يبدو أن خمسين عامًا قد ضاعت بلا نجاحٍ يذكر في تثبيت الحقوق الدستورية حتى وسط النخب! ففي العام المقبل، 2015، تكمل مؤامرة حل الحزب الشيوعي السوداني، وطرد نوابه، المنتخبين ديمقراطيًا، من البرلمان، عامها الخمسين. جرى حل الحزب الشيوعي تحت ستارٍ كثيفٍ من دخان التبريرات الملتوية، التي صاغها ونشرها حينها الدكتور حسن الترابي. وهي تبريرات باركها السيد الصادق المهدي، ودفع بها قدمًا إلى درجة الاستخفاف بقرار المحكمة العليا التي أبطلت قرار حل الحزب الشيوعي معلنةً عدم دستورية. حدث ذلك عندما كان لنا قضاء "يهز ويرز". قال السيد الصادق المهدي معلقًا على قرار المحكمة العليا: إن حكم المحكمة العليا "حكم تقريري"، أي أنه لا يقتضي بالضرورة نفاذًا! (يعني مجرد وجهة نظر). حينها استقال السيد بابكر عوض الله، رئيس القضاء من منصبه، وقال إنه لم يشهد في حياته استخفافًا واستهانة بالقضاء كالتي جرت!
دخل في قتام ذلك الستار الدخاني الذي صنعه الدكتور الترابي أيضًا، كل من السيد الهادي المهدي، والسيد إسماعيل الأزهري. باختصار، أجمعت القوى التقليدية ممثلة في الحزبين الكبيرين، ومعهم الإخوان المسلمون على مؤامرة حل الحزب الشيوعي، بتعديل الدستور، وتحريم نشاط الحزب، وطرد نوابه من البرلمان. ولنا أن نتصور الفاجعة!يعيد الشعب الديمقراطية بثورةٍ فريدةٍ في أكتوبر 1964، وبعد عامٍ واحدٍ فقط، تلتف عليها القوى الطائفية، معتليةً موجةً من الغوغائية حركها الإخوان المسلمون، كدأبهم دائمًا، لتتحول الديمقراطية المستعادة، في رمش العين، إلى ديكتاتورية مدنية!
عارضت تلك المؤامرة المفضوحة جمهرة المثقفين، كما عارضها المهنيون، وعارضها حزب الشعب الديمقراطي الذي لم يندمج حينها بعد، مع الحزب الوطني الاتحادي تحت مظلة "الحزب الاتحادي الديمقراطي". كما عارضها الجمهوريون. وكان الأستاذ محمود محمد طه الأعلى صوتًا، والأوثق حجةً، في تلك الحملة المعارضة، فأصدر كتابًا فضح به الضحالة والغرض اللذين اتسم بهما كتاب الدكتور الترابي المسمى، "أضواء على المشكلة الدستورية". حاول الترابي، بوصفه قانونيًا وفقيهًا في القانون أن يقدم في كتابه ذاك حججًا لتبرير تعديل الدستور، وتسويغ حل الحزب الشيوعي. أما الأستاذ محمود فقد أسمى الكتاب الذي أصدره في الرد على الدكتور الترابي،"زعيم جبهة الميثاق الإسلامي في ميزان الحضارة الغربية والإسلام"، (يمكن مراجعة كتاب الأستاذ محمود على موقع:www.alfikra.org)،في ذلك الكتاب فضح الأستاذ محمود محمد طه تنكُّر الدكتور الترابي، بوصفه قانونيًا، وعميدًا سابقًا لكلية الحقوق، لقيم الحضارة الغربية التي تضع الحقوق الأساسية (حق التنظيم والتعبير عن الرأي) في مركز الدستور.كما فضح جهله وتنكره لقيم الإسلام الجوهرية التي لا تقر مصادرة الرأي. (تحول الترابي الآن من فهمه القديم، إلى فهم الأستاذ محمود محمد طه، وكذلك السيد الصادق المهدي). وأبان الأستاذ محمود أن المادة (5 – 2) من الدستور، المراد تعديلها لتسويغ حل الحزب الشيوعي، مادةً ليست قابلة للتعديل أصلاً، لأنها مادة متعلقة بالحقوق الأساسية، فهي تمثل أساس الدستور،إذ تتفرع منها كفالة الحق في إنشاء التنظيمات، وتعديلها على ذلك النحو الذي يتم وفقه حل حزب من الأحزاب، وطرد نوابه من البرلمان بعد أن انتخبهم الشعب، بأي حجةٍ كانت، يعني تقويضًا تامًا للدستور.
نستقبل الآن اليوبيل الذهبي لتلك الحادثة المؤسفة؛ حادثة حل الحزب الشيوعي، التي أثّرت تأثيرًا عميقًا على ما تلاها من تاريخنا السياسي، إذ أحدثت سلسلة من التداعيات،وأدخلت يأسًا وقنوطًا إلى أفئدة أنصار معسكر الحداثة والتقدم، لتتشكل من ثم، استراتيجيات جديدة، أخذت تباعد بين أهل معسكر الحداثة وبين الاحتكام المبدئي إلى آلية الديمقراطية، والصبر عليها. أدت تلك الحادثة إلى الإخلال بتوازن الدولة وانهيار أهم ثوابتها، وهي الدستور الكافل للحريات، والقضاء الحارس للدستور والمفسر له.نتيجة لتلك الحادثة الغوغائية، وصلت حالة اليأس بالمثقفين وبالحزبيين والمهنيين، مدىً جعل السيد بابكر عوض الله رئيس القضاء، الذي استقال عقب مؤامرة حل الحزب الشيوعي، بسبب ما تعرض له الدستور من خرق، والقضاء من امتهان، يستدير مائة وثمانين درجةً، فيقبل أن يكون رئيسًا لوزراء حكومة نميري الأولى بعد الانقلاب. وذلك نهج سبقه عليه أحمد خير المحامي الذي انضم لحكومة انقلاب عبود.
كان هذان الرجلان ديمقراطيان، وهما من أميز الرواد، لكنهما يئسا من الديمقراطية، حين رأيا التلاعب الذي حاق بها من جانب الأحزاب التقليدية والإخوان المسلمين. ويمثل تحوُّل بابكر عوض الله إلى الشمولية، مجردٍ بعضٍ من الآثار الضارة الممتدة لحادثة حل الحزب الشيوعي عام 1965.وبطبيعة الحال، فإن انقلاب نميري، وما وجده من تأييد منقطع النظير من المثقفين والمهنيين ومن عامة الجمهور، أمر لعبت فيه حادثة حل الحزب الشيوعي دورًا كبيرًا. لقد كانت تلك الحادثة المؤسفة نقطةً فارقةً، إذ منها تسارع انحدار الممارسة الديمقراطية في السودان، ودخل الحزبان العقائديان "الشيوعيون" و"الإسلاميون" من تأييد الانقلابات إلى صناعتها. وهكذا خرج قطار الديمقراطية في السودان من سكته.
أمضينا خمسين عامًا ونحن نشاهد عجزًا عقليًا مريعًا وسط النخب المتأسلمة عن إدراك ما هي الدولة، وما هي الحقوق الأساسية، وما هي أهمية كفالتها في الدستور، وحراستها بالقانون. شمل هذا العجز القوى التقليدية، التي تمثلها الأحزاب الكبيرة، والحداثية التي يمثلها الإخوان المسلمون،عبر تبدُّل مسماهم. ورغم أن الدكتور عبد الله علي إبراهيم يرى أنه لم يبق من السياسيين، من يرى في واقعة الحزب الشيوعي في 1965 مأثرةً، اللهم إلا الأشقى، إلا أنني أخشى أن أقول إن من بيننا من لا يزالون يرونها مأثرة. ربما، لم يعد كبار السياسيين يرون في حل الحزب الشيوعي عام 1965 مأثرةً، بل لعلهم أصبحوا موقنين من أنها كانت زلّةً كبيرة. ولكن ماذا نصنع مع فعائل هؤلاء السياسيين الممتدة، التي أضرت بالوعي الديمقراطي، وبثقافة الحقوق الأساسية، خاصة فعائل الدكتور الترابي، الذي ظل معوله يهوي بلا انقطاع على القانون السوداني، وعلى القضاء السوداني، منذ مشاركته نميري الحكم بعد المصالحة الوطنية، وتسنمه منصب النائب العام،ومنذ لجنة تعديل القوانين لتتماشى مع الشريعة الإسلامية، ومنذ محاكم الطوارئ ونيابة محمد آدم عيسي، وولاية حاج نور للقضاء. هذه الفعائل الترابية المتسلسلة هي التي أوصلتنا إلى حالة التردي المريعة الراهنة، التي أصبح فيها من كان نائبًا لرئيس القضاء يتحدث من منصة من ولي القضاء، عن ضرورة تكميم الأفواه! تصور!نائبًا سابقًا لرئيس القضاء يستعدي السلطات على مواطنين لهم تنظيمات، ولهم آراء في مستقبل ومصير بلادهم يريدون أن يبثونها على الناس وفق ما يقره القانون. فأي رجل قانون هذا؟أين درس، وماذا درس، وكيف تدرج حتى أصبح نائبًا لرئيس القضاء؟!
أوردت صحيفة السوداني قبل أيام أن نائب رئيس القضاء السابق عبد الرحمن شرفي يستغرب أن للشيوعيين وللجمهوريين نشاطًا متزايدًا، رغم أن الحزب الشيوعي تم حله، وأن زعيم الجمهوريين تم إعدامه! ولقد أدخلني استغراب الرجل في استغراب أكثر، بل وفي "وحسة". فأنالم أصدق أن يصدر حديثٌ كهذا من رجلٍ ولي القضاء، بل وأصبح نائبًا لرئيسه! فهل يا ترى لا يعرف هذا الرجل الذي تبوأ منصب نائب رئيس القضاء، وظل فيه حتى وقتٍ قريبٍ جدًا، أن الحزب الشيوعي السوداني، حزبٌ مسجلٌ لدى مسجل الأحزاب، وفقًا لقانون تسجيل الأحزاب الإنقاذي الصنع، وأن لهذا دارًا تُزار في مدينة الخرطوم؟!ثم ألا يعلم هذا الرجل المنسوب إلى القضاء أن الحكم على الأستاذ محمود محمد طه قد نقضته المحكمة العليا، الدائرة الدستورية؟ فكيف لا يعرف من تسنم منصب نائب رئيس القضاء السوابق القضائية المثبتة في سجلات الجهاز الذي احتل فيه منصب الرجل الثاني؟ خاصة أن حكم النقض منشور في مجلة الأحكام القضائية! هذا إضافة إلى أن هذه السابقة القضائية، سابقةٌ لا شبيه لها على الإطلاق.
فيما يشي به الحراك السياسي المتصل هذه الأيام، يبدو أن هناك تقاربًا سيتم بين المؤتمر الوطني، وبين المؤتمر الشعبي، وبين حزب الأمة. ونسأل الله اللطف، ألا يكون ما يجري عودة إلى مربع حل الحزب الشيوعي عام 1965، ولا إلى الجبهة الوطنية في السبعينات، أو قوانين سبتمبر 1983. فإذا كان من الممكن أن يصل إلى منصب نائب رئيس القضاء في بلادنا رجلٌ كالذي رأينا، فإن كل شيء آخر فيها ممكن.وبالتزامن مع ما أدلى به نائب رئيس القضاء السابق، نشط المكاشفي الكباشي منتدبًا نفسه مع آخرين لتقديم النصح للحكومة لتقف ضد ما أسماه "الإلحاد" و"العلمانية". وما أشبه الليلة بالبارحة! فهل يا ترى ضاعت منا خمسون عامًا في ما يشبه الحرث في البحر؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.