elnour hamad [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

الفشل الذي مُنينا به عبر فترة ما بعد الاستقلال، فشل قل نظيره في المحيطين الدولي والإقليمي. وإني لمن المؤمنين بأن فشلنا إنما هو فشل قيادات، ليس إلا. فقد رُزئت بلادنا بسياسيين ثرثارين، ضعيفي الرؤية، قليلي الكفاءة، كَزِّي الأنفس، أشحائها، لا يجدون أنفسهم إلا في الفعل الذي يتمحور حول الشأن الشخصي، ويجنف جنوفاً مشيناً عن الشأن العام. لا فرق في هذا بين سياسيينا المدنيين، الذي تسلموا الراية من المستعمر، وبين سياسيينا الذين جاءونا من المؤسسة العسكرية، فارضين علينا أنفسهم كـ "سياسيين"، مستخدمين قوة الدبابة، والبندقية، وجهاز الأمن الشرس. الناتج الأخير واحد في الحالتين: حلقات من الفشل تأخذ برقاب بعضها بعضا. انهار نظامنا البريدي، وسككنا الحديدية، وناقلنا الوطني. أما مطارنا فقد ظل وصمة عار على جبين الوطن.

 

مطار الخرطوم المكلوم: من المعلومات ما يجيئك عرضاً، دون أن تسعى إليه، على قاعدة: ((ويأتيك بالأخبار من لم تزود)). وبناء عليه، فإن الذي دفعني إلى هذه المقالة إنما هو انفتاح ذهني على بعض الحقائق مؤخراً. فقد رأيت، ولأول مرة، مطارات بعض دول الجوار، وهي دول تماثلنا في الفقر، وفي قلة الحيلة، ولكن مطاراتها فاجأتني بأنها لا تشبه مطارنا، لا من قريب ولا من بعيد. كما أن ناقلها الوطني ما يزال يعمل بكفاءة، وينافس بقوة في سوق الطيران! كان ظني أن مطار الخرطوم ليس بدعا في السوء، بين مطارات البلدان الفقيرة، ولذلك، لا يحق لي أن أعقد مقارنة بينه وبين مطارات الدول الغنية. ولكن، يا لغفلتي، ويا لسذاجة حسن ظني في قيادات بلادي! فقد قادتني قدماي قبل أسابيع قليلة إلى كينيا، لمهمة أكاديمية. وكان من حسن حظي أن سافرت إلى نيروبي بالخطوط الجوية الإثيوبية، وقد يسر لي هذا أن أرى مطار (بولي) بأديس أبابا بسبب ضرورة التوقف فيه لتغيير الطائرة. لم أكن أتوقع اختلافاً كبيراً بين مطاري أديس أبابا، ونيروبي، وبين مطار الخرطوم، وذلك بحكم الجوار الجغرافي، وبسبب ما تتشاركه هذه البلدان الثلاثة، من الفقر وقلة الحيلة. ولكن، كانت الصدمة! فقد فاجأني مطار أديس أبابا، مفاجأة لم تكن في حسباني على الإطلاق! وقع عليَّ ما شاهدته فيه من فخامة، وسعة، وعصرية، وتمدن، وانضباط، ومن كوادر استقبال مدربة، عالية المهنية، كالفأس على الرأس! قلت في نفسي: أين هذا من صالة القادمين بمطار الخرطوم، الكئيبة، المظلمة، التي تستقبلك فيها الشرطة ـ أعني الشرطة العادية ـ بزيها المخضوضر، الرخيص، الباهت، وتدهمك فيها، منذ الوهلة الأولى، وطأة الفقر، والتجهم، وغياب الابتسام، ونقص الحفاوة، وعدم المعرفة بعبارات الترحيب، ونقص التدريب، وعدم الإلمام بأبجديات ما يسمى بـ (خدمة الزبون)! لابد أن يكون طاقم العاملين في مدخل البلد، طاقماً متميزاً، ذا تأهيلٍ أكاديمي جيد، وتدريب عالٍ، مع إتقانٍ للغة الإنجليزية، حديثاً وكتابة. لا مانع، بطبيعة الحال أن يكون ذلك الطاقم من الشرطة، فالجوازات تتبع لوزارة الداخلية، ولكن يجب أن يكونوا فئة خاصة جداً من الشرطة، وبزي مختلف، وأفق معرفي ومسلكي مختلف. مطار (بولي) البهي: أول ما فاجأني في مطار (بولي) في أديس أبابا، وجود جهاز الربط المتحرك ذي العجلات، أعني الأنبوب المعلق، الذي يربط بين باب الطائرة ومبنى المطار. فقد كنت أتوقع كما هو الحال في مطار الخرطوم، أن أنزل بالسلم لأركب البص، ليأخذني إلى صالة القادمين، (مش نحن جيران وفقراء كمان؟!). ولكن، كانت المفاجأة! إذ وجدتني أسير في جهاز الربط من باب الطائرة إلى الصالات مباشرة! إذن أنا في مطار عصري بكل المقاييس. مطار لا يعرض الراكب، وهو يتحرك بين الطائرة وصالة المطار، لغوائل الطبيعة، من برد، وحر، ومطر. أما هيئة صالات المطار الأنيقة الفسيحة، فقد حبست أنفاسي! ولا أخفي عليكم أنني شعرت بالتضاؤل، وخجلت من نفسي. كما شعرت بمرارة وبشيء غير يسير من الحنق، على قادتنا الفاشلين: ابتداء بالسيد إسماعيل الأزهري، مروراً بالسيد محمد أحمد، محجوب، والسيد الصادق المهدي، والرئيس، الفريق، إبراهيم عبود، والرئيس، المشير، جعفر نميري، وانتهاء بما يسميهم الكاتب مصطفى البطل، بـ "العصبة المنقذة"! لقد أحسست بأن قادتنا ليسوا مؤهلين لشيء سوى لخيانتنا. وكما يقول الأمريكيون في مثل هذه الأحوال:  I just felt cheated. لقد كانت تجربة فاتحة للعين، كما يقول الغربيون: A real eye-opener تذكرت في غمرة حنقي التي استمرت لفترة، أن الطيب صالح سبق أن قال ذات مرة، وهو يتحدث عن مطار الخرطوم: ((هذا ثاني أسوأ مطار في العالم!)). والطيب صالح، عليه الرحمة والرضوان، كان رجلاً مسفاراً، وإني لأخذ شهادته في سوء مطار الخرطوم بلا تحفظ. وتذكرت أيضاً، والشيء بالشيء يذكر، أننا تذاكرنا هذا الذي قاله الطيب صالح، في جلسة ضمت عدداً من وجوه السودانيين بمدينة مسقط، في مطلع التسعينيات، من القرن الماضي. كان من بين حاضري تلك الجلسة، الدكتور، الأديب، حسن أبشر الطيب. قال الدكتور حسن أبشر الطيب، إن الطيب صالح سمى ثاني أسوأ مطار في العالم، ولكنه لم يسم الأول! وقال الدكتور حسن إنه يعرف المطار الأول الذي عناه الطيب صالح، وقام بتسميته لنا. وأنا أمسك بدوري هنا، عن ذكر اسم ذلك المطار، خشية أن ترفع سفارة ذلك البلد قضية عليًّ، وعلى الدكتور الفاضل، حسن أبشر. وعموماً فالذي يهمنا هنا، إنما هو مطارنا نحن، الذي تشرف باحتلال الدرجة الثانية في السوء! أجرى مطار الخرطوم مؤخراً تحسينات طيبة على صالة المغادرين، جعلتها أفضل حالاً. ولكن صالة القادمين، تحتاج هي الأخرى إصلاحاً عاجلاً. بل إن صالة القادمين لأولى بالتحسين من صالة الخروج، لأنها بوابة البلد وواجهته. القادم إلى البلد، أي بلد، يأتي متوجساً، وخائفاً، خاصة أولئك الذين يأتون إلى الدول الإفريقية، جنوب الصحراء، من بلدان أكثر تقدماً. فصالة القدوم إما فاقمت مخاوف القادم، وتوجساته، وإما محتها، أو خففتها. الانطباع الأول مهم جداً، لأنه يلون حالة القادم النفسية. ويقيني، أن صالة القادمين الحالية، لابد أن تكون قد قذفت بالرعب في قلوب الكثير من القادمين الجدد. فالقادم الجديد يتساءل: إذا كانت هذه هي حالة واجهة البلد، فكيف تكون البلد يا ترى؟ والمثل الشعبي البسيط يقول (الجواب يكفيك عنوانه)! التحسينات (ما من كتير): فيا من تقومون على أمر مطار الخرطوم، هذه الصالة مظلمة، حتى أن المرء ليحسبها غير مضاءة أصلاً! وهي كئيبة، ومهملة، بشكل غير مقبول، كما أن مرافقها بائسة، وليست مما تتشرف الدولة بتقديمه لضيوفها. وحين يخرج القادم من هذه الصالة، لبضع خطوات معدودات، تبدأ عربة العفش التي يدفعها في الترنح بسبب التضاريس، والنتوءات، والأرضية غير المساواة. أما المشهد الذي يطالع الخارج منها، لحظة خروجه، فهو مشهد بالغ الشحوب، بالغ الكآبة، بالغ العشوائية، حتى أنك لتحس وكأنك قد قُذف بك إلى جوف أرضٍ خراب: حفر، وأرصفة متكسرة، وتراب متراكم، وشظايا أسمنت متناثرة، وحصى، وأصحاب بكاسي يتصايحون، ويضايقون القادمين، وفوضى، وهرج! لا يمكن لدولة تحترم نفسها أن تجعل واجهة بلدها على هذه الهيئة المزرية. نعم هناك مطار قيد التنفيذ، وهذا حسن، رغم أن الحديث عن المطار الجديد خبا بعض الشيء، وحل محله همس يقول بتعثر تمويله. أمضت الإنقاذ عشرين عاماً في الحكم، وحال مطارنا لم يتغير كثيراً، فكم من الزمن يا ترى تحتاج الإنقاذ لتخلق للبلد واجهة معقولة؟ كم برميلاً من النفط تريد أن تبيع، وكم مؤتمراً لا فائدة منه تريد أن تعقد، وكم قناة فضائية مضرة بسمعة البلد تريد أن تنشيء، قبل أن تلتفت إلى صالة القادمين لتقوم فيها بتحسينات قليلة؟ العمل على إنشاء مطار جديد، لا يعني إطلاقاً أن نُتصالح مع الحالة المزرية للمطار القديم، القائم، والفاعل. فدولة مثل قطر، ظلت تبني، ومنذ فترة مطاراً جديداً بالغ الضخامة، ومع ذلك لم ترفع يدها قط من تحسين المطار القائم، وجعله أفضل. تحسين الصالة القائمة لا يحتاج مبالغ طائلة. إنه فقط معرفة بالأولويات، وفكراً، وتصميماً، وعزماً، ورجالاً قلبهم على البلد، وعلى سمعته، وصورته. لا رجالاً يقنعون فقط بامتيازاتهم في صالة الـ VIP التي خلقوها لأنفسهم، ولأسرهم، ومحاسيبهم، ولكل من يستحون من مروره عبر الصالة العامة، المخجلة حقاً. محنة الناقل الوطني: أما الصدمة الثانية، فهي صدمة حال ناقلنا الوطني. فقد قادتني فجيعتي عقب رؤيتي لمطاري أديس ونيروبي أن أنظر في شأن الناقل الوطني لأثيوبيا وكينيا، ومصر. ولا يفتح عينك مثل الإحصاءات! ظل الناقل الوطني في كل هذه الدول يعمل بنجاح إلى اليوم. تم إنشاء المصرية في العام 1932، والكينية في العام 1945، والسودانية في العام 1946، والأثيوبية في العام 1977. فدعنا فقط ننظر إلى أساطيل هذه الشركات مقارنة بالسودانية، ومصدر الإحصائيات هو: www.airfleets.net: تمتلك الخطوط الأثيوبية سبع طائرات من بوينغ 737 الجيل الجديد من فئة 700 و 800. وعشر طائرات من بوينغ 757-200. وعشر طائرات من بوينغ 767 فئتي 200 و300. وخمس طائرات من  فوكرز 50. ويبلغ حجم أسطول الإثيوبية 32 طائرة. أما الخطوط الكينية فتملك خمس طائرات من بوينغ 737 الفئة القديمة، وخمس طائرات من فئتي 200. وتسع طائرات بوينغ 737 الجيل الجديد من فئة 700. وست طائرات بوينغ 767- 300. وأربع طائرات بوينغ 777 – 200. وثلاث طائرات إمبرير 170/175. ويبلغ عدد طائرات أسطول الكينية الـ 27 طائرة. أما المصرية فتملك أربع طائرات آيرباص 300 بفئاتها المختلفة. وسبع عشرة طائرة آيرباص 320 و321. وسبع طائرات آيرباص 330 فئة 200. وثلاث طائرات آيرباص 340 فئتي 200 و300. وأربع طائرات بوينغ 737 فئة 200. وعشر طائرات بوينغ 737 الجيل الجديد فئة 800. وخمس طائرات بوينغ 777 فئة 200. وتبلغ جملة ما تملكه المصرية من طائرات 50 طائرة. أما السودانية فتملك ثمان طائرات فقط. أربع منها آيرباص 300 و310، وهي التي تذهب في رحلات خارجية. هذا إلى جانب أربع طائرات فوكرز 50، تخدم الرحلات الداخلية. فالسودانية تملك فقط، ما هو أكثر قليلاً من ثلث ما تملكه الكينية من طائرات، وربع ما تملكه الأثيوبية، وأقل من سدس ما تملكه المصرية. والسؤال هنا: وما الذي يجعل الناقل الوطني في كل تلك الدول يعمل بكفاءة، وينمو، كما تنمو الشركات والمؤسسات، وتحمل طائراتها بعيدة المدى إسم بلدها إلى القارات البعيدة، في حين تنتهي سودانير بعد أربعة وستين عاماً بثمان طائرات، أربع منها طائرات مروحية، سعة خمسين راكباً، تعمل في السفريات الداخلية؟ وما الذي يجعل مطارات مثل مطارات القاهرة، وأديس أبابا، ونيروبي، أفضل وبما لا يقاس من مطار الخرطوم؟ والإجابة عندي هي أننا نملك أسوأ نسل من السياسيين، ومن الإداريين في العالم. لا فرق بين الذين مضوا، وبين من جاءت بهم الإنقاذ، فـ (الحال من بعضو)، و(ربنا يأخذ بايد بلدنا)، إنه نعم المولى ونعم النصير.