مشكلة السودان، مشكلةٌ اقتصاديةٌ في المقام الأول، ولا ينفي هذا أن للاقتصاد متطلباتٌ سابقة، منها المعرفة ومنها ديمقراطية القرار، ومنها الأخلاق، ومنها القيادات التي تعرف ما تريد. فمشكلتنا، في الأساس، مشكلة فقرٍ مدقع، في دولةٍ مترامية الأطراف، لم تحقق أيٌّ من الخطط الاقتصادية والتنموية المتعاقبة فيها، عبر فترة ما بعد الاستقلال، أي نجاحٍ يذكر. بل كانت النتائج تتحول من سيِّءٍ إلى أسوأ حتى وصلنا مؤخرًا إلى مرحلة الكارثة الاقتصادية الشاملة. وحتى بعد أن دخلت علينا عشرات المليارات من الدولارات، في العقد الأول من هذا القرن، بسبب البترول، ازداد وضعنا سوءًا، حتى وصلنا إلى ما يلحق بـ "الكارثة الاقتصادية".
يقول عطا البطحاني في كتابة القيم "أزمة الحكم في السودان: أزمة هيمنة أم هيمنة أزمة"، إن المشاريع التي كانت تديرها الدولة، عندما تسلمنا الحكم من البريطانيين، ظلت توفر 40% من الدخل العام، في حين كانت الضرائب توفر الـ 60% المتبقية. وكان السودان هو الأفضل في هذه الناحية، مقارنة بغيره من الدول الإفريقية التي كانت تعتمد على ما نسبته 90% من الضرائب في دخلها العام. يضاف إلى ذلك، أن البريطانيين كانوا حريصين ألا يأخذ التغيير في البنية الاقتصادية منحىً راديكاليًا، يؤثر سلبًا على توازن البنى الاجتماعية، وعلى الاستقرار الاجتماعي بصورةٍ عامة. ولذلك فقد حرصوا على ألا تقوم طبقة رأسمالية تمتلك الأراضي وتجرد منها الرعاة والزراع وتقتلع الناس من أماكن زراعتهم ورعيهم. غير أن عهود الحكم الوطني التي أمسكت بدفتها النخب ذات النظر القصير، التي يقودها الاندفاع العاطفي،والجنوح للدعاية، والنفور من إلقاء البال للحكمة وللعلم، والاستعداد للتعايش مع الفساد، شرعت تعمل ضد ما ظل الانجليز حريصون عليه. وما أسهل أن يركب السياسي "الديماغوغ" موجات ادعاء الوطنية، وما يصحبها من هوشات، فينسب كل ما يقول به المستعمرون من تحذيرات إلى سوء طويتهم ومؤامراتهم ضد البلد، ويشرع من ثم في خبط العشواء، ذات اليمين وذات الشمال، بلا رؤية، وبلا علم.
هذه الهوشات بدل أن تنقلنا إلى شيءٍ أفضل من اقتصاد الكفاف،الذي كنا عليه منذ قرون، أفقدتنا اقتصاد الكفاف نفسه. كما أغرقت بلادنا في ديونٍ لا يمكن سداد حتى فوائدها، دع عنك أصولها.فالخطط الخاطئة المتعجلة قصيرة النظر، وعدم المؤسسية الذي صاحب تنفيذها، والانفراد بالقرار السياسي، والفساد النادر الشبيه، اقتلعت مجتمعة ًسكان الريف، وقذفت بهم إلى أحزمة الفقر في أطراف المدن، ففقدنا الريف وفقدنا المدن في آنٍ معا. وما زاد الطين بلة، أننا انتقلنا بسبب علو صوت الفهم الديني المنغلق من جهة، واستغلال الدين كأداة للسيطرة والهيمنة، من الجهة الأخرى، إلى مسلسل الحروب الجهوية، التي ما تفتأ رقعتها تتسع،فتقتلع مزيدًا من مجتمعات الريف من أماكن سكناها، وأنماط عيشها المتوارثة، وتتحول الأراضي إلى حقول ألغام تحتاج ازالتها إلى ميزانياتٍ ووقتٍ كانت التنمية أولى بهما.
الدول التي تروّت– ولتروِّيها أسباب مختلفة -بقي سكانها في الريف ولم يغادروه. وظلت، من ثم، محتفظةً بتوازن نمط حياتها القديم. نعم، لقد بقيت هذه الدول فقيرة. غير أنها، احتفظت بأنماط عيشها الموروثة، ولم تقفز قفزات غير محسوبة في الظلام، كالتي قفزناها نحن، خاصةً في حقبة نميري. جعل هذا التروى تلك الدول محتفظةً ببنايتها الاقتصادية الاجتماعية الأصلية، ومن ثم، قابليتها للتطور المدروس. في حين فقدنا نحن تلك القابلية بسبب المضاعفات والتعقيدات التي نتجت من الخطوات المتعجلة الخاطئة.
تقول الإحصاءات أن نسبة سكان المدن إلى سكان الريف في السودان تمثل 40%، في حين أن نسبة سكان المدن إلى سكان الريف، في الجارة إثيوبيا، تمثل 17%.صبرت إثيوبيا على الفقر، ولم يكن ذلك الصبر كله اختيارًا بطبيعة الحال، إذ فرضت بعضه عليهم ظروف مختلفة، ليس هذا مكان تعدادها. الشاهد، أن ذلك الانتظار أبقى المجتمع الإثيوبي مرتبطًا بأرضه، ومحافظًا على أنماط عيشه القديمة. فالإثيوبيون، على سبيل المثال، ليس لديهم "فاتورة قمح" تذكر، ولذلك، لم يعرفوا في تاريخهم الوقوف في صفوف المخابز، ولا شيئًا اسمه "أزمة خبز". ذكرت الحكومة الإثيوبية أن 70% من سكان أديس أبابا يتنقلون بأرجلهم، ما جعلها تضمِّن مسارات للمشي في خطة الطرق الجديدة. هذا حالٌ لا يسر بطبيعة الحال. غير أنهم صبروا عليه، والآن بدأوا يحفرون لقطار الأنفاق. ولذلك، في حين بدأوا ينهضون بثباتٍ ملفت، أصبحنا نحن إلى شفا انهيار الدولة نفسها. استثمر الإثيوبيون في الاستقرار السياسي، وفي اطفاء الحرائق، وفي خلق فيدرالية فاعلة، وفي تثبيت المؤسسية. قياداتهم الناضجة التي قلبت الطاولة على نظام منغيستو، وصلت إلى الحكم برؤية، وبخطة، فكسبت رضا أغلبية الشعب، وكسبت القبول والثقة من جانب المجتمع الدولي، ووضعت البلاد، من ثم، على الطريق الصاعد. وهذا مثالٌ واحدٌ فقط من جوارنا، لدولةٍ أقل منا مواردًا، وبما لا يقاس. أما غيرها، فكثير.
يمكن القول، وبصورةٍ مجملة، إن نخبنا التي تبادلت الجلوس على كراسي الحكم نخبٌ لم تمثل نهضة البلاد أولويةً لديها، بقدر ما مثلتها المصالح الجهوية. لاحظ حيدر ابراهيم في كتابه الذي يقطر صدقًا، "السودان الوطن المضيع"، أن أعضاء الجمعية التشريعية ونواب البرلمان الأول، ثم نواب المجلس العسكري الذي أقامه الفريق عبود، ثم نواب برلمانات الديمقراطية الثانية، وأعضاء مجلس نميري الوطني، ونواب الديمقراطية الثالثة، وحتى نواب المجلس الوطني الإنقاذي الحالي، يكادون يكونون هم أنفسهم. أو على الأقل، ظلوا يأتون من نفس البيوتات، أو نفس القبائل، أو نفس الأحزاب، أو نفس الجهات. هذه الفئة العريضة لا تنتمي، في حقيقة أمرها، إلى حزبٍ، ولا تفرق بين نظامٍ وآخر، عسكريًا كان أم مدنيًا. إنها تنتمي إلى مصالحها، وحسب.ولهذه الفئة العريضة امتدادات في فئة أخرى داعمة،ذات قاعدةٍ أعرض. هذه الفئة الداعمة مصنوعةٌ من نفس المادة وتحمل نفس الثقافة المضادة لدولة الحقوق المتساوية. هذا الجيش الداعم، المستعد أبدًا لتقديم الخدمات للسلطة، والإسهام في إلهاء الناس وتضليلهم عن قضاياهم الحيوية، مبثوثٌ في الأكاديميا، وفي الإعلام، وفي الرياضة، وفي الفن، وحتى في الطرق الصوفية. يعرف هؤلاء أين توجد مصالحهم،كما يعرفون كيف يحرسونها.
هذا القطاع المحوري المضاد لمرتكزات الدولة الحديثة لا يحتمل البقاء بعيدًا عن السلطة. فنوابه الأزليون السرمديون يخرجون من برلمان الديمقراطية بالباب، ليدخلوا برلمان الديكتاتورية العسكرية من الشباك، ثم يعيدون الكرة عند عودة الديمقراطية. يكره هذا القطاع أن تقوم دولة حديثة في السودان، ويعمل ضد تثبيت أركانها المتمثلة في المؤسسية، والشفافية، والمحاسبية، وحكم القانون. هذا القطاع هو الحارس للفساد وللمحسوبية ولـ "الواسطة"، ولكل ما يعيق بناء دولةٍ تنحاز للكثرة على حساب جشع ونهم القلة. والغريب أن هذا القطاع يحب الدولة الحديثة، وكل طيباتها، ولكن، على أن تكون خارج السودان، ولذلك، لا يفتأ يحول أرصدته من العملة الحرة إلى هناك.
هذه البنية ذات الثقافة الحارسة والمغذية للفساد، أوصلها حكم الانقاذ الراهن حدها الأقصي، من حيث الحجم، ومن حيث القوة التدميرية. بل هو أعطاها صبغةً مؤسسية حين رفع شعار "التمكين". ولابد من التذكير هنا، أن قابلية قيادات الأحزاب التقليدية للانشقاق على قياداتها العليا، والانضمام للأنظمة العسكرية، (عبود، نميري، البشير)، يمثل أحد الدلالات الصارخة على الطبيعة الانتهازية لهذا القطاع الفوقي العريض.
في دولةٍ فقيرة مثل السودان، لابد أن يكون الاقتصاد مسنودًا برؤيةٍ، وبخيارٍ واضحٍ، منحازٍ للبسطاء. ولذلك، لابد من وجود قيادات مدركة لطبيعة اللحظة الكوكبية الراهنة، التي أخذت فيها الرأسمالية المتوحشة تمد أذرعها الأخطبوطية إلى كل بقعةٍ وجيبٍ صغيرٍ في العالم. يقول بريجنيسكي، إن الطبقات الحاكمة في الدول النامية لا تمثل المصالح الوطنية للدولة التي يعيشون فيها، بقدر ما تمثل مصالح الشركات العابرة للقارات التي أصبحت وكيلةً لها في داخل أوطانها. وواضحٌ أنه لا يتوفر في اللحظة الراهنة خيارٌ غير الخيار الليبرالي. غير أن الليبرالية يمكن أن تنحو منحىً اجتماعيًا، منحازًا للبسطاء، كما يمكن أن تصبح تابعةً للرأسمالية المتوحشة. باختصار، لابد أن تتمحور السياسات الاقتصادية في البلدان الفقيرة حول خطةٍ واضحة منحازةٍ لعامة الشعب، وليس للشركات العابرة للقارات،أو الفئات الوطنية المرتبطة بها مصلحيًا. ولكن كيف العمل، والقلم في أيدي أصحاب المصالح أنفسهم؟ هنا مربط الفرس!
هذا الخراب الفظيع طال كل شيء، فدمر أنماط العيش المتوارثة عبر الحقب، جعل أهل الريف يهجرون ريفهم وأرضهم، وجعل من المدن ريفًا مكتظًا بالخلق، وبالفقر وبالمشاكل الاجتماعية، التي لا تنفك تتناسل كل صباح جديد.من ناحيةٍ أخرى، دفع هذا الخراب بالعقول السودانية إلى الهجرة. وفي ظل هذا الفقدان الاستثنائي للبوصلة، وفي ظل الاستعلاء الغر عن الاسترشاد بالعلم، أصبح طبيب الأسنان مسؤولا عن الاستثمار! ليتم بيع الأراضي وتأجيرها للأجانب، من غير أن يعرف الشعب ما المردود الذي سوف يجنيه من هذا البيع، أومن ذلك الإيجار. وفي ظل هذا الارتجال، يتحول وزير الداخلية، في رمش العين، إلى وزيرٍ للزراعة، بل، وقبل أن يكمل جلوسه على مقعده يعدنا بالاكتفاء من القمح في عام! وهو أمر عجزت الحكومة عن تحقيقه على مدى خمسة وعشرين عامًا؛ منذ أيام "نأكل مما نزرع".لقد تحول الاقتصاد لدينا إلى لهاثٍ مستمر لشراء الزمن،ومجرد فرقعاتٍ إعلامية، لا تمنح من الزمن المُشترَى سوى بضعة شهور!
لا اقتصاد مع الفساد، ولا اقتصاد بلا رؤية، وبلا مؤسسات، وبلا جهاز دولة مفتوح للحوار وللمراجعة وللمراقبة الشعبية المسنودة بخبرات العلماء والاختصاصيين. لن يحدث تغيير، سواء أن انضم الترابي إلى البشير، أو أشعل السيد الصادق المهدي، حردًا، انتفاضةً شعبية! سيظل السؤال المتعلق بإعادة القطر إلى عافيته باقيًا في مكانه. حقيقة ما يحتاجه القطر لن تلبيه الصراعات حول قمة هرم السلطة. لابد أن نوقف الحرب أولاً، ونبسط الحريات، ونعيد للعلم والعلماء سلطتهم في جهود إعادة بناء مؤسسات الدولة الحديثة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////