يصادف اليوم السبت، الثامن عشر من يناير 2014، الذكرى التاسعة والعشرين لاستشهاد الأستاذ محمود محمد طه. تسعة وعشرون عامًا بالتمام والكمال فصلت بيننا وبين تلك الحادثة الأليمة، التي لم تشهد الأزمنة الحديثة لها مثيلاً قط؛ أعني أن يُحكم على انسانٍ بالموت بسبب فكره واجتهاده، ويساق إلى الموت والناس قيامٌ ينظرون. أكثر من ذلك، يجيء بعضُ الناس إلى ساحة الإعدام للتكبير والتهليل وتبادل التهاني. هكذا قيض الله لنا نحن السودانيين لحظةً غريبةًشاذةً على السياق المعاصر، ليطفح فيها ما كان مغطىً من قبل. أخرجت تلك اللحظة الفارقة في تاريخنا الديني والفكري والسياسي سوءات بنيتنا العقلية والوجدانية، وفضحت منبيننا كلَّ من انمسخت فطرته وتشوه وجدانه.
فهل كانت، يا تُرى، مجرد لوثةٍ عقليةٍ عارضة أصابت من ارتكبوا ذلك الجرم الشنيع، أم كانت انعكاسًا لخللٍقديمٍ سبق أن أصاب مجمل بنيتنا العقلية والنفسية والوجدانية، فتجسد في تلك الصورة البشعة مهتبلاً ذلك الظرف الشاذ؟ وأعني بـ "الظرف الشاذ"؛ تلك الحالة الغوغائية القروسطية، التي سيطرت في الفترة الزمنية الممتدة بين سبتمبر 1983 ويناير 1985، باسم الاسلام، وباسم التمكين له في الأرض. ودعونا فقط ننظر أين نحن من كل ذلك الآن!
باعتلائه منصة المشنقة بذلك الإباء والشمم والشموخ المستمد من يقينٍورضًا لا تتناوشه الظنون بالله، وباثباته رجله في مستنقع الموت ـــــ بتعبير أبي تمامٍ وهو يرثي الطوسي ـــــ فتح الأستاذ محمود محمد طه الجرح القديم المتقيح في نفس كل سوداني وسودانية، بل وفي نفس كل مسلمٍ ومسلمة، ممن علموا بالحدث ولم يهزهم كما ينبغي، فسال الصديد المنكتم تحت القشرة ايذانًا ببدء البرء. وبين يناير 1985 ويناير 2014 حدث برؤٌ كثير في النفوس، ولكن البلاد أصابها خرابٌ عظيم، هو بعضٌ من الطوفان الذي أنذرنا به الأستاذ محمود.
نشأ التصوف السوداني نشأةً سودانيةً  صميمة في سلطنة الفونج 1504 – 1821.ولو قدر للتصوف السناري أن يستمر حتى القرن العشرين، دون أن يصيبه الوهن والتزييف الذي أصابه بسبب الغزو الخديوي المصري التركي، لجاءت أفكار الأستاذ محمود، حين جاءت، تعميقًا لقيمه، وتحديثًا لها،ولأصبحت تتويجًا طبيعيًا له. لو جرت الأمور على تلك الصورة لربما كُنّا قد احتفظنا بتنوعنا وتعايشنا، وقبولنا لبعضنا، رغم اختلاف العقائد والثقافات، دونما مشكلة، ولربما بقي قطرنا موحدًا. تحققت بيننا الوحدة الوطنية، ولما سقطنا في هذه الدوامة الفظيعة من الاحتراب، الذي لا ينطفي أواره في جهة، إلا ليشتعل في جهةٍ أخرى. وأخيرًا، لما أصبح كيان الدولة نفسه لدينا مهددًا بالصورة المفزعة التي تبدو واضحةً للعيان الآن.
ما لم ننتبه له نحن السودانيين، أن الغزو الخديوي المصري هو الذي أتانا بالمؤسسة الدينية الرسمية المشرقية، العثمانية المنشأ. فعبر مدارسه الفقهية المؤتمِرة والمهتدية بنزوات الحكام، احتل وعينا تراث الإمبراطوريات الإسلامية المتصل منذ العصر العباسي. وهو تراثٌ إمبراطوريٌّ سلطويٌّ، تم فيه اختراع فرية  تكفير المتصوفة وإهدار دمهم وقتلهم.وقف الحلاج إلى جانب الضعفاء والمقهورين فاستهدفه الحكام بسلاح التكفير وتم قتله وصلبه. ومنذ تلك اللحظة في التاريخ فشى سلاح التكفير، فأصبح المسلمون يتراشقون به يمنة ويسرة كلما خارت العقول وفلشت في استخدام النهج القرآني عالي النسق: "أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين". ولو أردنا أن نعرض إلى العشوائية التي تم بها اتخدام سلاح التكفير منذ الفتنة الكبرى وإلى يومنا هذا، لامكننا كتابة مجلدات. فقد بلغت العشوائية والغرض درجة كفّر بها الخصوم أبا حنيفة!
تسعة وعشرون عامًا مرت على استشهاد الأستاذ محمود محمد طه، وبدأ كثيرون يصحون، واحدًا تلو الآخر. انفضحت كل الشعارات الزائفة، واتضحت لكثيرين ممن أرغوا وأزبدوا وهم يعارضون، سذاجةرؤاهم، ومحدودية عقولهم، وتواضع معارفهم. وأهم من ذلك، انفضحت أمام ناظريهم كأجلى ما يكون الافتضاح،بنياتهم الأخلاقية الهشة. واتضح لهم، وضوح ضوء النهار في ظهيرة الصيف، أن ما كانوا يظنونه دينًا، لم يكن، في حقيقة الأمر، سوى طريقٍ لا يقود إلا إلىالانغراسٍ حتى الخواصر في وحل الدنيا. استوى في هذا الانغراس في وحل الدنيا الإسلاميون الحركيون المتعجلون، وبعض المتصوفة الذين طال العهد بينهم وبين تراث أجدادهم فنسوه. فلقد حولت الخديوية كثيرًا من المتصوفة إلى فقهاء، ووضعتهم في جبيها، فأصبحوا نصراء للسلطان في حين كان آباؤهم السناريون سندًا للمستضعفين. وللتدليل على رخاوة الفقه المدرسي الحشوي وضعف بنيته الأخلاقية، يكفي أن ننظر اليوم كيف باعد الأزهر بين نفسه وجماعة الإخوان المسلمين،عندما أصبحت السلطات الحاكمة ضدهم!
كل الذين عارضوا الأستاذ محمود محمد طه انشغلوا بما لم يصبروا على فهمه من فكره وطرحه. وفي غمرة المعارضة الجاهلة حينًا، والمغرضة حينًا آخر، غاب عن أعينهم النموذج الأخلاقي السامق الذي ضربه. لقد كان الأستاذ مشغولا بجذور المشاكل، ولذلك أولى قضية البناء الأخلاقي للدعاة اهتمامه الأكبر، وهذا ما أهمله الترابي، وتعالى عليه، وسفهه في صلفٍ وعجلةٍ قاتلة. وهكذا كان حصاد الهشيم الذي نراه اليوم.             (صحيفة الرأي العام، 18 يناير 2014)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.