elnour hamad [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

إحدى دلالات حادثة الإعتداء على دار الحزب الشيوعي السوداني بالجريف غرب، مؤخرا، تتمثل في أن أئمة المساجد، وطرفا من جمهور المساجد لدينا، لم يبرحوا، ولا قيد أنملة، حالة "رهاب الشيوعية"، التي أطلقها من عقالها في منتصف ستينات القرن الماضي، تنظيم الإخوان المسلمين، بقيادة الدكتور حسن الترابي. تزعم الدكتور الترابي وقبيله الحملة الشهيرة لحل الحزب الشيوعي السوداني، عقب حادثة معهد المعلمين الشهيرة، ودعا إلى تعديل مادة الحريات الأساسية في الدستور الديمقراطي، ليتسنى طرد النواب الشيوعيين من البرلمان. وليس السبب هو "كفر الشيوعيين" كما كانوا يروجون، وإنما للأن الشيوعيين كانوا المنافس الأقوى. فهم قد أتوا من دوائر الخريجين، وكانوا الأكثر ثقافة، والأفصح لسانا، والأجرأ، والأعرف بكشف ألاعيب حكومات الأحزاب آنذاك، ومن ثم الأكثر  قدرة على كسب الجمهور.

 

في أتون تلك الحملة الشرسة، أخرج الدكتور الترابي كتابه المسمى، "أضواء على المشكلة الدستورية". في ذلك الكتاب، حاول الدكتور الترابي أن يشرعن لحل الحزب الشيوعي، وطرد نوابه المنتخبين، من البرلمان! عج ذلك الكتاب بالميكافيلية، وبالالتواءات. فقد بلغ أن وضع فيه الدكتور الترابي، الجمعية التأسيسية فوق الدستور، معطيا إياها صلاحيات مطلقة، لا يقيدها قيد، ولا تحدها حدود!. كتب الدكتور الترابي في ذلك الكتاب: ((فهذه السلطة مودعة في الجمعية التأسيسية وبحكم هذه الحاكمية غير المقيدة تشكل الجمعية الفاعل المطلق، لا تضاهيها هيئة أخرى، ولا يراجعها رقيب، ولا يحدها ضابط قانوني)). وقد رد عليه الأستاذ محمود محمد طه، بكتاب أسماه، "زعيم جبهة الميثاق في ميزان: (1) الثقافة الغربية (2) الإسلام"، مبينا التواء الدكتور الترابي، وزيف ثقافته القانونية، وانسياقه الأعمى وراء الغرض، فاضحا محاولته إعطاء الجمعية التأسيسية (البرلمان)، حق تعديل مادة الحريات في الدستور، وحل حزب بأكمله، بل وطرد نوابه المتخبين من البرلمان!!. فليراجع الكتابين من يشاء من أجل تجديد الذاكرة، فلا مستقبل لأمة من غير ذاكرة.

 

بلغت الحملة الماكرة، الجائرة، التي قادها الدكتور الترابي لحل الحزب الشيوعي  مقصدها، فتم تعديل الدستور، بانتزاع المادة التي تمثل جوهر الدستور وأساسه، وتم بالفعل طرد نواب الحزب الشيوعي، وتم تحويل النظام الديمقراطي البرلماني، في غمرة التهييج الديني تلك، إلى ديكتاتورية مدنية. ولم يكن الدكتور الترابي، ذو النفر القليل وقتها، ليحقق ما حقق من أغراض، لولا مشايعة كل من السيد، الصادق المهدي، والسيد، إسماعيل الأزهري له، وركوبهما معه، هما وحزبيهما، ظهر تلك الموجة النابية. وقد كان لذلك الركوب الغوغائي للحزبين التقليديين الكبيرين لمركب الدكتور الترابي دلالته، التي ما ينبغي أن نمر عليها مرور الكرام. فالمؤدلجون من أصحاب التيار الديني، وأصحاب الأحزاب الطائفية، هم في غالب الحال، سواء. فالجمود الديني العقدي يسيطر على كليهما. أما الإيمان بالمبادئ الديمقراطية والوقوف معها، فليست سوى طلاء خارجي شديد الرقة. وهذا أمر سنتتبع شواهده في مقالات قادمات إن شاء الله. والسلفية المختبئة، تُظهرها وتفضحها المحكات. وقد كانت قضية طالب معهد المعلمين العالي التي بسببها تم حل الحزب الشيوعي السوداني، في منتصف ستينات القرن الماضي واحدة من تلك المحكات. تمثلت تلك الحادثة، فيما رُوي، أن طالبا مضطربا نفسيا أساء إلى البيت النبوي المطهر. فقامت جبهة الميثاق الإسلامي بقيادة الدكتور حسن الترابي بإذكاء موجة عارمة من الغضب الشعبي، وتوجيه ذلك الغضب نحو الحزب الشيوعي، دون ذنب اقترفه. ولقد اعترف لاحقا، بعض قادة التيار لإسلامي بالاستغلال السياسي الذي قامت به جبهة الميثاق الإسلامي لتلك الحادثة المعزولة. ولا يفيدنا ذلك الإعتراف اليوم شيئا، سوى العبرة. فقد تغير مجرى التاريخ السوداني، ووضع الإسلاميون السلطة في جيبهم في نهاية المطاف.

 

ما أشبه الليلة بالبارحة!

تكفير الشيوعيين الذي أطل برأسه هذه الأيام، ليس سوى محاولة لإعادة ما تم قبل أكثر من أربعة عقود من الزمان، من مهاجمة لدور الحزب الشيوعي السوداني. والفرق بين ما تم في منتصف ستينات القرن الماضي، وبين ما تم قبل أيام في الجريف غرب، هو أن الإخوان المسلمين كانوا آنذاك في واجهة المؤججين، متصدرين الصفوف الأولى، في هستيريا أخذ القانون في اليد. ولكن الإخوان المسلمين، تعلموا من التجارب. فقد  أصبحوا أكثر دربة وأكثر حنكة. فتنظيمهم الذي تقلب في مختلف الصور، وأصبح يمثله اليوم، المؤتمر الوطني، لم تعد قياداته تتصدر مثل هذه القضايا. لقد أحيل ذلك الدور إلى أئمة المساجد، وللطلاب، وللصبية المندفعين. يدفع التنظيم بأذرعه المختلفة تلك، التابعة له، لخلق الفوضى، والإضطراب، وسائر أنواع "الدربكات" الدينية، التي تخدم أغراضه، بينما يقف هو بعيدا يرقب المشهد وعلى فمه ابتسامة ماكرة.

 

تعددت أذرع تنظيم الإسلاميين السودانيين، وتنوعت. وقد شهد العقدان الأخيران في السودان، حوادث مأساوية، سببها الرئيس هذا التنظيم الحاكم، ومناهجه الدراسية، وإعلامه، ولغته، وخطابه السياسي المؤجج للعاطفة الدينية الفجة، العامد إلى طمس نور العقل، وإخراس الصوت المخالف. قبل فترة قصيرة قامت ما تسمى بـ "هيئة علماء السودان"، بإعلان كفر الأستاذ ياسر عرمان، القيادي في الحركة الشعبية. وقبلها علت نفس تلك الأصوات بتكفير الصحفي، محمد طه محمد أحمد، الذي تم قتله في جريمة اقشعرت لها الأبدان. وقد أشار كثير من الكتاب إلى أن نظام الإنقاذ، هو الذي خلق هذا المناخ من حمى التعصب، ومن ضيق الصدر بالآخر المختلف. هذا فضلا عن أن عهد الإنقاذ، قد شهد فتح أبواب البلاد على مصاريعها للمتعصبين من الأجانب. ونتيجة لذلك الانفتاح "الأممي الإسلامي"، شهد السودان، ولأول مرة في تاريخه، قتل المصلين في المساجد، في مجازر جماعية بالغة الشناعة.

 

الإمام الذي حرض على الإعتداء على دار الحزب الشيوعي السوداني في الجريف، قيل أنه يُدَرِّس في جامعة الخرطوم. والدكتور الذي قاد حملة تكفير محمد طه محمد أحمد، قيل أنه يُدَرِّس، هو الآخر، في جامعة الخرطوم. فأي نوع من الجامعات أصبحت جامعة الخرطوم يا ترى؟! وأي نوع من التعليم أصبحت تقدمه لناشئتنا؟! وأي نموذج للأستاذ الجامعي، العالم، أضحت تلك الجامعة تقدم؟! تصوروا معي هذه الهبطة: من عيار ثقيل في سعة العلم، وفي رجحان العقل، وفي الحكمة، والحلم، والرزانة، كعيار الدكتور، عبد الله الطيب، إلى هؤلاء المهووسين، من مدبجي فرمانات التكفير!!

 

نزعة التكفير لا تعرف الحدود

يظن كثير من المسلمين، خطأ، أن هناك فهما واحدا صحيحا للإسلام، وأن هناك تيارا عاما رئيسا، يمثل ذلك الفهم الصحيح للإسلام. وبناء عليه، فإن هناك قلة قليلة من التيارات المنحرفة، التي يجب إعلان كفرها، ومن ثم القضاء عليها. غير أن ما أريد تثبيته هنا، في هذه الجزئية من هذه المقالة، أن هذا الظن ظن باطل، بل وينطوي على جهل كبير بالواقع الإسلامي، وبشواهد التاريخ الإسلامي. فالفرق الإسلامية لا حصر لها، وكل واحدة من تلك الفرق تزعم أنها الفرقة الناجية. والقول بأن ما عليه أهل السنة والجماعة هو الحق الذي لا مراء فيه، قول غير صحيح. فما يسمى بإجماع علماء الأمة، لا يمثله اليوم، سوى قبيل واحد متجانس من العلماء، يقع في جملته تحت مسمى "فقهاء السلطان". العصر الذي نمر فيه اليوم، فيما أرى، هو عهد تحقق النذارة النبوية القائلة: ((يوشك أن تداعي عليكم الأمم كتداعي الأكلة على قصعتها. قيل: أومن قلِّةٍ نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاءٌ كغُثاءِ السيل، لا يبالي الله بكم)). فيومنا هذا هو اليوم الذي تكالبت فيه الأمم على المسلمين، كما يتكالب الأكلة الجياع على صحن فيه طعام. هذا هو اليوم الذي أصبح فيه المسلمون غثاءً كغثاء السيل، أي أصبحوا مثل "العويش والدفيس" الذي يحمله السيل في مقدمته. في مثل هذه الحالة يصبح الحديث عن أهل السنة والجماعة، وعن إجماع الأمة التي لا تجمع على باطل، حديثا في غير محله. بل يصبح غشا، وتدليسا، هدفهما الأساس، خدمة أهل الثروة، وأهل السلطان.

 

لم تعرف نزعة التكفير الحدود في يوم من الأيام. فهي نزعة عشوائية واعتباطية. فلقد طال التكفير في التاريخ الإسلامي أئمة المذاهب أنفسهم! وقد لا يعرف أكثرية المسلمين، أن الإمام أبا حنيفة النعمان، قد تم تكفيره من قبل خصومه في الرأي! ولقد تمت استتابته مرات، بسبب آرائه! وقد رُوي عن سفيات الثوري، أنه قال حين بلغه نبأ وفاة أبي حنيفة: ((الحمد لله الذي أراح المسلمين منه، لقد كان ينقض عرى الإسلام عروة عروة. ما وُلد في الإسلام مولود أشأم على الإسلام منه))!! وما قاله سفيان الثوري ردده أيضا عدد من مخالفي أبي حنيفة، من كبار أهل الرأي. منهم على سبيل المثال لا الحصر، أيوب السختياني، ومالك، والأوزاعي، ووكيع، وجرير بن حازم، وإبن المبارك. كما ورد أيضا، أن الإمام عبد الله، قد روى بإسناده إلى حماد بن أبي سليمان، أنه قال لسفيان: ((اذهب إلى الكافر أبي حنيفة، فقل له: إن كنت تقول: إن القرآن مخلوق فلا تقربنا)). ونتيجة لوشاية بالإمام مالك بن أنس، وشى بها بعضهم إلى جعفر بن سليمان، والي المدينة الذي أقامه عليها الخليفة العباسي، أبو جعفر المنصور عليها، قام ذلك الوالي باستدعاء الإمام مالك وتجريده، وضربه سبعين سوطًا، انخلعت فيها كتفه. الشاهد أن أئمة المذاهب أنفسهم قد تم تكفير بعضم، وتم جلد بعضهم الآخر بالسياط. فنزعة التكفير والإرهاب السلطوي تطال الجميع، بلا استثناء. فليس هناك قواعد اسلامية ثابتة يتم تكفير من ينحرف عنها، كما استقر في أخلاد كثيرين، بقدر ما أن هناك انتقائية، بها يتم استخدام النص الديني، والرأي الديني، حسب مقتضى الحال. ومقتضى الحال في التاريخ الإسلامي ظل في أغلب الأحوال، أمرا تحكمه السياسة، وأهواء الحكام، بأكثر مما تحكمه مقاصد الدين وحكمته.

 

أما في العصر الحديث، فقد مثلت حادثة تكفير وإعدام الأستاذ محمود محمد أصرخ نموذج لقتل المفكرين بواسطة جهاز الدولة. كما مثلت حادثتا إغتيال الكاتب المصري فرج فودة، والمفكر البارز حسين مروة في لبنان، نموذجين آخرين صارخين لقتل المفكرين بواسطة أفراد مضللين يستمعون إلى فتاوى التكفير التي يصدرها بعض ممن يسمون بـ "رجال الدين"، فيأخذون القانون في أيديهم، وينفذون أحكام القتل في المفكرين، ودعاة الإصلاح. ولقد تم مؤخرا تكفير الدكتور الترابي، حين عدل عن آرائه القديمة فيما يتعلق بزواج المسلمة من الكتابي، وما يتعلق بإمامة المرأة، وما إلى ذلك. الشاهد، أنه ليست هناك قاعدة ثابتة للتكفير، فهو سلاح جرى استخدامه بأشكال مختلفة للتخلص من الخصوم الفكريين في أزمنة مختلفة. وهو بتلك ألأوصاف سلاح يمكن أن يطال أي أحد، وبلا استثناء. وليحذر مطلقو هذا السلاح، فإنه سلاح كثيرا ما ارتد إلى صدر مطلقه!

 

أجراس الحرية 14 سبتمبر 2009