(1 -2)
ليس من المجانف للحقيقية القول بأن علة النخب السودانية المشتغلة في المجال السياسي، وعجزها عبر ست عقود من الزمان، عن تحديد الأولويات، تعود إلى"الأدلجة" و"التسييس"، أكثر مما تعود لأي شيء آخر. ولا أستثني نفسي من تلك العلة، حتى لا أكون كمن ينظر من علٍ، ويرمي الآخرين بدائه ثم ينسل. ومع ذلك، فإن الإصابة بهذه العلة المقعدة عقليًا ووجدانيًا،درجاتٌ، كما أن العافية منها أيضًا درجات.
"الأدلجة" معروفة لدينا، فقد اكتوينا بنارها منجماعة الإنقاذ بأكثر مما اكتوينا بها من غيرهم،عبرعقدين ونيفٍ عجافٍ،مررن كأنهن الدهر الدهير. فالأدلجة لدى "الانقاذيين" كانت ـــــ وربما لا تزال لدى بعضهم ـــــمن العيار الثقيل. فمن منا ينسى "عيتنوبة" الزمان الأغبر؛ وأيام "إعادة صياغة المجتمع"، و"معسكرات الدفاع الشعبي"، وقهر العلماء والمثقفين والمهنيين بواسطة "تعلمجية صفا انتباه"، المستعلين على جميع خلق اللهبإيمانهم الضحل. ومن منا ينسى قهر النقابيين والناشطين الحقوقيين والحزبيين المعارضين، وتعذيبهم بأخس الأساليب في بيوت الأشباح. ومن منا ينسى فرض الوصاية الغليظة على النساء، وفرض زي نساء "الإخوان المسلمين" على كل نساء السودان عنوةً، ومنعهن من السفر، إلا في صحبة محرم من الأهل، مهما كان تعليمهن أو كسبهن الثقافي والمهني.
أيضًا، من منا ينسى أحلام "تصدير الثورة الإسلامية" إلى خارج الحدود، واستعداء الجيران والإقليم والمجتمع الدولي، الأمر الذي لا نزال نعاني من آثاره الممتدة.كل هذه الأمور الشاذة وقف وراءها الوهم الإيديولوجي والذات المتضخمة، التي ترى أنها تم اصطفاؤها من لدن السماء لحمل الخلق على السراط المستقيم. ولا تزال لتدابير "إعادة صياغة المجتمع"،التي عجزت عن صياغة دعاتها أنفسهم، بقية باقية، نراها في جلد النساء في الهواء الطلق، وسط ضحكات السابلة، ممن ماتت قلوبهم،ولم تعد البربرية،والتلذذ بإلحاق الأذى بالضعيف، يؤذيهم.
أما "التسييس" فلا أعني به أن يكون للمرء صبغةً سياسية، وإنما أعني به الانغماس المفرط في الخطاب السياسي،وفي رسم المعادلات السياسية، إلى درجة العمى عن رؤية الواقع.بعبارةٍ أخرى؛ أعني الظن لدى أكثريتنا، أن حل الاشكالات السياسية العالقة على المستوى النظري، بحل المعدلات السياسية، ينزل، وبالضرورة، وفي التو والحين، خيرًا وبركةً، على عامة الناس! هذا، دون شكٍّ، وهمٌواسترسالٌ في غيِّ العمى عن رؤية الواقع. والواقع، في حقيقة الأمر، لا يُرى بالعين الشحمية وحدها، وإنما يُرى أيضًا بالقلب، وهذا هو الأهم. يرى الواقع على حقيقته المرهفون المشغولون بعذابات الناس ومعاناتهم، وقلة حيلتهم، أمام الرزايا والمصائب، وما أكثرها في مجتمع لم ينهض بعد، كمجتمعنا السوداني.
حين يغرق السياسي في التكتيكات ويجرفه سيل المصطلحات، وغير ذلك من هموم المزاحمات والمدافعات التي توصل إلى الكرسي، يصاب بـما يمكن أن نسميه "عمى الواقع"؛ أي، عدم القدرة على رؤيته، والإحساس به كما ينبغي، والتفاعل الإيجابي معه على الوجه المطلوب. ولربما صح القول، من غير تعميمٍ مخل، إن السياسيين السودانيين، بمختلف مشاربهم، ظلوا مصابين بـ "عمى الواقع"،منذ فجر الاستقلال وإلى اليوم؛ بمعنى أنهم ظلوا غارقين في تدبير الانقلابات والمؤامرات، وحبك المناورات، واشعال الحروب، وعقد الائتلافات وفضها، وكسب الانتخابات بأي سبيل، والانخراط المستمر في جدلٍ عقيم لا ينزل قط منقمة هرم السلطة. ظلت هذه اللغة السياسية المعلقة في الهواء تدور لستة عقود، دون أن ينتبه السابحون في عليائها الهلامية، أن كل ما يرسمونه من تجريدات لا تعني المواطن العادي، في حالته التاريخية الراهنة المتسمة بالعوز الفظيع،لا في كثيرٍولا في قليل! بل أسوأ من ذلك، إنهم في الوقت الذي ظلوا يعاظلون فيهأ وهامهم ونرجسيتهم، طمعًا في الإمساك بدفة السلطة، ظلت البلاد تنزلق باطراد صوب الهاوية، وظل المواطن ينسحق باطراد، حتى فقد الاحساس بمحيطه ودخل في حالة من الذهول، اضحت مرتسمة على الوجوه.
"دولة الجلابة"، و"مؤسسة الجلابة" تعبيران استخدمهما عدد من علمائنا الأجلاء، ممن حلّلوا اشكالات بناء الدولة، لحقبة ما بعد الاستعمار في السودان،بأكاديمية وموضوعية، وبتوثيق علميٍّ محكم. ولكنا لم نلق بالاً لهذين المصطلحين. بل ربما شعرنا بالاستفزاز بسبب صكهما على تلك الصورة، ولربما كرهنا الذين صكوها؛ ألسنا من ضمن "الجلابة"؟! غير أن الجلابة طبقة اجتماعية شكلت توجهاتها الاقتصادية وتكتيكاتها للحفاظ على الامتيازات ظروفٌ تاريخية قابلة للدراسة وللتحليل، فهم ليسوا بشرًا يقطنون حيّزًا جغرافيا متجانسًا نوعًا ما، كالوسط والشمالي النيلي، كما قد يفهم البعض من المصطلح، وإنما هم ظاهرة اجتماعية/اقتصادية، تاريخية قابلة للتتبع وللتحليل.
الذين تتبعوا هذه المؤسسة لاحظوا أنها لا تفرق بين الأنظمة، إذ أن لها مقدرة مذهلة، على التأقلم والتواؤم مع جميع الأنظمة. لاحظ حيدر إبراهيم أن نواب برلمان الأزهري، وبرلمانات المحجوب، والصادق المهدي، والمجلس المركزي لعبود،ومجلس نميري الوطني، حوت نفس النواب تقريبًا. وحتى الانقاذ، عرفت فيهم هذه الخاصية الحربائية فوظفتها لصالحها، وجعلت بها لنفسها شرعية وشعبية. ولهذه الطبقة ذيولها الممتدة في مجالات الفن والرياضة والوجاهة الاجتماعية، وكلها تصب في ذات البحر. الشاهد أن تغيير شكل الحكم لا يغير شيئًا، لأن معوقات التغيير ليست الحكومة؛ "انقاذية" كانت أم "حزبية" أم حتى "حكومة هامش". الحكومة بمختلف صورها، ليست من الناحية العملية، سوى قمة جبل الجليد. هذه الطبقة تكره الدولة الحديثة، وترى في كل مقوماتها من خدمة مدنية نظيفة، وقضاء نزيه، وتقسيم عادل للسلطة والثروة، عدوًا لمصالحها. هذه الطبقة تحب أن تحيا الحياة الحديثة في أعلى مستوى، ولكنها تكره الدولة الحديثة. هيتكره الدولة الحديثة في بلادها، ولكنها تحبها خارج بلادها، وهذا هو سر حفظها لأرصدتها بالعملة الحرة في الخارج.
إذن، هذه الطبقة ظاهرةٌذات طبيعة اقتصادية/اجتماعيةقابلة للتحليل. ومن يتحدثون عن التهميش من أهل الهامش، ونحن لا ننكر أنهم مهمشين، ينبغي عليهم أن يلاحظوا أن التهميش ليس منحصرًا في الهامش الجغرافي وحده. فهو بالإضافة إلى أفقيته الجغرافية، فإن له تجلٍ رأسي، أيضًا.
لا ينبغي أن ندع قوى المعارضة المدنية، وقوى المعارضة المسلحة، وغيرهما من الناهضين في تدبيج الخطاب المعارض، أن يحصرونا في "كستبانة" "اسقاط النظام". علينا أن نعرف كيف نسقط البنية العقلية لهذه الطبقة التي لم يسلم أحد منا من رشاشها، بحكم المجاورة الجغرافية لأهلها والتداخلات الاجتماعية. أما النظام، فقد سقط فعلاً. أسقطته هذه العقلية وقواها الاجتماعية الجهنمية. فأهل النظام أنفسهم يعرفون أنه سقط. فينبغي ألا تجرفنا بعيدًا عن الفطنة القنوات التلفزيونية الإنقاذية، والصحف الإنقاذية، وما أكثرها، وتدفننا في "دفيسها" الذي كومته على مدى ربع قرن. أكثر من ذلك، الدولة نفسها توشك أن تسقط؛ ألا ترون كيف حار وخار والي شمال كردفان أمام فعائل "جنجويده"، وصلفهم الإجرامي، واستئسادهم على الجميع؟! فهل بقيت للدولة من باقية؟!
السؤال الذي ينبغي الانشغال به يمكن أن يتلخص في: هل هناك، من الناحية العملية الواقعية، خطة وخارطة طريق واضحة المعالم ذات آليات جاهزة نستطيع أن نبدأ بها. أعني، خطة تستأصل هذه العقلية الريعية وحبسها للقوى الخلاقة والفاعلة في حياتنا، وتفك هذه الكوابح التي أقعدت بها نمو البلاد. وهل لدينا قادة يمكن أن يصبحوا هداةً وحداةً ونماذج يقتدي بها الشعب في خوض معركته لانتشال البلاد من هذا الأسر، ومن وهدة الفقر المدقع، وقمقم العزلة، والعيشخارج سياق العصر. هل هناك خطة نبدأ بها من القواعد في القرى والدساكر والفرقان؛ تنتشل الناس من وهدة العوز والفقر المدقع، وتجعل ديارهم قادرة على الامساك بهم؟ خطةٌقادرةٌ على إرخاء قبضة القوى الاجتماعيةالممسكة بمفاصل الثروة والسلطة، بتغيير القوانين التي بموجبها أديرت عملية التنمية عبر الخمسين سنة الأخيرة، والتهم بوسطتها الأغنياء والأقوياء أراضي البسطاء من الرعاة والمزارعين، ممن يعيشون اقتصاد الكفاف،ومنحوها لأنفسهم، ومحاسيبهم، أو للمستثمرين الأجانب، ولتجار المدن وبرجوازيتها، ولكبار المهنيين وضباط الجيش؟ هذا التراكم الطمعي الاستحواذي للأسر والبيوتات المتحالفة مع السلطة القائمة، أيا كانت تلك السلطة، عبر تاريخ الدولة الحديثة في السودان، وعبر تاريخ دولة ما بعد الاستقلال، هو الذي زلزل القواعد القديمة المستقرة للحياة الريفية، ودفع بأهل الريف إلى أحزمة الفقر حول المدن، وإلى المهن الهامشية، وإلى كل صور الحياة غير الكريمة، وهو ما غير ايكولوجيا القطر ودمر البيئة فيه تدميرًا تصعب معالجته.
هذه الشبكة القابضة، المناقضة بطبيعتها لمرتكزات الدولة الحديثة، والمعوقة لبنائها، سابقة للإنقاذ، وهي التي أجهضت مشروع بناء الدولة الحديثة،عبر تقلبها في رحمالمصالح الطائفية والحزبية العشائرية، وشبكات التجار المرتبطين بها، إضافة إلى تغلغلها داخل البيروقراطية المكتبية، وتمدداتها في الجيش، وسائر قوات الأمن، خاصةً في عهود الحكومات العسكرية، بل وفي الأكاديميا. فهل سألنا أنفسنا لم لا ينتفع الزارعون مما يزرعون، ويعود النفع كله لمن لا يزرعون، ولا يسهرون الليل في الحقول؟! هل سألنا أنفسنا لماذا لا يصدر المنتجون ويقوم بالتصدير غيرهم مما لا ينتجون؟! هل سألنا أنفسنا كيف تحول كل من تعليمنا ونظام رعايتنا الصحية من مؤسسات تكفل حق التعليم وحق العلاج للجميع، ليصبح التعليم الجيد والرعاية الصحية حصرًا على أهل هذه الطبقة؟حصر الأمر في اسقاط الحكومة تبسيطٌ مخل للمعضلة، واستسهال للحل لا يليق بمن يفكر بصورة حاذقة سليمة. (يتواصل)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.