عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

        ما أكثر ما ينفصل الحكام، عن شعوبهم، وتتباعد الشقة بينهم وبين من يحكمون، بمجرد أن يكتسبوا صفة "حاكم"! ومن أسباب انفصال الحاكم عن قومه، وتعميق عزلته عن حقيقة ما يحيط به، الإعلام الذي يصنعه بيديه. والحاكم المقصود هنا إنما هو الحاكم الشمولي، وإعلامه الذي يفصله لنفسه بنفسه. ففي الأنظمة الديمقراطية يستطيع الإعلام المستقل، إيقاظ الحاكم من غفواته، وما أكثر غفوات الحكام! لا يريد الحاكم ـ أي حاكم ـ أن يسمع أن الأمور ليست على ما يرام، وإنما يريد أن يسمع: ((سعادتك!! كل شيء تمام!!)).

 

الإعلام الذي يصنعه الحاكم بيديه ويجعل منه أحد أذرع حكمه، يعرف أن الحاكم يريد أن يسمع أن كل شيء على ما يرام. فهذا النوع من الإعلام الموجه إنما تم صنعه لكي يجمل صورة الواقع للحاكم وللمحكومين. لا ينقل هذا النوع المدجن من الإعلام، إلى الحاكم، إلا صورة وردية للواقع، ولا ينقل إلى المحكومين سوى أن المشكلات شيء عارض وحلها أمر مقدور عليه. ليس من السهل أن يرى حاكم شمولي بلده بعدسة غير عدسة الإعلام المسبح بحمده هو. يصنع الحاكم الشمولي بالإعلام، أراد أم أبى، قوقعة سميكة لنفسه، لا تطرق فيها أصوات الناس آذانه. فالإعلام مملوك له، والعاملون فيه ليسو سوى أولياء نعمة، منتفعين من التعاقد غير المكتوب بينهم وبينه! فما الذي يجعلهم يخاطرون بفقدان مواقعهم وامتيازاتهم من أجل إسماعه شيئا هو لا يريد سماعه أصلا؟!

 

ما نسميها "حقب الحكم الديمقراطي" في السودان، لم تكن في حقيقة أمرها حقباً ديمقراطية، إلا من حيث الشكل. ولدى التدقيق، فإن الشكل نفسه فيه نظر. وهذا مما يجعلني أنظر إلى ما تسمى لدينا "معارضة" بريبةٍ عظيمة. تلاعبت أحزابنا بالديمقراطية تلاعبا ما عليه من مزيد. ولسنا بحاجة للتفصيل في تلاعبها ذاك هنا. ما يهمنا هنا أن حكامنا في الأنظمة التي جربناها، ونسميها مجازا أنظمة "ديمقراطية"، والأخرى التي نسميها شمولية، لا يستطيعون العيش من غير إعلام يسبح بحمدهم ليل نهار. بل إن الحاكم لدينا لا يتصور نفسه بغير إعلام تابع له، يتم تمويله من أموال الخزينة العامة. فلو نحن جرَّدنا أي حكومة سودانية، منذ فجر الإستقلال وإلى اليوم، من الإعلام الرسمي، لوقفت تلك الحكومات عارية من الإنجازات إلا قليلا!

 

من يتأمل إعلام الإنقاذ، وهو يعالج الأزمات والمشكلات، التي يأخذ بعضها برقاب بعض، لا ير فيه شيئا مختلفا عن إعلام الرئيس الراحل جعفر نميري، أو إعلام السيد الصادق المهدي، أو إعلام الفريق إبراهيم عبود، أو إعلام حكومة السيد محمد أحمد محجوب، أو إعلام الزعيم الأزهري. المؤسسات الإعلامية في السودان، خاصة المسموعة والمرئية، هي ذات المؤسسات التي خدمت كل تلك العهود، وبنفس النهج. لقد أتقنت فن إرضاء الحاكم! بل إن من بين رجالها اليوم من خدم كل تلك العهود، بلا استثناء، وبهمة يُحسد عليها! ولكن هل يقف الأمر على الإعلام وحده؟ لا!! فالأمر ينسحب على المهنيين وسائر البيروقراط الذين يُعَيِّنهم الحاكم ويضعهم تحت جناحه، كما يفعل مع الإعلام والإعلاميين.

 

الأسطوانة المشروخة المفضلة:

ما أن تزداد وتيرة القطوعات الكهربائية، وتطول فترات القطع، أو تهطل أمطار غزيرة فتغرق شوارع المدينة، وتنهار بيوت الطين، أو يشم الناس روائح كريهة في مياه المواسير، ويضج الناس بالشكوي، ويكثر التندر في المجالس، وفي المنافذ الإعلامية الخارجة عن قبضة الحكومة، حتى يشرع المسؤول الإعلامي في أرسال كاميراته ومايكروفانته وصحفييه المبرمجين مسبقا، لكي "يدردقوا" أسئلتهم الاستدراجية المحفوظة للمسئول، أو التكنوقراط. فينبري المسئول السياسي أو التكنوقراط في "شوت الكرات المدردقة"، مرددا الإجابات القديمة نفسها: ((الأمطار فاقت المتوقع هذا العام ـ هناك نقص في الشب، وقد وصلت شحنة إلى بورتسودان ـ تراكم الطمي أمام الخزانات ـ وضع الناس أنقاض المباني على مجاري التصريف فسدوها ـ حدث انحسار غير متوقع في منسوب النيل ـ تأخر وصول الأسمنت المستورد، إلخ القائمة المحفوظة)). وهكذا فكل (دردقة)) من المذيع الألمعي، تفضي إلى ((شوتة)) من المسئول اللوذعي، وينتج منها بالضرورة هدف رائع! أما نحن المكلومون، أو "الملكومون"، فنتفرج على هذا السيرك السخيف، الذي ظلل يُدار منذ فجر الإستقلال، ولا نملك سوى أن نقول: ((حسبنا الله ونعم الوكيل))! ثم لا نلبث أن نحدق في الأفق الخاوي متسائلين: متى يا تري تصبح دولتنا دولة مؤسسات، واستراتيجيات طويلة المدى، ودولة نظم راسخة لضبط جودة الأداء، ومحاسبة للمسئولين على تقصيرهم وقلة كفاءتهم؟ ومتى ينتهي التهريج والإرتجال، وحل الأمور بحملات العلاقات العامة الساذجة، التي لا يعرف من يديرونها كيف تُصنع الدول، وكيف تُدار!

 

لقد ظلت مواجهة المشكلات، وهي مشكلات مزمنة، لم تبدأ مع حكم الإنقاذ، تتم بالحملات الإعلامية المرتجلة، بأسلوب لا يحترم ذكاء المواطن، ولا تجاربه الطويلة مع المسئولين من سياسيين وتكنوقراط. فالذين ظلوا يديرون إعلام الدولة لدينا، فقراء المعرفة ومساكينها!! وقد رد أن الفقير هو ما لا يملك قوت عامه، أما المسكين فهو من لا يملك قوت يومه. والقائمون على الإعلام الرسمي لدينا، قوم لا يملكون من "الدبارة" قوت يوم واحد. أجهزة الإعلام الرسمية لا تعرف المبادرة، ولا الحفر الإعلامي التوثيقي في المشكلات، كما لا تعرف وضع المسئولين أما مسئولياتهم. هي فقط تقدم المعاذير للمسئول على قدح من فضة، وتمنحه فرصة لنثر الوعود الباهتة التي تخرج ميتة من فمه. فالمسئول السياسي، والتكونقراط المسيس، ليسا مؤمنين أصلاً بما يقولان، فضلا عن كونهما ينتميان إلى قبيل متشاكس، متنافس، تنافس الضرات، على أعطيات الدولة وهباتها من منصب وجاه ومال. المسئولون في الأنظمة الشمولية لا يقدمون سوى حقن تخدير إعلامية، والشعب يعرف أنهم يحاولون تخديره، ويسخر من طرائقهم تلك. ومع ذلك، تستمر حملات العلاقات العامة الممجوجة، وينتهي السيرك بأن تصل التقارير إلى الحاكم في قوقعته: ((سعادتك! كل شيء تمام!!)). وهكذا تبقى المشكلات على ما هي عليه، ولا تتحسن الأحوال إلا قليلا.

 

الكهرباء هي مفتاح التقدم ومقياسه:

لكي نقف على حقيقية أن قياداتنا السياسية منذ الأزهري وحتى الإنقاذ، لم تعر أمر الكهرباء ما يستحقه من الجدية، علينا أن ننظر إلى بعض الحقائق التي احتواها كتاب وكالة الإستخبارات الأمريكية المسمى CIA World Fact Book . تقول إحصائيات ذلك المصدر إن مصر تنتج من الكهرباء ما يعادل 109 بليون كيلوواط/ساعة. وتنتج سوريا 40 بليون كيلوواط/ساعة. وتنتج نيجريا 22 بليون كيلو واط/ساعة. وتنتج سلطنة عُمان 14 بليون كيلوواط/ساعة. وتنتج اليمن 5 بليون كيلوواط/ساعة. أما السودان فينتج 4 بليون كيلوواط/ساعة! (احصائيات هذا الكتاب هي مقادير تقريبية للعام 2006). ويتضح من هذه المقارنة بهذه الطائفة من الدول أن انتاج السودان إنتاج جد هزيل. فهو يساوي واحدا على إثنين وعشرين مما تنتجه مصر، وعُشر ما تنتجه سوريا، وأقل من خُمس ما تنتجه نيجريا، وأقل من رُبع ما تنتجه سلطنة عمان، وأقل 20% مما تنتجه اليمن.

 

 لابد من القول هنا، إن حكومة الإنقاذ هي أكثر الحكومات الوطنية إلتفاتا إلى تنمية قطاع الكهرباء في البلاد. وقد شهد الانتاج الكهربائي في السودان في السنوات الأخيرة زيادة كبيرة جدا، مقارنة بما كان عليه الحال عبر الخمسين سنة الماضية، هذا أضافة إلى تمديد خطوط الشبكة القومية زيادة الربط فيها. فقطاع الكهرباء في بلادنا قطاع بالغ الهزال، مقارنة بغالبية أقطار العالم التي تماثل السودان من حيث المساحة، والموارد الإقتصادية، وعدد السكان، والفرص الماتحة للإستثمار والتنمية. ولكن رغم الزيادة التي طرأت على مقادير التوليد مؤخراً، فلا تزال الطاقة التوليدية ضعيفة. كما أن خدمة الكهرباء، بشكل عام، تكتنفها مصاعب جمة. وقد جاء التفات الإنقاذ إلى الكهرباء مؤخرا وهي التي بلغت الآن العشرين من العمر. إنها دائما مشكلة قائمة الأولويات المقلوبة!

 

أيضا، يبدو أن الإنقاذ لم تتيقن إلى الآن، أن زيادة انتاج الكهرباء، إن لم يصحبها انخفاض معتبر في سعرها، لا يفيد كثيراً. فالكهرباء عالية السعر تماثل من الناحية العملية، تدني الإنتاج من الكهرباء! فما دامت الكهرباء فوق متناول عامة المواطنين، فهي كأن لم تكن! وقد لفت الدكتور مختار الأصم، في مقابلة تلفزيونية، النظر إلى أن حكومة الإنقاذ لم تتعامل مع قضية الكهرباء برؤية متكاملة، مبينا أن غلاء الكهرباء الفاحش، له أثر سلبي على حياة المواطن، وعلى كلفة الإنتاج، وعلى جذب الاستثمارات، وعلى الإسراع بإيقاع التنمية بشكل عام.

 

لا يستطيع المواطن السوداني تبريد بيته أو مكتبه، أو ورشته، بشكل ثابت ومستمر، بسبب غلاء الكهرباء، وبسبب الانقطاع المتكرر للتيار. والسودان أحد أكثر بلدان العالم حرارة، وتبريد مكان العمل ومكان السكن فيه ليست ترفاً، وإنما ضرورة لها أثرها المباشر على القدرة على الإنتاج، وعلى استقرار المزاج ، وعلى نوعية الحياة المعاشة. حين يعود السوداني من عطلته التي أمضاها في السودان إلى مهجره، يبين عليه الإرهاق، والانهاك، والشحوب، وتلويح البشرة. فالذهاب إلى السودان يماثل القيام برحلة إلى أعمق أعماق الصحراء، حيث يصبح الكائن البشري في مواجهة العناصر بلا واق، وعلى رأسها الحر، والعطش، والغبار. العائد من رحلة صحراوية لا يعود كما هو، مهما احتاط، وكذلك العائد من السودان!

 

قلة قليلة جدا من السودانيين تملك القدرة على تبريد مساكنها، وأماكن عملها، وتملك القدرة على تبريد سياراتها، في بلد يعادل أو يقارب فيه سعر الوقود، نظيره في الولايات المتحدة الأمريكية! يرى حكامنا وإعلامهم التابع لهم، الأمور من خلال منظار مستوى عيشهم هم. وهو عيش مرفه أفاءوا به على أنفسهم في حاتمية، ولم يعودوا يرون الشعب إلى من خلال زجاج سياراتهم الفارهة المظلل.

 

تعيش أعداد كبيرة من السودانيين في بلدان الخليج حيث الحرارة المرتفعة. غير أن عيشهم في تلك البلدان لا يصيبهم بما تصيبهم به إقامة شهر أو شهرين في السودان. وينطبق ذلك على أقلهم دخلا من الفئات العاملة. السبب هو الكهرباء وديمومتها، ورخص كلفتها حيث يقيمون. نعم، هي كهرباء مدعومة. ولكن، هل تملك الدول النامية فكاكا من دعم خدمة الكهرباء؟ أليس غالبية سكان الدول النامية منخفضي الدخول، إن لم نقل منعدميها؟

 

أخيراً، هل كل الشقاء المستدام في السودان سببه نقص الموارد؟ لا!! كثير من ذلك الشقاء العريض المستدام سببه "السبهللية"، والقيادات غير الكفؤة وغير المدربة، المبثوثة "سياسياً" في كل موقع. فمثلاً: ما الذي يجعل كل البصات التي تنقل الركاب من سلم الطائرة إلى صالة المطارات في كل أنحاء الدنيا مبردة ونظيفة، إلا بصات مطار الخرطوم؟ وما الذي يجعل المستضافين إعلاميا لا يتصببون عرقاً، إلا في أستوديوهات تلفزيونات السودان؟ أما "ذباب الأستديو" الذي يعكر صفاء الضيف، والمضيف، والمشاهد، فربما يكون له حديث آخر!!

 

صحيفة "الأحداث" 19 أكتوبر 2009