نظام الإنقاذ نظامٌ مفلسٌ بطبعه! فهل تراني أتجنى عليه؟ لا، حاشا لله. هو نظامٌ مفلسٌ لأنه جاء من المبتدأ عن طريق انقلابٍ عسكري.واللجوء إلى الانقلاب العسكري هو أصلاً إفلاسٌ في المبتدأ.اللجوء إلى الانقلاب العسكري إفلاسٌ ينم؛ إما عن قلة علمٍ، أو قلة صبرٍ، أو استهانةٍ برأي الناس، لا تعرف الحدود، أو، كل تلك الأمور مجتمعة. قفزت الجبهة القومية الإسلامية من حيث التمثيل في البرلمان، من ثلاثة نواب، في انتخابات 1965، ليصبح عدد نوابها في انتخابات 1986 أكثر من خمسين نائبًا. ولو أنها صبرت على الديمقراطية قليلاً، حتى تأتي دورةٌ انتخابية جديدة، لربما أصبحت هي حزب الأغلبية. خاصةً وأن الحزبين الكبيرين محكومٌ عليهما بالتراجع المستمر، هذا إن لم نقل بالفناء، وذلك، بحكم العلل البنيوية المشرجة في كيانيهما.
ولكن، الجبهة القومية الإسلامية، بقيادة الدكتور الترابي، اختارت ما ظنته اختصارًا للطريق، فقزت إلى السلطة بليل. وهكذا يغلب الطبع على التطبع؛وأعني بذلك،أن النزعة الديكتاتورية المتجذرة أصلاً في جوهر فكرة الإخوان المسلمين، غلبت على التجمُّل الزائف، وعلى ادعاء الانخراط في الممارسة الديمقراطية. ومن الناحية العملية، فقد فضح انقلاب 1989ذلك الادعاء، وذلك التجمل، وارتد إخوان السودان، إلى أصل منظورهم الاستعلائي الذي لم يخرج، ولن يخرج في يومٍ من الأيام، من "حاكمية المودودي وسيد قطب"، التي نسباها إلى الله عز وجل، زورًا وبهتانًا. فحاكمية الله لا يجسدها على الأرض إلا نبيٌّ مرسلٌ يوحى إليه. رُفعت الأقلام وجفت الصحف، وقضي الأمر الذي فيه تستفتيان.
حين ضاق عليهم خناق الحصار الإقليمي والدولي، وحصار العزلة الداخلية، في نهايات التسعينات، استغل الإنقاذيون الظروف المواتية التي كانت تمر بها فصائل المعارضة في الخارج. فبعد ما يقارب العشر سنوات من بدء حكم الانقاذ، يئست فصائل المعارضة، التي اختارت من الخارج مسرحًا لمعارضتها، من لم شمل بعضها بعضًا،ومن التواضع على كلمةٍ سواء. تعبت تلك القوى الحزبية من معارضة الفنادق والشقق السكنية،ورأت أن قرنق وقبيله لا يأبهون لما تأتي أو تدع، وأن قرنق قد "باعهم"، ويمم شطر الاتفاق الثنائي مع الانقاذ. في ذلك الظرف المواتي ألقت إليهم الإنقاذ بطعم "التوالي"، فالتقموه. وكان أول من التقم ذلك الطعم، الراحل الشريف زين العابدين الهندي، الذي  كان يرى أن التجمع مختطفٌ يساريًا. وقد شدت من عضده حينها الهندسة السياسية البراغماتية، التي هي من طبيعة فكر الراحل، محمد أبو القاسم حاج حمد. فهرعت بضع أحزابٍ ليس لها جمهور، وليست لها أوعية تنظيمية، إلى تلك المأدبة الإنقاذية الممدودة.
في تلك الفترة تشظى حزب الأمة إلى عدة شظايا، وشاع "الاستوزار الانقاذي" بين قياداته،التي توزعت بين تلك الشظايا المختلفة. ثم جاءت الانتخابات التي تحسن الانقاذ هندستها و"خجّها"، فبرزت الانقاذ إلى مقام عزها المنتظر، لتصبح في البرلمان لوحدها. فقد ذهب الجنوب، وذهبت معه نيفاشا وخلا الجو للإنقاذ، وفق منطق أهلها، لتفرخ وتبيض لوحدها. لم يأت إلى البرلمان من المتوالين أحدٌ، سوى أولئك الذين ارتضوا بيع "فِقَش" أحزابهم للإنقاذ، فرضيت عنهم وألبستهم حلتها، وصبغتهم بصبغتها، بعد أن اعتنت "خجَّاً" بصناديقهم الانتخابية، مثلما ما اعتنت بصناديق المرشحين من عضويتها. وأصبح هؤلاء الحزبيين الذين باعوا أحزابهم جزءًا لا يتجزأ منها، حتى ينفذ قدر الله فيها وفيهم، ولا معقِّب لأمر الله.
دعوة الحوار الوطني التي أطلقها الرئيس مؤخرًا، ليس فيها جديد. إنها إعادةٌ لـ "التوالي"، مرة ثانية. الطريف فيها، هذه المرة، أن أحد كبار المدعويين فيها، وأعني هنا الدكتور حسن الترابي، قد كان هو الداعي الرئيس في "التوالي" الأول، بل أظن أنه هو من صك مصطلحه.خلاصة دعوة الحوار الجديدة، أن فحوى ما ورد في ما قاله الرئيس في بورتسودان، تتلخص في أنه لا تغيير! فلا ينبغي أن يشطح المدعوون للحوار في أحلام يقظتهم. ما يمكن فهمه حصرًا من حديث  الرئيس  في بورتسودان هو: ستبقى الانقاذ كما عرفناها، عبر ربع القرن الماضي،وستظل هي الممسكة الوحيدة بالسلطة. فلا حكومة قومية، ولا حكومة انتقالية، ولا كثير ولا قليل. إنها باختصار شديد،دعوةٌ إلى "توالي" جديد. كل ما في الأمر أن الانقاذ عرفت أنها في مأزق خانق، وتريد بضعة ركابٍ جدد في مركبتها، لتشركهم في جريمتها التاريخية، كما فعلت في نهاية التسعينات مع المتوالين. بضعةُ ركابٍ تدّعي،بوجودهم الشكلي معها، أن الشعب السوداني،بكل قطاعاته، ممثلٌ في هذه الملهاة، وأن الفشل فشلٌ عام، ليست هي المسؤولة الوحيدة عنه. تريد الانقاذ أن تقطع بهؤلاء الركاب الجدد مشوارًا قصيرًا، لتنزلهم بعد محطة أو محطتين، كما فعلت من قبل. فالانتخابات التي أكد الرئيس أنها سوف تجري في موعدها في العام 2015، وهرع البريطانيون وجماعة الأمم المتحدة يباركونها ويقدمون لها التسهيلات، سوف تنزل هؤلاء الركاب، بنفس الصورة التي أنزلت بها المتوالين السابقين في انتخابات 2010. فالإنزال إذن، أيها السادة، إنزال "ديمقراطي" محض؛ فحينها يكون الشعب، عن طريق صندوق الاقتراع، هو الذي أنزلهم! "مُش؟!".
للدكتور الترابي أسبابه التي تدعوه للتوالي من موقع المدعو هذه المرة. وأسباب الدكتور الترابي متعددة؛ فهو، من ناحية، يريد أن يثأر من تلاميذه الذين أقصوه، وقد ظفر بشيء من ذلك في التغييرات الأخيرة. غير أن رد الاعتبار لن يكتمل بالنسبة له، إلا بالعودة إلى المباني الحكومية، كالبرلمان، ومجلس الوزراء، وربما القصر، وما إلى ذلك. ولقد رأينا كيف كان الدكتور الترابي متهللاً، منفرج الأسارير، حين دعي إلى مبنى البرلمان الأسبوع الماضي. لم يدع الدكتور الترابي الفرصة تفوت، دون أن ينوه قائلا، إن أقدامه لم تطأ أرض البرلمان منذ خمسة عشر عامًا. ومن أسباب الدكتور الترابي التي تدعوه كي يتوالى من موقع المدعويين، أن مشروعه الذي أنفق فيه زهرة شبابه، وكهولته، وشيخوخته، يوشك أن يذهب في التاريخ بوصفه أسوأ نموذج من نماذج التجريب السياسي الاعتباطي، الذي ساق دولةً بأكملها إلى حتفها. ولذلك، يريد الترابي أن ينقذ ما يمكن انقاذه من هذا المشروع، تجنبًا للنهاية الكارثية التي تجمعت نذرها وسدت الأفق. كما أن هناك التنظيم العالمي للإخوان المسلمين الذي يريد للإسلاميين أن يجتمعوا مرة أخرى ليبقوا على هذا الحكم الذي لا يزال في أيديهم، رغم أن أذكى قياداته وأكثرها علمًا اختارت القفز من مركبه. أما بقية القوى السياسية فلا أرى أن لها ما يدعوها للتوالي، ولا يلدغ المؤمن من جحر التوالي مرتين. ومرةً أخرى، فلتدع كل القوى السياسية البشير والترابي يتحاورون ويصلون إلى ما يريدون الوصول إليه. فلنلتصق جميعًا بالشعب، وبالقطاعات الشابة منه، فهم لا يزالون أحياء، وإن ظن الإنقاذيون وهمًا، أنهم قد أماتوهم.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////