرة، والتحقق من أن سياسيينا قد تعلموا من مرحلة مراهقتهم السياسية، وأنهم كبروا ونضجوا، وكسروا طوق ضيق الأفق المعرفي والسياسي، واطرحوا جانباً شح الأنفس الميالة لأخذ الثأر، والكيد للخصم. فهل تراهم استيقنوا أن استئصال الآخر المختلف أمر غير ممكن أبداً؟ وأنه غير مطلوب أصلاً، لكونه يجافي الحكمة التي ترى أن الديمقراطية ليست سوى صراع سلمي بين نقائض أقلها إثنين؟ وكما سلفت الإشارة، فإنني قصدت بهذا المقال إلى لفت النظر إلى ضرورة فتح هذا المبحث بغرض ممارسة نقد شفيف، يفتح الدمامل المتقيحة حتى تجف وتبرأ. ولذلك، فسوف أعرض في مسح سريع إلى بعض ما قام به الفريقان في مضمار اسئصال الآخر، مما انعكس سلباً على حياتنا الثقافية، وقادنا من درجة في الفقر الثقافي، إلى درجة أخرى أشد وأنكى.

 

من أمثلة العمد إلى إضعاف المثاقف المختلف وإقصائه، الهجمة المايوية الشيوعية على الأكاديميا السودانية، خاصة جامعة الخرطوم، في بداية سبعينات القرن الماضي. صحبت تلك الهجمة شعارات من شاكلة: ((لن تكون الجامعة جزيرة رجعية في محيط ثوري هادر))! في تلك الهجمة تم تشريد خيرة أساتذة جامعة الخرطوم، فيمموا شطر جامعات الخارج، خاصة الجامعات الإفريقية، التي احتضنتهم بشغف ولهفة. فهل تعلم إديولوجيونا من تلك الحادثة؟ لا، ولا كرامة! تكرر نفس المشهد بعد عشرين عاما، حين أمسكت الجبهة القومية الإسلامية بالحكم في يونيو 1989، فقضت على بقايا القبس المعرفي الذي تبقي من هجمة الشيوعيين المايوية في بداية السبعينات. بل إن الضربة التي وجهتها الجبهة الإسلامية لجامعة الخرطوم، وللتعليم العالي في السودان، في التسعينات، مثَّلت قاصمة الظهر، من حيث القضاء على الكفاءات، ومن حيث تخريب المناهج، وإضعاف اللغة الإنجليزية، والإخراج من دائرة الإعتراف الدولي، والقضاء على الإستقلالية.

 

تأميم الثقافة ومصادرة دار الكُتَّاب:

في العامين الأولين اللذين سيطر فيهما الشيوعيون على مايو، تم تأميم مؤسسة الدولة للسينما. ولقد مثًّل تأميم تلك المؤسسة، وما ترتب عليه من احتكار الدولة لاستيراد الأفلام، الضربة القاصمة التي قادت في نهايات تداعياتها إلى القضاء على دور السينما في الحياة الثقافية السودانية. فبتلك الفعلة، وغيرها، أدخل الشيوعيون البلاد في نفق تأميم الثقافة، وفي حجر تمليك حراك التثاقف للدولة وحدها. وجاء الإسلاميون بعد عشرين عاما من محاولة التأميم تلك، ليضعوا اللمسات الأخيرة في مسلسل الإفقار الثقافي. فالاسلاميون بحكم نزعتهم الشمولية، وبقايا رهاب الفن، والطهرانية القروسطية التي لا تنفك تخالطهم، لا يريدون مكانا يتجمع فيه الناس، سواء كان داراً للسينما، أو مقهى شعبياُ، أو حتى حفل زفاف. أما من أمثلة الكيد الموقر للصدور، فيكفي أن نذكر حل حكومة الإنقاذ لإتحاد الكتاب السودانيين في 1989، ومصادرتها لداره التي منحتها له حكومة ديمقراطية منتخبة! بل ولمزيد من النكاية والتشفي، قامت حكومة الإنقاذ بمنح نفس الدار لإتحاد الطلاب السودانيين!! وكل ما تقدم ليس سوى غيض من فيض في مسلسل تبادل اللكمات تحت الحزام، وتصفية الحسابات بين الخصمين التقليديين. أما الذين يدفعون الثمن فهم سواد السودانيين الذين ليس لهم ناقة فيه ولا جمل في مثل هذا النوع من الصراع غير المنتج!

يلزمنا جميعا، أعني: كل من انتمى إلى تنظيم عقائدي، واستخدم في مرحلة من مراحل عمله السياسي، الديكتاتور الجالس على دست الحكم، لخدمة أجندته السياسية الخاصة، وكل من استخدم صلف الإديولوج، واستعلائه ليفرض رؤيته، ويصادر رؤى الآخرين، أن يجرد كشف حسابه، ويفتح دمامله المتقيحة، بمبضع النقد الصادق الشفيف. وما يلزم الحركة الإسلامية في هذا المنحى، أكثر بكثير مما يلزم غيرها. فهي بالإضافة لما اقترفت يداها في الخمسين سنة الماضية، تمثل في هذه اللحظة الديكتاتور الجالس على كرسي الحكم. وإنني حين أشدد النكير على الحركة الإسلامية، فإنني لا أغمطها حقها في أنها أصابت بعضاً من تطور، مقارنة بحالة عماها الأولى. غير أنني أخشي أن يكون مرد التطور اليسير الذي أصابته، نزوعها المعروف عنها إلى المناورة والمداورة، وليس ما اكتسبته من وعي حقيقي أوصلها إلى إلى معرفة قيمة الآخر المختلف، عن قناعة راسخة أصيلة. فالإديولوج لا يزال يتبدى في قول ومسلك الكثيرين من أهلها. وعموما، لا يصحو الإديولوج من سكرته إلا على دوي خراب عظيم، كالذي صحت عليه النازية في ألمانيا، والفاشية في إيطاليا، والشيوعية في روسيا، والبعثية في العراق، وتصحو عليه الآن مذعورة الدولة السعودية، التي طالما راق لها استخدام الذراع الوهابي. فهل جاء الوقت لنحلم بتثاقف حر معافى، قبل دوي صوت الخراب، أم أنًّا لسنا سوى قومٍ واهمين؟

 

صحيفة الأحداث 2 نوفمبر 2009