يتخثر اللبن حين يبقى طويلاً في الحر؛ أي يفسد. وتتخثر الدولة ــــــ أيُّ دولة ـــــــ حين تفارق المؤسسية، وحين تدار بأمزجة القلة، وتبقى طويلاً حبيسةً في حالة فقدانٍ للرؤية، وحين يمسك الفساد بمفاصلها ويقعدها تمامًا عن أداء وظائفها. ودولتنا السودانية وصلت، في الحالة التي نراها عليها اليوم،درجة التخثر. ورغم أن في تخثر الدولة نذارةٌ بشرٍّ مستطير، وأن في ذلك ما يبعث على اليأس، إلا أن فيه أيضًا بشارةٌ، وفيه ما يبعث الأمل في النفوس! فالحياة دورات متتالية، وكل صعودٍ إنما يتولد، وبالضرورة من حالة هبوط. وتأتي البشارة من مَثَلٍ طريف من التراث الإفريقيٍالقديم،استخدمه كلٌّ من شريف حرير، وتريجي تفيدت، في كتابهما، "السودان: النهضة أو الانهيار". وقد اقتبس المؤلفان هذا المثل من استشهادٍ سابقٍ به، قام بهالعارف، والحكيم الإفريقي الشهير، البروفيسور، علي مزروعي.
يقول مزروعي هناك حكمةإفريقية قديمة مفادها، أن شجرة المانغو في الغابة لا تأتي عادة إلا من ثمرةٍ سقطت على الأرض، فبقيت فوقها حتى تعفنت، واندفنت تحت التربة ونبتت فخرجت منها شجرة مانغو جديدة.استخدم مزروعي ذلك المثل ليشبه أحوال الدول الإفريقية في فترة ما بعد الاستقلال. فالدولة التي خلفها المستعمر، في نظره، مثلها مثل ثمرة المانغو. ولذلك لم يكن هناك مناصًا من أن تسقط تلك الدولة الكلونيالية، وتتعفن وتتآكل فتظهر بذرتها وتنمو لتنتج دولة جديدة. والسودان اليوم، تخثرت دولته وتعفنت، ولم يبق لها سوى أن تنبت من جديد، إن قدر لها أن تنبت.ويعني هذا، أنه رغم رؤية مزروعي المتفائلة تلك، سنبقى معلقين بين اليأس والرجاء، فما كل الثمار التي تسقط وتتعفن تخرج منها شجرة جديدة.
يتحدث هذا المقال عن بعض سمات التخثر في دولتنا، ومن تلك السمات، لبس الحزب لجسد الحكومة، والحكومة لجسد الدولة، وانعدام الفواصل بين هذه الأبنية الثلاث. فالحكومة لا تعني الدولة، ولا ينبغي لها، والحزب لا يعني الحكومة ولا ينبغي له. غير أن أهل الإسلام السياسي السودانيين، كما سبق أن أشرت، في مقالةٍ سابقة، قد أقاموا حكومةًاتجهت عامدةً منذ البداية لتبتلع الدولة، وتمحو المسافة الفاصلة بين الحزب والحكومة، حتى لم يعد من الممكن فرز أين هي الدولة، وأين هي الحكومة. هذا "الاندغام"، بين الحزب والحكومة والدولة يمثل، في حد ذاته، أكبر علامات التخثر، لأنه قدمحا الحيز العام كلية، أو كاد؛ محاه اقتصاديًا، ومحاه سياسيًا، ومحاه إعلاميًا، ومحاه ثقافيا. يقول يورغنها برماس إن الفضاء العام هو الحارس للناس من تجاوزات الدولة. هو فضاء الرأي العام والصحافة الحرة وقواعد المؤسسية المرعية من الجميع حيث يصبح نقد الدولة وتقويم أدائها ممكنًا. غير أن هذا الفضاء العام يحتاج المعلومات من الدولة ليتأسس عليها نقد أداء الدولة. وحكومة الإنقاذ ظلت الأكثر شحًا في تمليك المعلومات والحقائق للشعب، في تاريخ البلاد. فالكل أصبحوا في عهدها الطويل جدًا،في ظلامٍ دامس. ، بل أصبح بعضٌ من الإسلاميين أنفسهم يقبعون في الظلام، مع بقية الشعب. فلقد جرّدت الانقاذ الجميع من كل شيء. والحوار الذي يدور، يدور من غير معلومات متوفرة. لم يعرف الشعب أرقاما يطمئن إليها عن البترول الذي جاء وذهب، ولا عن العطاءات، ولا المقاولات لمن أعطيت وكيف تم تنفيذها، ولا الأراضي لمن بيعت وبأي ثمن بيعت، وما نصيب الشعب في ذلك، ولا يعرف الناس كم من الدخل يذهب للجيش وللميليشيات ولجيوش الأمن المتنوعة.
افقرتالانقاذ الأحزاب عن قصد، وشقت كياناتها، واشترت من قياداتها من اشترت، واستخدمته حتى استنفد غرضه ولفظته. وتسببت في انها كالبنية التنظيمية للأحزاب التي لم تتوالى معها، وأضعفت قدرتها على الوصول إلى قواعدها. كما احتكرت الإعلام وكممت الأفواه ووضعت خطوطًا حمراء لا حصر لها. كما طاردت منظمات المجتمع المدني، فأغلقت بعضها واضطرت بعضها الآخر للهجرة. ومع كل هذا المحو للفضاء العام وللرأي الآخر، خرجت علينا الشظية الأكبر المتبقية من أهل الانقاذ، الممثلة في الحكومة، والمؤتمر الوطني، بدعوة للحوار الوطني،مصرة على إقامة الانتخابات في ميعادها في عام 2015. انهم إذن سادرون في ضلالهم القديم!
الخلاصة التي يمكن أن نخرج بها من هذه الدعوة للحوار بهذه الصورة، هي: حاورونا لنبقى في السلطة كما كنا دون تغيير. أو، بتعبير آخر، حاورونا في ما تبقى من هذا العام، للتنفيس النفسي، عنّا وعنكم، لا أكثر! ثم باركوا لنا، مقدمًا، خطتنا المسبقة للفوز بالانتخابات،(وهي خطة مجربة ومضمونة بنتائجها المعروفة في عام 2010). فمع هذا "الاندغام" بين الدولة والحكومة الذي جعل المؤتمر الوطني حزبًا بموارد دولة، كما كان شبيهه في مصر المسمى الحزب الوطني، لا فرصة لأحد في فوز قط، ولا حتى في الحدود التي توفر قدرًا معقولاً من المعارضة. ولو انضم الترابي وقبيله إلى المؤتمر الوطني، وهذا واردٌ جدًا، فإن الإنقاذ تكون قد (صفرت العداد)، كما قال نافع علي نافع، وعليه فليبل الجميع رؤوسهم لحلاقةٍ (بموس ميتة) مداها ربع قرن آخر!
هذا الوضع، يحتِّم على القوى المعارضة بمختلف توجهاتها أن تعلن معارضتها لأي انتخابات يحدِّد زمنها وطريقتها المؤتمر الوطني وحكومته وأجهزته الأخرى مثل لجنة الانتخابات.فإذا كانت الحكومة تحدد وقت الانتخابات، وهي التي ظلت في السلطة لأربع وعشرين عامًا، وتحدد طريقتها، وتعيّن لجنتها، ففيم الحوار إذن. ألا تعرف الانقاذ أنها أفقرت الأحزاب وحرمتها نشاطها وفصلتها من قواعدها، ومنعتها من الليالي السياسية، وأغلقت صحفها، وضيقت عليها، ومنعتها من إقامة الندوات العامة في الميادين المفتوحة، وأوصدت أمامها أبواب الإذاعات والتلفزيونات إلا في إطار ما تسمح به، بل وأفسدت قواعدها؟  هل الحوار هو أن يبصم معارضوها على خططها للبقاء في السلطة والهيمنة على الجميع لخمس سنوات أخرى؟ فأي حوارٍ هذا.
مليشيات الأبيض
ظلت الصحف والأسافير تتحدث منذ ما يقارب الثلاثة أسابيع عن ميليشات مسلحة ظلت تعيث فسادًا في مدينة الأبيض وما حولها، إذ ورد أنها قتلت صاحب دكان في مدينة الأبيض، واغتصبت فتيات في مكانٍ آخر،وعبثت بالأمن الاجتماعي، وأحدثت حالة من الفوضى وتجاوز القوانين، ما أثار غضب المواطنين وقادهم إلى تسيير مسيرات إلى الوالي، الذي وعدهم بإجلاء تلك القوات.ويبدو أن الوالي فشل في الايفاء بوعده، وظل الأمر، في جملته، محاطًا بالغموض. وبماأن الإعلام مكمم الفم، ويقع تحت قبضة الأمن، فلم يتم الحديث عن هذا الأمر وتسليط الضوء عليه بما يستحق، رغم أنه أمر بالغ الخطورة.لم نعرف ما هي تلك المليشيات،وممّ تتكون، ولمن تتبع، وماذا تفعل في الأبيض.
مسألة ميليشيا الأبيض هذه، تمثل في نظري، مؤشرًا من مؤشرات تخثر الدولة في طوره المتأخر. معروف عبر التاريخ أن أول شيء يبدأ به الحكام هو بسط الأمن. فانعدام الأمن يعني انعدام الدولة؛ سواء كانت مملكة أو سلطنة، كما في القديم، أو جمهورية بأي شكلٍ كانت، كما في الحديث. المشكلة الآن أن ما يهدد الأمن ليس قطاع طرق أو عصابات المدن، أو لصوص القرى، وإنما ميليشيات أنشأتها الحكومة وهي تعلب أخطر الأوراق في محاولتها للتشبث بالبقاء بأي ثمن. أنشأت الحكومة مليشيات بإزاء الجيش النظامي، لحسابات خاطئة ظلت تحسبها. غير أن ما جرى في الأبيض يدل على أن هذه المليشيات أفلتت من قبضة الحكومة. وانطبق على الحكومة المثل الذي يقول: "التّسوي إيدك يغلب أجاويدك".  
في غمرة انشغالنا بمسألة ميليشيا الأبيض، نشرت صحيفة "الرأي العام"10 فبراير 2014حديثًا للتجاني السيسي رئيس السلطة الانتقالية في دارفور يقول فيه إن الخطر الداهم على السودان يتمثل في الصراعات الجهوية والقبلية. وذكر السيسي أن هناك انتشارًا  كثيفًا للسلاح، تسببت فيه الحكومة نفسها. كما دعا لتقوية القوات المسلحة، حتى لا تصبح جيوش القبائل أقوى منها، مؤكدًا أن كل قبيلة في دارفور أصبحت تملك جيشًا. لقد لعبت الانقاذ ومراكز قواها المتعددة لعبة القوة العسكرية بأساليب غاية الخطورة أوصلت البلد إلى هذه الحالة من فقدان هيبة الدولة، ومن احتمال انفراط عقد الأمن بصورة شاملة غير مسبوقة.ولتعرف الحكومة أن السلاح لا يحمي، ولو أنه يحمى لكان قد حمى القذافي صاحب أكبر ترسانة من الأسلحة الأرضية.


حُمّى التكريم
منذ فترةٍ، لا يكاد يمر يومٌ، دون أن تذكر لنا تلفزيونات حكومتنا أن هناك تكريمًا من نوعٍ ما، سوف يتم في مكانٍ ما! بعضه تقوم به الدولة، وبعضه الآخر يقوم به الناس الذين أصيبوا بدورهم بـ "حُمَّى التكريم" هذه.بل،أخذت هذه الحمى منعرجًا عجيبًا،حتى بلغت درجة "تكريم التيوس"، ومالكي تلك"التيوس الذهبية"! وهو أمر أوسعه الكُتّاب سخريةً في الأسبوعين الماضيين. ولو استخدمنا منهج التحليل النفسي، لربما أصبح بمقدورنا أن نرد هذه الحُمى "النفسية"، إلى بواعثها، وهي حالة الفشل المزمنة. فـ "العقل الباطن الانقاذي"، و"العقل الباطن الجمعي"، أصبح كلاهما يبحثان عن شيءٍ يخفف عنهما وطأة الإحساسالممض بالفشل.فلقد تعذرت النجاحات، ولم يعد إليها من سبيل، فنشأت حالة من البحث المضني عن نجاحٍ من نوع ما.فالذين يناصرون الحكومة ممن استفادوا منها ماديًا، وجدوا أن المادة وحدها لا تكفي، ووجدوا في التكريم منفذًا لتحقيق الذوات في ظل سلطة قضت على الفكر وعلى الثقافة وعلى الفنون، ولم يبق سوى الأكل والشرب والنوم. تفنن هذا القبيل في اقتراحات التكريم، وملأوا المنصات أمام عدسات التلفزيون، والبلاد جائعة وخراب!
حين نجح قبطان سودانير في انزال طائرة الفوكرز بنجاح، بعجلين، بعد أن تعطل نظام انزال العجل الثالث، هرعت الحكومة بأكملها إلى تكريمه في حالة محيّرةٍ من الهياج. وما من شك أن ذلك القبطان يستحق التكريم، ولكن كان من الممكن أن يتم ذلك التكريم من قبل رئيس المؤسسة التي يعمل فيها ذلك الطيار الشجاع. وهذا هو التقليد المتبع في المؤسسات عادة. وكان من الممكن أن ترسل الحكومة مندوبًا عنها يمثلها في تكريمه، وتعطيه من الجوائز ما تود أن تعطيه. لكن الحكومة التي تعاني من "فقر الانجازات" الملوسة، المزمن، أفلت منها لجام النفس، فقفزت بكل ثقلها على ذلك "الانجاز القدري"،مقحمةً نفسها، دون حياءٍ، في الصورة. فسودانير نفسها كناقلٍ وطنيٍّ، أصبحت أثرًا بعد عين، والحكومة تعلم ذلك منذ فترة طويلة. لكنها، في ما يبدو، لكي تنسينا أننا فقدنا ناقلنا الوطني، وأننا لم يعد لنا اسمٌ يُرى في سماوات العالم العاجة بأسماء شركات الطيران العالمية،رأت أن تسطو على انجاز ذلك الطيار المقتدر الشجاع، وتقول لنا: نحن حكومة تستطيع أن تنزل الطائرة بسلامٍ بعجلين فقط، فما لكم كيف تحكمون؟!!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.