قبل أيام قلائل نقلت وسائط الإعلام عن والي شمال دارفور عثمان يوسف كبر قوله، "إنه لا يمكن السيطرة على الوضع الأمني بالفاشر، وأن على كل مواطن حماية نفسه، لأن السلطات عاجزة تماماً عن السيطرة على تفلتات القوات النظامية". و أظن أن واليًا في إطار ما يسمى بـ "الدولة الحديثة"، قد أطلق حديثًا كهذا الحديث الذي ينضح باللامسؤولية، الذي أطلقه الوالي محمد يوسف كبر، حين دعا المواطنين إلى حمل السلاح وحماية أنفسهم بأنفسهم! فإذابلغ الوضع هذه الدرجة من الانفلات، فما الذي يجعل واليًا هذا حال مدينته، دع عنك ولايته، يظن أنه، مع إطلاق مثل هذا التصريح، يمكنه أن يبقى في مكانه؟ فما الحاجة أصلاً إلى وجود حكومة، هذا حالها، وهذا حال ولاتها الإقليميين؟ لماذا لا يستقيل هذا الوالي الذي لم يجد شيئًا يفعله، سوى رفع الراية البيضاء؟
لقد سبق أن أرسلت الحكومة المركزية هذه الميليشات الفوضوية إلى مدينة الأبيض، وجعلت من واليها أحمد هارون متفرجًا، لا حول له ولا قوة. وها هي المليشيات تكرر نفس الحكاية في الفاشر، وتجعل من واليها "كِبِر"، متفرجًا، لا حول له ولا قوة. ولربما يجري نفس الشيء في نيالا. إذن، لماذا لميقدم هذان الواليان استقالتهما،ليدعا الحكومة المركزية التي تستعين على قضاء حوائجها بالمليشيات المأجورة، أن تتولى مهمة الأمن في الولايات بنفسها، ويذهبا هما ليبحثا عن عملٍ آخر غير ولاية أمور الناس؟
ورد في الأنباء أيضًا أن الزي العسكري أصبح مشاعًا في الفاشر، حتىشرع من لا ينتمون إلى القوات النظامية في ارتدائه، وارتكاب ما يشاءون من سلبٍ ونهبٍ، متخذين منه غطاءً لممارسة مختلف صور الإجرام.وليس كما قال كبر، فالقوات التي أخذت تعيث فسادًا في أرجاء كردفان ودارفور ليست في الحقيقة قوات نظامية. فالسودان لم تعد فيه قوات يمكن أن نطلق عليهاصفة "نظامية". لقد قضت الانقاذ على الدولة الحديثة في السودان قضاء مبرمًا، ونحن إنما نعيش اليوم في ظل حكم أمراء حربٍ ينتحلون صفة "رجال دولة حديثة". هذه القوات قوات مرتزقة مأجورة مستجلبة، تقاتل من أجل المال. وحين يتأخر الدفع تمارس الضغط على الحكومة بـ"البلطجة" على الولاة، الذين ليسوا بولاة، وعلى المواطنين، فتنهب وتغتصب النساء وتعيث فسادًا في الأرض، حتى تأتيها مخصصاتها. استجلبت الحكومة هذه المليشيات الأجنبية التي تحترف القتل من أجل المال، في محاولةٍ منها لتعديل المعادلة العسكرية التي اختلت كثيرًا بهجوم الجبهة الثورية على أم روابة وأبو كرشولا، واقتراب العمليات العسكرية من مركز النظام في الخرطوم وكوستي وأم روابة. فلقد ظلت الحكومة تقول إنها ستدخل "كاودا" في جبال النوبة، منذ أكثر من سنتين، ولكن ذلك لم يحدث قط. بل على العكس من ذلك، فإن الذي حدث هو أن قوات الحركة الثورية اقتربت أكثر من الخرطوم نفسها، كما انتشر الاضطراب الأمني على نطاقٍ أوسع من سابقه بكثير.
أخذت الحكومة تعلن في الشهرين الماضيين أن هذا الصيف سيشهد حسمًا تامًا للتمرد. والسؤال هو: لماذا هذا الصيف؟ لماذا لم يحدث ذلك في الصيف السابق، أو الذي سبقه؟ والإجابة هي أن الحكومة لم تكن تملك القوة الكافية، ولا المال الكافي، بالقدر الذي يمكنها من حسم أي شيء.الجديد في الأمر أن الحكومة تمكنت مؤخرًا من استجلاب ميليشيات أجنبية، وجهزتها باللاندكروزرات والأسلحة، وأسمتها قوات "الدعم السريع". وغالبًا ما تكون الحكومة،التي أضحت تعاني إفلاسٍا كإفلاس منتصف التسعينات، قد أقنعت جهاتٍ أجنبيةٍ بتمويل هذه الحملة الجديدة، بعد أن عجزت عن فعل شيءٍ ازاء حَمَلة السلاح،منذ هجمتها على الحركة الشعبية قطاع الشمال في كادقلي والدمازين، ومحاولة تجريدها من سلاحها، ومحاولتها الخرقاء للالتفاف على اتفاقية نيفاشا، في ما يخص قطاع الشمال، عقب انفصال الجنوب. يبدو أن الحكومة زعمت لمن أقنعتهم بتمويل هذه الخطة الجديدة وتجهيزها بالسلاح، أن هذه الخطة تمثل تطورًا نوعيًا، سوف يحسم الموقف لصالحها عسكريًا، وبصورةٍ نهائية. هذه هي الصورة، كما أراها، وكل القرائن تدعم، إنما تدعم هذا الاحتمال.
ما فات على الحكومة، وهي تحلم أحلامًا أبعد ما تكون عن الواقعية، أن هذه المليشيات المستأجرة ليست من شاكلة "طالبان"، أو "داعش"، أو "جبهة النصرة"، حتى تقاتل وتعطي نتائج انجازاتها لحكومة الخرطوم بوصفها "حكومة إسلامية". هذه مليشيات تحارب من أجل المال، ومن أجل اشباع الرغبة في الاستمتاع بامتلاك القوة، والشعور بأنها فوق كل قانون، والرغبة في امتلاك السلطة. وقد تجلت طبيعتها هذه في كل ما بدر منها، في الشهر الماضي، في كردفان ودارفور.فهي لا تحارب من أجل عقيدةٍبل ولا من أجل أي قضيةٍكانت. ولذلك فإن هذه المليشيات قابلة للتحور في مختلف الصور بناءً على تغير الأجندة وهو أمرٌ تصنعه الأحداث وهي تتسلسل.
بهذه الخطوة، التي ليست جديدةً في سجل الانقاذ، تكون الانقاذ قد قامت بأكبر قفزاتها التي لا تنفك تقفزها  في الظلام. فالخطوة الجديدة هذه أخطربكثير من سابقاتها التي نفذتها ميليشيات الجنجويد قبل سنوات. والسبب أن هذه الخطوة تأتي في وقتٍ أصبحت فيه سلطة الدولة المركزية، وسلطة حكام الولايات في أضعف أحوالها. فالذي دفع إلى هذه الحملة التي تنبئ بتداعيات كارثية، هو أن اليأس قد اتسع وتعمق. يضاف إلى ذلك، أن حلفاء الانقاذ الأيديولوجيين الخارجيين، أصبحوا أكثر حرصًا على ألا يذهب هذا النظام، الذي، لم يزل بأيديهم. وبهذا أصبح السودان أرضًا لمعركةٍ ليس للأجندة الوطنية، ولا لمصالح الشعب السوداني فيها مكانٌ أبدًا. لقد تم رهن السودان أرضًا وشعبًا ومستقبلاً لأجندة إقليمية. ما يجري الآن هو محاولة للإبقاء على السلطة بأي ثمن، وبغض النظر عن أي اعتبارٍ آخر، مهما كانت أهميته. ويشمل ذلك كل ما يمكن أن نعتبره ثابتاً وطنيًا؛ بما في ذلك أمن المواطنين، وتماسك التراب الوطني ذاته. لقد اكتمل اختطاف الدولة السودانية وحشرها في أتون دوامةٍ لا يمكن تمييز حابلها من نابلها.
هذا النوعية من المليشيات يصعب التحكم في المخرجات النهائية لما تقوم به. فإن هي خسرت الصراع، فسوف تخلف دمارًا ومآسي سوف تستمر آثارها لعقود. وإن هي انتصرت فيه، فإن انتصاراتها، لن تصب، بالضرورة، في مصلحة السلطة المركزية الحاكمة، كما تمني هي نفسها. القوة، والسلطة المتنامية، ونشوة القدرة على القهر، سوف تغري هذه المليشيات بأخذ كل الأمور في يدها. ولذلك، سوف تقلب هذه القوات ظهر المجن للسلطة المركزية في الخرطوم، التي استأجرتها. لأنها سوف تسعى إلى إنشاء امبراطوريتها الخاصة بها، مثلها ومثل كل أمراء الحرب في التاريخ. ستفعل ذلك، بعد أن تكون قد درست هذا الفضاء الشاسع الغني، على الطبيعة، وعرفت مغانمه. ولذلك فستتولد لديها الرغبة في السيطرة عليه منفردةً، أوتتقاسمه بين مكوناتها، في حالة اختلاف القادة على الغنائم. وأغلب الظن أنها ستقوم بذلك في الحالتين؛ حالة توحدها، أو حالة انقسامها، بالتحالف مع قوىً خارجية ذات مصلحة؛ إقليميةً كانت، أم دولية. ما أراه الآن، أن دارفور تمر بنزعها الأخير، وستليها كردفان التي بالإضافة إلى اشتعال الحرب في جنوبها، يقترب الاضطراب منها، حيث إذ إلى التخوم الدارفورية المجاورة لها، في "الطويشة" و"اللِّعَيِّت".ولو أضفنا إلى هذه الصورة التي تنطق بالفوضى الشاملة، قتال القبائل في ما بينها، الذي لا يتوقف إلا ليشتعل من جديد، يتضح جليًا أن دارفور تمر بنزعها الأخير، وستليها كردفان الكبرى.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.