سبق أن لمست لمسا خفيفا في مقالي السابق ما يسمى في أدبيات التعليم اليوم بالتفكير الخلاق، والتفكير النقدي، وحل المشكلات. ووعدت بالعودة لأتوسع قليلا في ذلك، وها أنذا أفي بوعدي ذاك. كان جل مقالي السابق منصبا على ما تفعله الأنظمة الشمولية بالإعلام والتعليم من حيث توظيفهما لصب المواطنين في قالب واحد. ففي حيز المدرسة يستخدم الحاكم الشمولي النظام التعليمي لخلق نمط واحد من المتعلمين، وفي حيز الحياة العامة يتم استخدام الإعلام لخلق نفس النمط من المواطنين. ولقد أشرت في مقالي الفائت، إشارات مبتسرات، إلى ما فعلته كل من النازية، والفاشية، والماركسية اللينينية في كل من ألمانيا، وإيطاليا، وروسيا بالتعليم وبالإعلام. ولا يعني تركيز الحديثق عن الأنظمة الشمولية أن الديمقراطيات أفضل حالا من الأنظمة الشمولية، من حيث الحرص على خلق نظام تعليمي مُنَمِّط للشخصية. فالتنميط يمارس في الجهتين وإن خف مقداره لدى الأنظمة الديمقراطية. فالأنظمة الديمقراطية  لا تخلو هي الأخرى من نزعة شمولية تغريها بالعمل على خلق نمط واحد من الأفراد المنصاعين، المستكينين، المسبحين بنعم الحاكم المتوهمة. ففي حقبة الحرب الباردة خلق التعليم والإعلام الأمريكيين حالة رهاب فظيعة من الشيوعية وسط عامة الأمريكيين. وفي عهد الرئيس جورج بوش الإبن الذي انقضى قبل ما يقارب العام أعيدت حالة الرهاب القديمة ذاتها، ولكن في مواجهة ما اختاروا له هذه المرة إسم الإرهاب. فالإعلام والتعليم وسيلتان تستخدمهما الأنظمة بمختلف صورها للسيطرة والتحكم في الجماهير.

تفترض الدولة ـ أي دولة ـ أن ما تضعه من أجندة يمثل بالضرورة أجندة الناس. غير أن الدولة ـ أي دولة ـ إنما تخدم نفسها في المقام الأول. الدولة فقط تدس أجندتها في خدعة قديمة مكرورة مفادها أنها إنما نذرت نفسها متجردة لخدمة الناس. والغريب أن هذه الخدعة لا تزال تجوز على الجماهير تحت ظل الأنظمة الشمولية وما تسمى بالأنظمة الديمقراطية، سواء بسواء. فالدولة حيث كانت، لا تمارس، حتى يومنا هذا، سوى الوصاية على الناس. هذه الحقيقة الواضحة الخفية، أوجزها خير إيجاز، أعمى المعرة المبصر، حيث قال:

 

مُلَّ المقامُ، فكم أعاشـرُ أمـَّةً أَمرتْ بغيـر صلاحـها أمراؤها

ظلموا الرعية، واستباحوا كيدَها، وَعَدوْا مصالحَها، وهم أجراؤها

 

          الوضع الطبيعي أن الحاكم أجير تنتدبه الجماعة لخدمة مصالحها، وتعزله متى ما حاد عن خدمة تلك المصالح. فهو مستأجر لديها بذلك المعنى، وليس سيدا عليها. قال الخليفة العادل عمر بن الخطاب:

((أيها الناس إني وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتم فيَّ خيرا فأعينوني، وإن رأيتم فيَّ إعوجاجا فقوموني)). قال عمر ذلك، وهو الحاكم الذي أتي به إلى الحكم نظام الشورى! ويُعَرِّف الأستاذ محمود محمد طه نظام الشورى بقوله: ((حكم الفرد الرشيد على القُصَّر)). فعمر لم يأت به إلى دست الحكم نظام ديمقراطي يستخدم آلية الاقتراع الحر المباشر، وإنما أشار به إلى "أهل الحل والعقد" الخليفة أبو بكر الصديق فولاه أهل الحل والعقد الخلافة نيابة عن المسلمين. ولكن الذي يميز عمر عن أي حاكم آخر، إنما هو زهده في الحكم، وفي الانتفاع المادي من الحكم. ومآثر عمر كحاكم عادل، تقي، ورع، مآثر يخطئها العد. قال الشاعر حافظ إبراهيم واصفا ورعه الذي انسرب في شعاب التاريخ مضربا للمثل:

 

وراعَ صاحبَ كسرى أن رأى عمراً بين الرعية عطلاًَ، وهو راعيها

وعهده في ملوك الفرس أن لها، سورا من الجند، والحُرَّاس يحميـها

          إلى أن يقول:

يوم اشتهت زوجه الحلوى، فقال لها: من أين لي ثمنُ الحلوى فأشريها؟

لا تتبعي شهـواتِ النفسِ جامحةً، فكِسْـرَةُ الخبزِ عن حلواكِ تُجزيها!

 

كثيرا ما ينتخب الناس الحاكم، ولكن ما أن يصل ذلك الحاكم إلى دست الحكم، حتى يبدأ في تحصين نفسه ضد العزل، وبكل السبل. ومن سبل تحصين الحاكم نفسه ضد العزل، في الإطار المعاصر، سبيلا الإعلام والتعليم، ومحاولة تغيير وعي الناس بمصلحتهم وإدغام مصلحتهم في مصلحته هو، عن طريق التضليل التعليمي، والتضليل الإعلامي.

 

انتبه علماء فلسفة التعليم في فضاء التجربة الغربية إلى التفريق بين أجندة الدولة في التعليم، وبين أجندة الناس. فأجندة الدولة ليست بالضرورة هي أجندة الناس. فحين ظلت الدولة الرأسمالية في الغرب، تجنح إلى حصر أهداف التعليم في تحقيق المهارات التي تخدم سوق العمل، إنتبه علماء فلسفة التعليم إلى أن هذا الهدف ينطوي على شيء من المكر. فعلى الرغم من أن ظاهره يعكس رغبة الدولة في تأهيل المتعلم لتحصيل المهارات التي تجعله منافسا في سوق العمل، إلا أن حصر التعليم في هذه الناحية يعمق النزعة الفردانية، ويفصل المتعلم عن معرفة واقعه الإجتماعي، وعن المشاركة الفاعلة في النهوض بالحياة الإجتماعية في كلياتها. باختصار يصرف هذا النوع من التعليم المتعلم من فهم التعليم كوسيلة لتحقيق العدالة الإجتماعية، ولتعميق الممارسة الديمقراطية، ولزيادة الوعي بالحقوق، وبالحريات الأساسية، وبالتوزيع العادل للثروة، وتقوية قوى المجتمع المدني، وانتزاع زمام المبادرة لها من سلطات الدولة ذات النزوع الطبيعي للهيمنة. ويرى هنري جيرو، أحد أبرز مطبقي النظرية النقدية في حقل التعليم، أن التعليم الأمريكي مصمم على تخريج جيوش من المؤمنين بالنظام الرأسمالي، غير القادرين على فحصه نقديا.  ويؤيده في تلك الوجهة أستاذ الإعلام، والناقد الحاذق، نيل بوستمان صاحب الكتابين الشهيرين: "غاية التعليم" The End of Education، و"التدريس كنشاط انقلابي"، Teaching as a Subversive Activity.

 

جاء في ما يسمى بـ تاكسونومي بلوم (1956) Bloom’s Taxonomy أن أضعف أنواع التحصيل التعليمي، وأقلها قيمة، في مخروط أو هرم الخبرة، لتلك التي تقوم على التقلين والحفظ والتذكر. وتليها سيرا من قاعدة ذلك الهرم نحو قمته مزية الفهم، ثم التطبيق، ثم التحليل، ثم التوليف، ثم التقويم والإبتكار. فالخبرة التعليمية التي لا تقود إلى الفهم الذي يقود بدوره إلى التحليل، ثم إلى التوليف، ثم إلى النقد والتقويم، ثم  في نهاية المطاف، إلى الإبتكار، تبقى خبرة ضعيفة، وغالبا ما يرتد منها المتعلم أميَّاً مثلما كان في البدء. فنزعة الإرتداد الجديدة إلى الخلاوي والانكباب على حفظ النصوص التي أغرقت فيها سياسات الإنقاذ التعليمية، البلاد والعباد، نزعة ماضوية. وهي تلحق بأساليب التعليم الكنسي في القرون الوسطى، بأكثر مما تلحق بروح الدين الإسلامي وجوهره الخالد. فالإسلام يثمن الإستقلال بالرأي، والتفكر، ولا يثمن الحفظ والإستظهار الصوتي والانصياع للمتشكل الراهن. أيضا يجعل الإسلام العمل طريقا إلى العلم. رُوي عن الشيخ فرح ودتكتوك أنه حين بدأ في تعلم القرآن، ووصل في بدايات جزء عم إلى قوله تعالى: ((فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)) قال لمعلِّمِهِ: لقد اكتفيت، ولا أريد المزيد!! فأنا منطلق من مكاني هذا لكي أعمل بهذه. ولا غرابة!! فطريق التعلم في الإسلام هو التقوى، وليس الترديد الببغاوي للنصوص. فالتقوى في الإسلام علم وعمل بمقتضى العلم. قال تعالى: ((واتقوا الله، ويعلمكم الله، والله بكل شيئ عليم))! وهذا سبب تمسك المتصوفة بالقولة المأثورة: ((من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم)). لا ينبغي أن يقدم التعليم معارف جاهزة، وإنما يعطي المتعلم الدافعية، والمعرفة بكيفية تنمية ملكة التعليم الذاتي، والكلف بمواصلة التعليم لبقية الحياة. التعليم الحقيقي هو الذي يطرح الأسئلة بأكثر مما يقدم الإجابات. فأدبيات التعليم المعاصرة لا تنفك تتحدث عن ضرورة خلق ما تسميه بـ "المتعلم مدى الحياة" Life-long learner.

 

حشو أدمغة الطلاب بالنصوص التي عادة ما ينسونها حالما يتم امتحانهم فيها، عمل لا صلة له بالتعليم الحقيقي. بل أن كثرة الاستظهار للنصوص تحجر العقل، وتقعده، وتصرفه من عمق التفكر والتدبر، وتبقي الملكات عند حد الطرب بالطنين اللفظي. وكما يشير بنجامين بلوم (1956) صاحب تاكسونومي بلوم الذي سبق أن أشرت إليه، فإن للتعليم ثلاث أقانيم، أو Domains. أولهما الإدراكي، وثاتيهما العاطفي، وثالثهما البدني. فالتعليم يشمل تعليم للعقل، والقلب، والبدن. وإذا تم إهمال أيا من هذه الأقانيم، يصبح التعليم ناقصا. ولعل واحدة من مشاكلنا الرئيسية في السودان أن أبداننا ومهاراتنا البدنية، وهي مهارات يقوم عليها العمل حيث كان، لم تجد من الإهتمام ما يكفي. كما أن التعليم العقلي والقلبي عندنا إنما قام على الإنصياع والتوافق مع ما هو سائد، بل وعبادته والعمل على الإبقاء عليه، دون فحص أو نقد. تثمن ثقافتنا ونظامنا التعليمي التفكير المنصاع convergent thinking، وتنفر من التفكير المنفلت من الأطر Divergent thinking. ففي التفكير الحر مجازفة لا يميل إليها الناس عادة، هذا مع العلم إن ثقافتنا ظلت في حالات عافيتها، تحض على المخاطر risk-taking، وذلك حيث تؤكد أنه لابد دون الشهد من إبر النحل!

 

يحرص الحاكم الشمولي المؤدلج على إشاعة التفكير النمطي المنصاع، ويجد نفسه منجرفا بشكل طبيعي في وجهة تخذيل التفكير المتسائل والخلاق. وتحفيظ النص الديني يمثل الحيلة المفضلة للإيديولوج وهو يسعى للإبقاء على العقول تحت السقف المرسوم لها، ليخلو له الجو للاستئثار بالسلطة والثروة. التعليم الحقيقي هو الذي يعلم التفكير النقدي، وهو الذي يجعل الناس ينهضون لانتزاع حقوقهم من غاصبيها من الحكام، وليس الذي يبقي المتعلم تحت قبضة القطيع، أو تحت قبضة المتشكل الإجتماعي السائد، أو قبضة عقول السلف، أو تحت تضليل الحاكم.

 

القدرة على الخلق، أو ما يسميه الناطقون بالإنجليزية Creativity، موهبة أودعها الخالق في الخلق أجمعين. ولقد قدم البروفسير هوارد غاردنر صاحب نظرية "الذكاءات المتعددة" فحصا متميزا لملكة الخلق والإبتكار، التي يرى أن الجميع يملكونها، ولكن المجتمعات هي التي تطلق أو تحد من تلك الطاقة. فخاصية الخلق والإبتكار، فيما أرى، واحدة من تجليات الفطرة التي فطر الله الناس عليها: ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبوانه يهودانة، أو يمجسانه، أو ينصرانه)). والفطرة هي العقل الصافي والقلب السليم. وهذان هما منبعا الخلق والابتكار. كل ما في الأمر أن القيود التي تضعها المجتمعات، والسلطات متمثلة في الدولة والمجتمع والأسرة، هي التي تحد من طاقة الأفراد على الخلق والابتكار. وتتفاوت المجتمعات والسلطات في هذا الأمر تفاوتا كبيرا.

 

لن تنهض أمة مالم تعيد النظر في مناهجها التعليمية. وأهم ما يعاد فيه النظر إنما هو فلسفة التعليم. لابد أن نحدد ومنذ الوهلة الأولى، أي نوع من الخريجين نريد أن نُخَرَّج؟ مفكرين سليمي العقول والقلوب، نزاعين للخلق، وللإبتكار ولتغيير وجه الحياة؟ أم قطيعا من الهتيفة ومن البغاوات التي عقولها في أذنيها المسبحة بحمد الحكام المتدثرين بدثار الدين، مهما ساموهم سوء العذاب، ومهما غيبوهم عن ذواتهم وعن جوهر دينهم؟

 

صحيفة أجراس الحرية 29/9/2009

elnour hamad [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]