elnour hamad [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

لا يتعلم من التاريخ سوى المبصرين، ولكن المبصرين قلة. والدليل على أن الناس لا يتعلمون من التاريخ تجسده الحقيقة، القائلة، إن "التاريخ يعيد نفسه". فلو تعلم الناس من التاريخ حقيقة، لما أعاد التاريخ نفسه! غير أن هناك تحفظا: فالتاريخ لا يعيد نفسه على ذات الهيئة التي كانت من قبل، وإنما يعيدها بصورة تشبه سابقتها، من بعض الوجوه، ولا تشبهها من وجوه أخرى. في ذلك المعنى، أورد الأستاذ محمود محمد طه، في كتابه الأم، "الرسالة الثانية من الإسلام"، ما يؤكد هذا المعنى، قائلا: ((يقولون إن التاريخ يعيد نفسه، وهذا حق، ولكنه ليس كل الحق، ذلك بأن التاريخ لا يعيد نفسه بصورة واحدة، وإنما يعيدها بصورة تشبه من بعض الوجوه، وتختلف من بعضها، عما كان عليه الأمر في سابقه، فالمكان ليس كرويا، ولا الزمان، تبعا لذلك، بكروي، وإنما هما لولبيان، يسيران من قاعدة إلى قمة، تشبه فيهما نهاية الحلقة بدايتها، ولا تشبهها)). ومع هذا الاحتراز العرفاني الرفيع، تبقى الصورة المجملة لإعادة التاريخ نفسه، قائمة، ويبقى عجز الناس عن التعلم الأتم من التجارب الماضية قائما أيضا.

 

لأمر ما يظن الحكام الشموليون أنهم مخلدون! فهم يتصرفون كمن يحس بأنه سوف يعيش أبدا، ويبدو أن هاجس احتمال الموت غدا لا يداعب خواطرهم. فالسلطة، في غالب أمرها، تسكر سكرا لا فواق منه! وكما قيل أيضا: ((السلطة تُفسد، والسلطة المطلقة تُفسد إفسادا مطلقا)). الوهم بالخلود، المنغرس في بنية وعي كل حاكم  شمولي، هو الذي يغذي إحساسه بأنه مفوض إليها، وموكل، من ثم، بمحو بنية وعي الناس القديمة، وإبدالها ببنية وعي جديدة. ويستوي في ذلك الحكام الشموليون، المتدينون منهم وغير المتدينين. ولا غرابة! فـ "الأدلجة" واحدة لدى العلماني ولدى المتدين، فقط، تتعدد التعبيرات عنها.

 

ما ظل غائبا تماما عن ادارك الحكام الشموليين، طارفهم وتليدهم، هو أن بنية وعي الناس في كل زمان ومكان، ليست نبتا سطحيا، يمكن اجتثاثه في عقدين أو ثلاثة، وإنما هي شجرة معمرة، تضرب بجذورها في أعمق أعماق تربة الدهر. ومناداة الناس بالديمقراطية، وبضرورة الرقابة على الحاكم، ليست سوى محاولة لقفل الباب على الحاكم الشمولي، الذي عادة ما ينصب نفسه نائبا عن السماء، ووصيا على الناس. ومن نماذج الوصاية الصارخة على المحكومين، أسلوب الرقابة القبلية على الصحف في السودان. فهي تدل على أن الحاكم قد وضع نفسه في موضع الرشيد المكتمل الرشد، في حين وضع الأمة بعلمائها، ومثقفيها، ومفكريها، في خانة القاصر الذي لا يعرف مصلحة نفسه، ولا يعرف مصلحة وطنه!

 

شهد النصف الأول من القرن العشرين صعود الفاشية والنازية. وقد كان كل من هتلر وموسوليني اديولوجا (ideologue) مؤمنا إيمانا أعمى بما يعتقد. ومن سمات الاديولوج البارزة أنه يظن أن في وسعه كتابة الفصل الأخير من التاريخ. وبسبب من الإيمان الذي لا يعتريه الشك بالمشروع، اتجهت كل من الفاشية والنازية إلى غسل أدمغة شعبيهما، وظنتا أنهما حتما بالغتا غايتهما التي رسمتاها. أسرفت كل من الفاشية والنازية في استخدام الخطابات الحماسية النارية. وقد كان كل من هلتر وموسوليني خطيبين مفوهين يملكان من القدرة الخطابية ما يصل بمستمعيهم إلى مرحلة الهستريا. أحكمت كل من الفاشية والنازية قبضتها على الإعلام، لمنع ظهور الرأي المناوئ. كما وظفت التعليم لجعل النشء مؤمنا إيمانا أعمى بعقيدتيهما. غير أن ذلك لم يستمر سوى لسنوات، إذ سرعان ما أخذ خطر كل من النازية والفاشية يتهدد دول الجوار الأوربية. اصطف الشعب الألماني طوعا وكرها خلف هتلر، وحين لامست الأفعال والأطماع الهتلرية حد الجنون، كان الأمر قد فلت من اليد، ولم يستطع الشعب الألماني أن يفعل شيئا. اندفعت العسكرية الألمانية المزهوة بنفسها إلى خارج الحدود، ملتهمة البلدان في كل الاتجاهات. استطاع هتلر بالكاريزما الاستثنائية، وبأيقاظ الشعور القومي المتطرف وسط الألمان، وغرس عقيدة سيادة الجنس الآري، من انتشال ألمانيا من وهدة الهزائم السابقة، وهوان الاتفاقيات السابقة. في وقت وجيز بنت ألمانيا اقتصادا قويا، وقاعدة صناعية لا مثيل لها، وأصبحت الآلة العسكرية الألمانية الأقوى بين كل رصيفاتها. كل هذه الإنجازات قادت إلى السكرة التي دفعت بألمانيا إلى خارج حدودها في سعار إمبراطوري لم تعرف له أوروبا شبيها منذ عهد نابليون. ابتلع هتلر كلا من النمسا، وتشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا، وبولندا، ودول غرب أوروبا الصغيرة، في وقت قياسي، بل وابتلع فرنسا نفسها. أما بريطانيا فقد أذاقها سلاح الجو الألماني الأمرين. لحظتها، أدرك العالم الخطر الماحق الكامن في النازية، وتشكل الحلف الأوروبي الأمريكي، وأخذت الحرب العالمية الثانية منعطفا جديدا. أنزل الحلفاء قواتهم الضاربة في النورماندي، وكانت النهاية المأساوية لكل من هتلر وموسوليني، ولنظاميهما اللذين طفحا، في غفلة من الزمن، كما البثور، على وجه الديمقراطيات الأوربية المعاصرة.

 

        استخدمت النازية والفاشية الإعلام والتعليم بشكل غير مسبوق، وحاولتا أعادة صياغة وعي الشعبين الألماني والإيطالي باستخدام الإعلام والتعليم الموجهين. وينطبق ذات الصنيع على الشيوعية، التي سبقت كلا من الفاشية والنازية في الظهور على مسرح القرن العشرين. ولكن بحكم الدور البارز الذي قامت به الشيوعية في إسقاط نظام هتلر، إضافة إلى امتلاك روسيا للسلاح النووي، فقد تمكنت الشيوعية من البقاء حتى ثمانينات القرن العشرين. أممت الشيوعية الإعلام وأممت التعليم، وأغلقت البلاد، ووضعتها تحت ستار حديدي. ومع ذلك، بعد ما يقارب السبعين عاما، سقطت الشيوعية تحت وطأة ثقلها الذاتي، وهكذا أعاد التاريخ نفسه.

 

دائما ما يظن الحاكم الشمولي نفسه استثناء، ويصبح بذلك عميِّا عن رؤية العبرة فيما جرى لغيره. رأت الشيوعية سقوط النازية والفاشية بعينيها، بل وأسهمت فيه، ولكنها ظنت أنها تختلف عن النازية والفاشية. أكثر من ذلك، فلربما قادها سقوط هتلر لتظن أن المستقبل قد أصبح لها وحدها. فحتمية تفكك النظام الرأسمالي، وانهياره في نهاية المطاف، كانت، ولا تزال، عقيدة شيوعية راسخة. ولربما يكون الاعتقاد بسقوط الرأسمالية في نهاية المطاف اعتقادا صحيحا، غير أن التجربة الشيوعية في روسيا، وفي دول الكتلة الشرقية قد سقطت عمليا قبل أن تبدو في الأفق، نذر سقوط الرأسمالية. ما كانت تظنه العقيدة الشيوعية بنفسها، هو أنها إنما جاءت لتكتب الفصل الأخير في التاريخ. وعلى الرغم من هذه العقيدة الصماء، وعلى الرغم من غسل الأدمغة بالتعليم، وبالإعلام، سقطت الشيوعية سقوطا أدهش العالمين من شدة سهولته، إذ لم يرفع أحد في وجهها، في بلدانها الأم، بندقية من أي نوع! وبعد أن انقشع عِثْيَرُ الزوبعة الشيوعية في روسيا ودول الكتلة الشرقية، التي استمرت ما يقارب السبعة عقود، تكشف المشهد الذي ظل محجوبا عن أعين العالم، عن عوز، وتخلف كبير عن ركب الحضارة الغربية. وذهبت كل الدعاية الباذخة، وكل غسيل الأدمغة أدراج الرياح!

 

        أخلص مما تقدم إلى أن الأنظمة الشمولية قليلا ما تعلمت من تجارب رصيفاتها السابقات. فالشموليون لا ينفكون يعتقدون بأن التاريخ سوف يظل يعيد نفسه، ليقف إلى جانبهم، وأن إمكانية كتابة الفصل الأخير في التاريخ، تظل مواتية. فالتجربة البشرية في مجملها، حتى لحظتنا التاريخية الراهنة هذه، لم تطرح من الوعي المستحصد الفاعل وسط الجماهير، ما ينفي صحة ما يراهن عليه الشموليون. وينطبق هذا الحكم حتى على أعرق الديمقراطيات. ففي بلد كالولايات المتحدة الأمريكية، مثلا، عرفت النخب المتنفذة كيف تعمل عن قصد وتصميم لتهمش دور الجماهير. وقد أوضح المفكر الأمريكي الأشهر، نعوم تشوموسكي، في كتابه، "السيطرة على الإعلام" Media Control تآمر النخب المتنفذة على الجمهور بغرض تضليله وصرفه عن قضاياه الحقيقية، وسوقه إلى الاستكانة لما يُصنع به. توظف النخب المتنفذة الآلة الإعلامية لغسل الأدمغة، ولتجفيف منابع الاهتمامات الجادة في نفوس الأفراد، بجعل العنف والجريمة بؤرة للخبر الإعلامي. كما تعمد أيضا إلى إذكاء حمى الحماس المفرط للمنافسات الرياضية، وإلى الترويج للجنس، وللموضة المرتبطة بالجنس، وعجن كل ذلك وتقديمه ترياقا مضادا للوعي بقيمة الذات، والوعي بقضايا المجتمع. يتم كل ذلك وفق خطط مدروسة وممنهجة لجعل ثقافة الاستهلاك هي القاسم المشترك الأعظم في الوعي الجمعي، حتى تبقى الجماهير على الرف، وتظل القلة الممسكة على مفاصل السلطة والثروة بمنأى عن أخطار الثورات والانتفاضات.

 

تظهر نزعات الاديولوج أكثر ما تظهر في السياسة الإعلامية والتعليمية، هناك سعي محموم لإعادة تشكيل وعي الناس وحفظهم تحت السقف الذي رُسم لهم، وشل قدرتهم على الحراك القاصد إلى إحراز حق المشاركة الكامل. ففي مجال التعليم، اندفعت الإنقاذ في بث اديولوجيتها في مناهج التعليم، وفي الرسائل الإعلامية. وبسبب من الأدلجة المفرطة اندفعت بغير روية إلى تعريب الجامعات. كما شردت العلماء من غير "ذوي الولاء". وحين جاء النفط، واتسعت قاعدة الاقتصاد، وأصبحت الحاجة ماسة لمخرجات تعليمية مواكبة لسوق العمل الكوكبية الجديدة المترابطة، بانت سوءات الأدلجة. وما كان أمام البلاد والعباد سوى الاندفاع المحموم نحو التعليم الخاص، عاما وعاليا، ولكن بلا خطة قومية كلية مُوَجٍّهة. واستحال التعليم إلى نشاط تغلب عليه النزعة التجارية، ويتحكم فيه هاجس الربح السريع. فالاديولوج الذي جاء ليصلح التعليم، لم يكن يملك ذخيرة معرفية تذكر، ولا حكمةً تحرص على النظر إلى التجارب التعليمية الأخرى. كل ما كان يملكه الاديولوج الإسلامي السوداني، وهو يعاظل شأن التعليم، إنما هو عقيدته الصماء، وثقته المفرطة في أن مفاتيح الحلول كلها معه. أليس هو ممثل السماء في الأرض، الذي ما على الناس إلا إتباعه، طوعا، أو كرها. افْتُضِحت عورة الاديولوج الذي جاء ليصلح أمر التعليم لكل ذي عينين، غير الاديولوج نفسه ظل يكابر. ولا يزال ذلك الاديولوج الذي خرَّب التعليم، يظن أنه يصنع خيرا بالإعلام!

 

تحت قبضة هذا الاديولوج شهدنا عصر الرقابة القبلية، وعصر التلفزيونات والإذاعات التي تبث أكثر الرسائل الإعلامية سذاجة، مستخدمة كوادر إعلامية من "أهل الولاء" أكثر ما يميزها هو هزال التأهيل الإعلامي، وضعف الحصيلة المعرفية، بل واللغوية، حتى في ما يقع في نطاق ما يسمى بـ "النحو الواضح"!! وأصبح تلفزيون أمدرمان مبعثا للتندر، شكلا ومضمونا، لدى القاصي والداني! وفي حصيلة التعليم، أصبحت شهادات جامعاتنا لا تسوي شيئا خارج البلاد، بل، حتى لدى جهات كثيرة داخل البلاد نفسها. وضربت العزلة المعرفية وضمور التصور الصحيح للعالم من حولنا، على نشء المدارس. وعلا التلقين والحفظ على ما يجري في العالم في هذه اللحظة من اهتمام فائق بتدريس التفكير النقدي ومهارات حل المشكلات!! وسأعود لجزئية الحفظ والتلقين في مقابل التفكير النقدي وتدريس مهارات حل المشكلات، في مقالة قادمة، إن شاء الله. لقد آن الوقت لكي تخلع الإنقاذ خوذة الاديولوج التي أدمت رأسها، وتنتشل نفسها من هذه الوهدة السحيقة من معاداة الكفاءة والأكفاء؟