ربما أمكن القول، دون تعميمٍ مخلٍّ، إن السودانيين يودون، من سويداء قلوبهم، أن لو خلّص هذا النظام، نفسه بنفسه، من هذه الشبكة المُكَبِّلَة المعقدة التي حاكها حول نفسه، بنفسه، و"شربك" في داخلها حيوات السودانيين أجمعين. ولربما جاز القول، إن وضع هذا النظام ــــــ صاحب العمر الأطول من بين كل عهود الحكم الوطني، لفترة ما بعد الاستقلال ــــــ قد أضحى يحاكي في خلاصاته العملية الماثلة أمامنا،  حقيقيةً لا مجازًا، وضع "الثور في مستودع الخزف"، كما يرد في المجاز الفصيح، أو وضع "الديك فوق نملية العدة"، كما يرد في المجاز العامي الشعبي السوداني.
لبس الإسلاميون، وفق خطة مدروسةٍ، معدةٍ مسبقًا، جسد الدولة السودانية كله، فأصبحوا هم الدولة، إلا قليلا. جاء الترابي عراب هذا النظام الذي عمل منذ الستينات، وفق خطةٍ دءوبة لتكسير كل القوى السياسية، والانفراد المطلق بالسلطة، إلى الحكم عبر الانقلاب العسكري في يونيو 1989. وصل الترابي إلى دست الحكم،وفي جيبه خطةٌ جاهزةٌ للاستيلاء على مفاصل الدولة، وقفل أبواب الوصول إلى السلطة على الجميع، بلا استثناء. وهكذا تم إعلان "التمكين"، وتمت إحالة غالبية العاملين إلى الصالح العام. وحتى الذين أُبقي عليهم من مستخدمي الدولة،تم وضعهم تحت إمرة فردٍ من "الإسلاميين"، حتى لو كان ذلك الفرد أقل كفاءةً وخبرةً. وكما أعلنوا بملء فيهم، فإن الولاء يأتي قبل الكفاءة.
بعد أن تمت "أسلمة" جهاز الدولة أُتبع ذلك الفعل بنسج شبكةٍ معقدةٍ وواسعةٍ من المصالح الاقتصادية الشخصية، جعلت من العاملين في جهاز الدولة؛ من الوزير إلى الخفير، أصحاب مصلحة شخصية في الحالة القائمة.فضاع الوطن، وحضرت المصالح الشخصية، وتحول مشروع البناء الوطني إلى مشروع للبناء المالي لأفراد التنظيم ومن يلفون في فلكهم، سواءً لفُّوا ولاءً حقيقيًا، أو نفاقا ومنفعة. استُخدمت في هذا السبيل كل مقدرات الدولة بإحساسٍ مطلقٍ بالاستحقاق، وبثخانة جلدٍ لا شبيه لها!هذا الإحساس بالاستحقاق المطلق وبالخصوصية وبالامتياز يطالعك في كل مرفق حكوميٍ تذهب إليه لقضاء حاجة. ولم لا؟! أليست الدولة "دولة الإسلاميين"، وليست دولة السودانيين؟! لقد أعطوا الدولة أقبح وجهٍ يمكن أن تطل به دولةٌ ما على شعبها.
قضى هذا النهج الاستحواذي الأرعن على كل الإرث التراكمي الذي ظل مرعيًا في الخدمة المدنية السودانية، وفي مؤسسات التعليم العالي، وفي القضاء، وفي كل تقاليد الشفافية والمحاسبية التي تقوم عليها أي دولةٌ ترعى الحد الأدنى من قواعد الانضباط والعدل والمساواة.ولكي نكون منصفين، لابد أن نقول إن الدولة السودانية لحقبة ما بعد الاستقلال قد شهدت في كل عهودها هذا النوع من التنصل من القواعد المرعية، في فترات الحكم العسكري، وفي فترات الحكم الديمقراطي، سواءً بسواء. وقد استفحلت ظاهرة التنصل من قيد القوانين بصورةٍ أكبر في حقبة حكم جعفر نميري، خاصةً في سنواتها الخمس الأخيرة. ويمكن أن نصف سنوات جعفر نميري الخمس الأخيرة بأنها كانت مقدمةً طبيعيةً لنظام الإسلاميين الحالي. ولا غرابة! فإنهم هم الذين صبغوا السنوات الخمس الأخيرة من حقبة نميري بصبغتهم. فكانت بالفعل التمرين، أو الـrehearsal  للفترة المظلمة المضطربة الحالية. وحين وصل الإسلاميون إلى الحكم بمفردهم، أوصلوا نهج التنصل من القواعد المرعية والأصول، إلى حده الأقصى فأوصلوا الدولة إلى درك الوقوف على حافة الانهيار.
بعد السنوات العشر الأولى من الازدراءٍ والاستحقار للجميع، انقلب الازدراء والاستحقار على الشيخ حسن الترابي، العّراب الأكبر لأساليب الازدراء والاستحقار، فخرج وقبيلة من معادلة السلطة. شرع الترابي وبسرعة، كعادته في تجديد دمائه، وأخذ ينقض غزله أنكاثًا محاولاً إلباس نفسه ثوبًا جديدًا، ولكن الأوان، في ما يبدو، كان قد فات، والمصداقية تبخّرت، وإلى غير رجعة. ثم جاء البترول مع خروج الترابي في نهاية التسعينات من القرن الماضي، وانفتحت الشهيات "الإسلامويات"،للاكتناز. تحول السودان إلى دولةٍ ريعيةٍ محضة، على غرار النموذج الخليجي، ولكن، من غير وفرةٍ في احتياطيات البترول، وبشعبٍ يماثل في العدد شعوب دول الخليج مجتمعة، ورقعةٍ جغرافيةٍ بحاجةٍ إلى أبسط أعمال التنمية، تقارب في المساحة غرب أوروبا. أُهمل الزرع والضرع والصناعة، وبيعت المؤسسات العامة بأثمانٍ بخسة، وبلا مشورةٍ للشعب، وهاجرت العقول والأيدي. ثم ما لبث أن انفصل الجنوب، وخرج البترول من المعادلة، وعادت الإنقاذ عاريةً كيوم ولدتها أمها. أعادنا منقذونا إلى بداية التسعينات، و"كأننا يا سعد لا رحنا ولا جئنا". عاد الشعب المكروب المحزون إلى "البوش" والوجبة الواحدة، إن هي وجدت. والأنكى أن رقعة الحرب اتسعت، ووصلت إلى مدن الوسط، واستحكمت العزلة الدولية، وفقد الجنيه السوداني 70% من قيمته المتدنية أصلاً، وجاوزت الديون 40 مليارًا. باختصار، تحول السودان إلى حالة فشلٍ وعجزٍ مزمنة لم يعد ينعقد لها حاجبٌ بالدهشة، مثلها مثل الحالة الصومالية.
رغم الغبن ورغبة كثيرٍ من المعارضين في اقتلاع نظام الإسلاميين، إلا أن اقتلاعه، رغم صعوبته العملية، خاصةً إذا أخذنا في الاعتبار ضعف قيادات المعارضة المدنية، وتنافرها، وقلة عدتها، وضآلة قبولها سودانيًا وإقليميًا ودوليًا،فإن سيناريو الاقتلاع بالسلاح، بناءً على ما عليه المشهد الإقليمي والدولي الآن، أمرٌ ذا عواقب شديدة الخطر. أدرك ذلك السيد الصادق المهدي، ولكنّ مجمل تصرفاته التي تصرفها، بناءً على هذا الإدراك، ثلمت حده القاطع الذي كان ينبغي أن يكون له كمعارضٍ له شوكة من نوعٍ ما. كما أنقصت كثيرًا من وزنه كرمزٍ للمقاومة الشعبية. عرف النظام ذلك عن السيد الصادق المهدي، وأصبح، لا يأبه بما يأتيه أو يدعه، من قولٍ أو فعل.
يود السودانيون، وأرجو ألا يكون هذا تعميمًا عريضًا مخلاً، من سويداء قلوبهم أن يذهب هذا النظام، الذي أوصل كل نفسٍ سليمةٍ إلى درجة الحنق والغل. ولكنهم، في ما تقوله التجربة العملية، يريدونه أن يذهب دون إهراق مزيد من الدماء، ودون اضطراب وفوضى وفلتانٍ أمني. وكلها أمور مرجَّحَةُ الحدوث إن ذهب هذا النظام عنفًا. والحالة السورية تقف شاهدًا بالغ القوة على الصورة التي يمكن أن تؤول إليها الأحوال في هذه الحالة السودانية الشبيهة بالحالة السورية من حيث توازن الضعف، رغم اختلاف السياق. يود السودانيون أن يذهب هذا النظام دون تكلفة، وهذا، من وجهة نظري،استحقاقٌ مشروع، لأن التكلفة قد تم دفعها مقدمًا عبر ربع قرن؛ من الموت والدمار لحيوات البسطاء من السودانيين، والتهجير، والمسغبة، والمرض. كما أن حالة الانهيار التي وصلتها البلاد تحتاج رؤية واضحة لا أظن أنها متوفرة. كما تحتاج كوادر وطنية حقيقية بارئة من علل التخريب الممنهج للدولة وللنفوس الذي استمر منذ فجر الاستقلال. كما تحتاج فوق هذا وذاك عزمًا وشجاعةً لم يبرز إلى مقام عزها أي فصيلٍ سوداني بعد.ومع ذلك، فلو استمر النظام في هروبه الذي نراه فلا عاصم له من النموذج السوري. فالخيار الصفري الذي يقول: "عليّ وعلى أعدائي"، سيظل قائمًا، وسيفرض نفسه في لحظة بعينها. لأن الأمر سيصبح: إما كرامةٌ، وأما موت.
ظللت أقرأ،  في قراءة ثانية، في الأسابيع الأخيرة بضع كتبٍ كنت قد قرأتها قبل سنوات، منها: كتاب شريف حرير وتيرجي تفيدت، "السودان" الانهيار أو النهضة"، وكتاب عطا البطحاني، "أزمة الحكم في السودان: أزمة هيمنة أم هيمنة أزمة"، وكتاب محمد سليمان، "السودان: حروب الموارد والهوية"، وكتاب محمود ممداني، “Saviors and Survivors”. عالجت كل هذه الكتب أزمة الحكم في السودان، معالجات أكاديمية علمية رصينة. ورغم أن القارئ ربما خالف كُتّابها في بعض ما أوردوه، لكنه لا يملك،في نهاية الأمر، إلا أن يحترم الجهد العلمي الضخم المبذول فيها، والتحليل الحاذق الذي جاءت به.لفت نظري جدًا أن مؤلفي هذه الكتب المتميزة وشبيهاتها، ليس من بينهم إسلاميٌّ واحد! أفلا يقول لنا ذلك شيئا؟!
تهميش العلم والعلماء أوصله الإسلاميون في السودان إلى حده الأقصى. هل قلت "تهميش"؟! لا، إنه أكثر،وأسوأ من ذلك بكثير! فهم قد فصلوا العلماء من عملهم، وأبعدوهم من بحوثهم، ومن مدرجات طلابهم، ودفعوا بهم دفعًا إلى الهجرة، بل،عذبوا بعضهم وامتهنوا كرامتهم في بيوت الأشباح. ثم أتوا في أماكنهم بغثاءٍ كغثاء السيل، من الخلف، الذين أضاعوا الصلاة بمعناها الحقيقي العميق. ومع ذلك، لابد من القول إن ذلك التهميش قديم، وقد مارسته كل أنظمة الحكم الوطني؛ المدني منها والعسكري. ظل متوسطو المواهب ممن يستثمرون في عواطف العامة، وفي التبسيط المخل للأمور، وفي الارتجال، وتسقُّط رضا الجهلاء، هم الذين يتصدون لحكم السودان، في حين ظل العارفون واقفين على السياج، طوعًا حينًا، وكرهًا أكثر الأحيان. وكما قال أهل هذه الكتب، كانت المصالح الاقتصادية و"بريستيدج البيوتات" المتوارث هو الذي يأكل من عضد الدولة ويحيلها باطراد إلى ضيعةٍ محتكرة لقلة، إلى حد حرمان أهل الكفاف من كفافهم. ظلت النخب السودانية عبر طيفها، الحاكم والمعارض، تتعارك على كيكة السلطة والثروة التي ليس لعامة السودانيين فيها نصيب. فإذا لم يصبح مؤلفو مثل هذه الكتب، ومن شاكلهم، أساتذة محترمين في جامعاتنا، وضيوفًا على برامجنا الحوارية في التلفزيونات، وفي منتدياتنا العامة، فإن الصعود من هذه الهوة السحيقة، دونه خرط القتاد.فإما العلم، وإما استمرار التهريج، فالهاوية!
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.