elnour hamad [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

يتغنى السودانيون كثيرا بتراثهم الصوفي، وحق لهم أن يتغنوا بذلك التراث، فقد كان بحق تراثا عظيما، فريدا، متميزا. أسهم متصوفة السودان، اسهاما فاعلا، في تعليم الناس، وفي إرشادهم، بل وفي مد بساط التكافل الإجتماعي بينهم، مدا غير مسبوق. ويمكننا أن نقول بلغة اليوم، إن التصوف في السودان، خاصة في الحقبة السنارية، وطرفا من الحقبة التركية، قد كان بمثابة الوعاء الجامع لما يمكن أن نسميه اليوم، "جهود منظمات المجتمع المدني"، كما أيضا، تجسيدا حيا، لما يمكن أن نسميه اليوم، أيضا، "العمل السلمي المعارض". تمكن متصوفة السودان من السناريين، مستخدمين سلطتهم الروحية، والأخلاقية، من خلق نظام للتكافل الإجتماعي، جعل السودانييين يحيون، رغم عوزهم، وشح مواردهم، حياة أفضل نسبيا. كما استخدموا أيضا سلطتهم الروحية والأخلاقية، وما تمتعوا به من احترام لدى الحكام، لكي يحولوا بين عامة الناس، وبطش الحكام، وتجاوزاتهم. ولا غرابة في ذلك! فقد وقف التصوف الإسلامي، عبر تاريخه الطويل، إلى جانب الناس، لا إلى جانب السلطة. وقد ورث المتصوفة السودانيون هذا التقليد الصوفي العريق، خاصة متصوفة الحقبة السنارية. ولم تكن وقفة الأستاذ محمود محمد طه، في وجه قوانين سبتمبر، وإذلالها للشعب، بالسيف والسوط، وضربه ذلك المثل الأعظم في الفداء، إلا تتويجا لذلك الإرث التاريخي العظيم.

 

يقول الأستاذ محمود محمد طه: ((علتان تحرفان فكر المرء، هما: الرغبة، والرهبة)). ويأخذ حديث الأستاذ محمود هذا بعضا من دلالاته في ما كان عليه الحال، في تاريخ التصوف السوداني. فكبار متصوفة الحقبة السنارية، كانوا زاهدين، بحق، في عرض الدنيا الزائل. لقد ربطوا وعيهم، عن طريق المجاهدات، وبالصيام، وبالقيام، ربطا وثيقا، برب الكون، فلم يعودوا يرهبون أحدا. وقد مكنهم ذلك التحقيق الروحاني الرفيع، من تعضيد حالة الحيدة في ذواتهم، فاستطاعوا بذلك، وذلك وحده، من أن يبرأوا من رهبة الحاكم، ومن الرغبة في ما لديه. لم يستطع حكام الحقبة السنارية استمالتهم إلى جانبهم؛ لا بالأعطيات، ولا بأسلوب التقريب من البلاط، الذي يجلب الوجاهة. بتلك الحيدة، والاستعصاء على الترغيب والترهيب، تمكنوا من أن يقفوا إلى جانب الضعفاء، ومن ثم، تمكنوا من تجسيد الخطاب القرآني الخالد: ((وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله، والمستضعفين من الرجال، والنساء، والولدان، الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها، وأجعل لنا من لدنك وليا، وأجعل لنا من لدنك نصيرا)). صدق الله العظيم. وبطبيعة الحال، فإن المتصوفة، بشكل عام، لم يمارسوا القتال بمعناه الحسي، وإنما مارسوا القتال بمعناه المعنوي، ولكن، يا له من قتال!! فهو ليس قتالا لحظيا محدودا بالأطار الزمني للموقعة الحربية، وإنما هو قتال دائم، يستمر ما استمر النفس الطالع والنازل. إنه قتال "الجهاد الأكبر"، الذي يجهل الكثيرون قدره ومعناه.

 

لا أريد أن يفهم القارئ، مما تقدم، أنني أضع كل متصوفة الحقبة السنارية في مرتبة واحدة من حيث الحيدة، والتجرد، واتقاء القرب من الحاكم. ولكنني أردت أن أقول، إن السمة العامة للتصوف، في تلك الحقبة، قد كانت الوقوف إلى جانب الناس، لا إلى جانب الحاكم. ورد في الطبقات لمحمد النور بن ضيف الله، في عرضه الشيق، لسيرة الولي الكبير، الشيخ إدريس ود الأرباب، أن الملك بادي أبو رباط، ملك سنار، جمع كبار الفونج، وقال لهم: ((الشيخ إدريس، شيخي، وأبي، وداري من العسل، إلى البصل، بقسمها له النصف)). غير أن الشيخ إدريس رفض ذلك العرض، ورد على أحبولة الملك المخاتل، قائلا: ((هذه دار النوبة، وأنتم غصبتموها منهم، فأنا لا أقبلها))!!

 

قول الملك: ((الشيخ إدريس، شيخي، وأبي))، ليس سوى مجرد محاولة لإظهار الولاء الديني، من أجل الإستمالة، والاستحواذ سايكلوجيا، على القوة المناوئة التي كان يجسدها الشيخ إدريس، بمحاولة الإنضمام إلى صفها. وذلك على قاعدة حكمة الوصولييين القائلة: ((إذا لم تستطع الإنتصار عليهم، فانضم إليهم)). أما الغرض الحقيقي من الإستمالة، ومن الاستحواذ السايكلوجي، فهو إشراك الشيخ إدريس، في النهب الذي تم لأرض النوبة، ربما عند خراب سوبا. فلو قبل الشيخ إدريس ود الأرباب، أعطية الحاكم السناري من الأرض، فإنه يكون بذلك قد شرعن لذلك النهب، وأضفى عليه، بل وعلى من قاموا به، شرعية دينية. ولكن الشيخ كان قطبا واصلا، فطنا، ممسكا بزمام نفسه، عارفا بأحابيلها وبأحابيل الحكام وأنشوطاتهم. ولا شك عندي، أن الملك السناري، قد صُدم بذلك الرد الصارم، الواضح، الذي لا مواربة فيه. هذا مثال واحد فقط، من أمثلة متصوفة سنار، وهناك كثير غير هذا المثال. الشاهد، لكي يحافظ المتصوف على وضعية الحيدة هذه، لابد له من أن ينأى بنفسه من القرب الشديد من الحاكم، وأن يتجنب أخذ أعطياته، فإن في دسمها سم زعاف كثير. حين يقترب المتصوف كثيرا من الحاكم، يفقد جوهر تصوفه، ويستحيل، أراد أم أبى، إلى واحد من أذرع ذلك الحاكم.

 

عرف التاريخ الإسلامي المؤسسة الدينية التابعة والداعمة لسلطة الحاكم منذ العصر الأموي. فالحاكم يبحث دوما عن ما يدعم به سلطانه. فهو حين يعجز في استمالة قلوب الناس إليه، يعمد عادة إلى إستمالة قلوب قادتهم. حين جاء الأتراك إلى السودان، جاءوا معهم بمؤسستهم الدينية ممثلة في الفقهاء والقضاة، والوعاظ، لا لكي يصلحوا من أحوال الناس، وإنما ليروجوا لطاعة الحاكم. فالحكم الوافد ما جاء أصلا لإصلاح أمر البلاد والعباد، وإنما جاء لنهب الثروات. وحين قامت الثورة المهدية، استخدمت السلطة التركية في مواجهتها علماءها الوافدين، إضافة إلى من دربتهم من السودانيين، وجعلت منهم ما يسميه وجيه كوثراني، بـ "الفقيه الحشوي". وحين جاء الإنجليز إلى السودان، مشوا على ذات النهج التركي، فاستخدموا رجل الدين "البيروقراط"، صاحب المرتب، المجلبب، المعمعم، المقفطن، المتمنطق بالحزام، وخلعوا عليه كساوي الشرف، وغمروه بالأعطيات، ليصبح أحد أذرع الدولة المدافعة عنها. لقد دعم البريطانيون السلطة الدينية للفقيه، على حساب سلطة الفقير المتصوف، وذلك بعد أن رأوا في المهدية، الخارجة من عباءة التصوف، وجها مقاتلا شرسا، لا ينحني، ولا ينثني.

 

ما أردت أن أشير إليه هنا، أن تغييرا جوهريا طرأ على دور القائد الديني في حياتنا. فالقائد الديني في العصر السناري كان هو المتصوف الممسك بجوهر التصوف، المتمثل في الزهد والورع اللذين يجعلان المتصوف واقفا في صف الناس، لا في صف الحاكم. في الحقبة التركية بدأ دور الفقيه يغلب على دور المتصوف. ولذلك، فيما أرى، سببان: أولهما، أن المتصوفة قد بدأوا يرون تنامي دور "الفقيه الحشوي"، ويشهدون علو مكانته لدى الحكام، فما كان منهم، إلا أن بدأوا، هم أنفسهم، يميلون إلى الحكام. أما ثانيهما، فهو الخنق المستمر الذي مارسته عليهم الثورة المهدية، بحكم إغلاقها للمذاهب وللطرق أجمع. دفع ذلك التضييق المتصوفة، دفعا، لكي يلوذوا بالحاكم. وهكذا قادت التحولات العاصفة التي شهدها القرن التاسع عشر، التصوف لكي يقترب أكثر، فأكثر، من بلاط الحكام، ويتخلى تدريجيا من دوره التاريخي المتمثل في نصرة المستضعفين، والوقوف إلى جانبهم.

 

حين وفدت دعوة الإخوان المسلمين إلى السودان، كانت دعوة سنية، وكانت أقرب ما تكون في ذلك، إلى الدعوة الوهابية، في معنى وقوفهما على طرفي نقيض مع التصوف. غير أن الإخوان المسلمين السودانيين تعلموا كثيرا في العقود الست الماضية، التي هي عمر دعوتهم في السودان. فحين احتووا نظام نميري في نهاية سبعينات القرن الماضي، وأول ثمانيناته، رفعوا لواء "البيعة" عاليا، وهو لواء يبعث رفعه على الدهشة، خاصة في مناخ الدعوة إلى الديمقراطية اليوم، والحرص على فصل السلطات، وعلى تعضيد رقابة الشعب على الحاكمين! في مثل هذا المناخ تصبح كلمة "بيعة" كلمة متحفية، ربما بعث مجرد قولها في زماننا الراهن، على الضحك. هرع الإخوان المسملون مع الرئيس الراحل، نميري، إلى قرية أبو قرون، التي ارتضت، رغما عن كونها واحدة من بقع التصوف السودانية، أن تكون مكانا لتلك البيعة. حدثت تلك الهرولة الإخوانية، لحظة أن اشترى نميري، في لحظات ترنح حكمه، شعار "تطبيق الشريعة الإسلامية" من رافعيه التاريخيين. كان على رأس المبايعين في تلك البيعة المذاعة، والمتلفزة، الزعيم التاريخي لحركة الإخوان المسلمين في السودان، الدكتور، حسن الترابي. وقد صف تلك البيعة، القيادي الإخواني المخضرم، الأستاذ يس عمر الإمام، بقوله: ((انهمرت الدموع في إبي قرون وهي تستعيد ذكرى السيرة العطرة، ومواقف الصحابة في بيعة الرضوان... وتحرك رئيس الجمهورية وسط الناس يحيط به الحراس... البيعة عهد سياسي يقوم على ركائز الدين .... وأمر البيعة لا يستوي إيمان المرء إلا به.)) .

 

بعد صِوالٍ وجِوالِ طويلين، أيقن الإخوان المسلمون، أنه لا قبل لهم باستئصال التصوف من السودان، فتحولوا، من ثم، إلى احتوائه. وقد تمكنوا بالفعل، في العقود الثلاثة الأخيرة، من التغلغل في كثير من البيوت الصوفية، ومن استمالة بعض أبناء شيوخ السجادات إلى جانبهم. ولا أحب أن أعمم هنا، إذ لا زالت بعض البيوت الصوفية، واعية بأن دور المتصوف، الذي يمليه عليه عهد الطريق، هو أن يقف على دكة الحق الأبلج، وأن يظل ما حيي، ترياقا ضد عسف السلطة بسواد الناس. بعد أن انشطر "الإسلاميون" وأصبحوا فريقين متناحرين، لجأ الفريق الممسك بدفة الحكم إلى بيوت التصوف، وأدخل البلاد والعباد في واحدة من تلك الموجات التي ظلت تعلو، كلما خوى وفاض حاكم من الوعود المفرحة، وكلما انبهمت عليه سبل الفعل الخلاق.

 

اندفعت مؤخرا، سائر التلفزيونات التي تسيطر عليها الحكومة، في بث مكثف للمديح، ولقصيد القوم، ولحلقات الذكر. شرعت الحكومة، عبر أجهزتها الإعلامية، في إغراق مدروس للعين السودانية بمرأى القباب، ومرأى الدراويش بجلابيبهم الخضر، المرقعة، وفي حشو ملحاح للأذن السودانية بدوي الطبول والدفوف. أخذت الحكومة تدفع بالجمهور، دفعا مدروسا، إلى صورة الماضي السناري، التي تم إفراغها من محتواها، بمباركة شيوخ التصوف الجدد، ليخلو للحكومة وجه الحاضر، لتعبث فيه بالمقدرات جميعها، دون رقيب أو حسيب. تحت هذا التعميه المكثف، تموت قلوب الكثيرين، ويحل القرش محل القيمة، ومحل المعنى، وتضمر الأحلام، وتنغلق أبواب الفرج أمام المسحوقين، ويتفكك النسيج الإجتماعي، وتصبح الحياة السودانية، في مجموعها، دورانا محموما في حلقة مفرغة، تدفع قوة طردها الرهيبة بالغالبية العظمى، من السودانيين، إلى أسفل، وباستمرار. لقد بلغ تمجيد الماضي، وإعلاء صورته، من أجل طمس صورتي الحاضر، والمستقبل، على عهد الإنقاذ الراهن، مبلغا غير مسبوق. ولم أر في خواء الوفاض من الرؤية، وفي الإصرار على ضرب العزلة المعرفية، والعزلة الوجدانية، على الأمة، ما يقارب ما يجري الآن، فاعتبروا يا أولي الأبصار.