عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
    
بعد أن استتبت الأمور، لقادة انقلاب 23 يوليو في مصر، أصبح همهم الرئيس منحصراً في جلاء الإنجليز، وبأسرع فرصةٍ ممكنة. ولما كان موضوع السيادة على السودان قد أصبح موضوعاً شائكاً، وأن الوحدة تحت التاج المصري لم تعد ممكنةً، بسبب التقاء المصلحة البريطانية والمصلحة السودانية في مقاومتها، فقد رأى قادة انقلاب 23 يوليو أن يفصلوا بين أمر السيادة على السودان وبين جلاء الإنجليز عن أرض مصر. يضاف إلى ذلك أن التاج المصري نفسه قد ذهب إلى غير رجعة. ومن هنا نشأ تكتيك جديد. ويمكن القول هنا أنه على الرغم مما أعلنه قادة انقلاب 23 يوليو من سياسات ثورية تحررية تغلب عليها الصبغة اليسارية، إلا أن النظرة إلى السودان بوصفه جزءاً لا يتجزأ من أرض مصر، ومن أمنها المائي، والغذائي، والسكاني، لم تتغير عن سابقتها. وقد ذكر اللواء محمد نجيب إن خطتهم ((كانت تدعيم الحزب الوطني الإتحادي لعودة السودان لمصر بعد أن يخرج منه الإنجليز)). (فيصل عبدالرحمن علي طه، الحركة السياسية السودانية والصراع المصري البريطاني بشأن السودان 1936م-1953م، مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي، أم درمان، 2004م، ص 653).

كان النهج المصري الأول الذي سبق قبول المصريين بحق تقرير المصير للسودانيين، يسير في مسارين مترادفين: الأول فرض السيادة على السودان من علٍ، ووضعه تحت التاج المصري قبل خروج الانجليز منه، مع منحه حكما ذاتياً صورياً، لا أكثر. أما المسار الثاني الذي هو رديفٌ للمسار الأول فقد كان: اختراق السودانيين من الداخل، وخلق فئةٍ من القيادات الوطنية السودانية ذات الولاء الكامل لمصر. فئةٌ تخدم المصالح المصرية، وتجعل من الحكم الذاتي مجرد لافتةٍ بلا محتوى حقيقي على الأرض. وهكذا يخرج الإنجليز من السودان، ويبدو السودانيون كالمتمتعين بحكم ذاتي، ولكن بلا حكم ذاتي حقيقي. وهكذا تصبح مصر متحكمة بالكلية في القرار السياسي السوداني، والتحكم في القرار السياسي السودان لصالح مصر أصبح هو هدف السياسات المصرية حتى يومنا هذا. ولكن، حين تم إجهاض المسار الأول بمقاومة بروتوكول صدقي بيفن الذي أعلن عنه في العام 1946م، ثم تمت في بداية الخمسينات  المقاومة الشديدة لمحاولة فرض التاج المصري على السودانيين بواسطة حكومة النحاس باشا، وجد قادة ثورة 23 يوليو أنفسهم محصورين أمام خيار واحد، وهو اختراق السودانيين بخلق تنظيمٍ حزبيٍ موالٍ لمصر، تستخدمه مصر من على بعد لإنفاذ كل ما تود إنفاذه في السودان من سياسات. ومن أجل تحقيق ذلك الهدف، رعت مصر توحيد الأحزاب الاتحادية بنفسها، بل إن ذلك التوحيد لم يجر في السودان، وإنما جرى في القاهرة، في منزل اللواء محمد نجيب، وذلك قبل عامٍ واحدٍ فقط من أول انتخابات برلمانية تجري في السودان، كما سلفت الإشارة. أصبح الخيار الوحيد المتاح لقادة انقلاب 23 يوليو هو أن تأتي الانتخابات السودانية المزمعة في صالحهم، ولا يكون ذلك بغير أن يعملوا بدأب على الاتيان بحكومة سودانية صورية تمكنهم من حكم السودان من الباطن.

عبد الرحمن علي طه اليقظ:
    
لم يكتف وفد الأحزاب الاستقلالية بانتزاع اعتراف قادة ثورة 23 يوليو بحق تقرير المصير وحسب، وإنما حرص الوفد أيضاً، ممثلا في قطبه اليقظ، النابه، عبد الرحمن علي طه، على أن يوقع معهم ما سُمي بـ "اتفاقية الجنتلمان"، التي رمت في بعض جوانبها إلى وضع قيود على المصريين حتى لا يتدخلوا بالمال والدعاية للتأثير على مجريات أول انتخابات برلمانية تجري في تاريخ البلاد، قديمه وحديثه. خاصة وأن الحكومة التي ستتمخض عنها تلك الانتخابات هي التي سيجري تحت ظلها التقرير في مصير السودان. تضمنت اتفاقية الجنتلمان عدة أمور، ولكن الذي يهمني منها هنا هو ما حرص الأستاذ عبد الرحمن علي طه على تضمينه فيها من أجل الحد من الدعاية المصرية في السودان، ومن تدفق الأموال المصرية فيه بغرض التأثير على أول انتخابات نيابية. نص البند الرابع (أ) من الإتفاقية على ضرورة تمر الأموال التي تريد مصر انفاقها في السودان، رغبة منها في معاونة شقيقها السودان في النواحي المختلفة كالثقافة والصحة، إلخ، عن طريق الحكومة السودانية. وجاء في نفس هذا البند، الفقرة (ب)، أن تتعهد مصر بألا تسمح بإنفاق أي أموال لمعاونة هيئات سياسية في السودان وذلك إبقاءً على وحدة السودانيين. وجاء في الفقرة (ج) أن يتم صرف أي أموال مصرية تأتي في شكل معونات في حالة الأزمات عن طريق الحكومة السودانية مباشرة أو تحت إشرافها حتى تكون الفائدة للسودانيين أجمعين دون النظر إلى طائفة دون أخرى. وقد وقع اتفاقية الجنتلمان من جانب السودان السيد عبد الرحمن علي طه وحده، ووقعها من الجانب المصري الصاغ صلاح سالم وحده.

خرق اتفاقية الجنتلمان

الطريف أن الصاغ صلاح سالم الموقع الأوحد لهذه الاتفاقية من الجانب المصري هو الذي قام شخصياً بخرق تلك الاتفاقية خاصة في ما يتعلق بكيفية صرف مصر الأموال في السودان!! وعن مسلك صلاح سالم في السودان وتجاهل مصر لإتفاقية الجنتلمان في مرحلة الإعداد للانتخابات، يروي محمد أحمد محجوب قائلاً: ((أما مصر فقد كانت جهودها منظمة ومتواصلة. نجح الصاغ صلاح سالم بالسخاء باستعمال الضغط والرشوة، علاوة على مهارته في الرقص، في توحيد الفئات المختلفة التي تدعو إلى وحدة وادي النيل في جماعة واحدة دعيت "الحزب الوطني الإتحادي"))، (محمد أحمد المحجوب، الديمقراطية في الميزان: تأملات في السياسات العربية والأفريقية، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم، ط3، 1989م، ص 52). وما من شك أن ما قام به صلاح سالم من إدخال للأموال في السودان، إنما كان بتفويض من السلطات المصرية. ولقد كان صلاح سالم يدخل الأموال إلى السودان عن طريق مطار وداي سيدنا في حقائب حديدية. وقد أكد ذلك شاهد العيان الأستاذ محمد خير البدوي، كما جرت الإشارة سابقا. وكان الصاغ صلاح سالم يوزع تلك الأموال على من يقبلها منه من السياسيين السودانيين، إما مباشرة أو عن طريق موائد الميسر التي دأب أصدقاؤه من السودانيين على تهيئتها له، كلما قدم إلى السودان. بل أكثر من ذلك، فقد سعى الصاغ صلاح سالم إلى اسقاط شريكه في التوقيع على اتفاقية الجنتلمان، السيد عبد الرحمن علي طه، مستخدماً جزءاً من تلك الأموال. وكما سبق أن ذكرت، فقد بلغت "البجاحة" بالصاغ صلاح سالم أن قال لعبد الرحمن على طه عقب توقيع اتفاقية الاستقلاليين مع الحكومة المصرية، إنه ـ أي الصاغ صلاح سالم ـ سوف يسعى إلى اسقاطه في الانتخابات المقبلة، حتى لو أدى ذلك إلى صرف آخر مليم في الخزانة المصرية!!

أنجز صلاح سالم، مستخدما الأساليب الملتوية ما توعد به عبد الرحمن علي طه!! وتروي الدكتوره فدوى عبد الرحمن علي طه من مقابلة جرت لها مع السيد محمد أحمد أبو سن زعيم قبيلة الشكرية، وعضو الحزب الجمهوري الإشتراكي، ثم الوطني الاتحادي لاحقا، أنه نبه عبد الرحمن علي طه، عقب توقيع اتفاقية الجنتلمان بألا يسرف في الثقة في العهود المصرية. وقد انتقد عبد الرحمن علي طه نفسه في بعض أوراقه التي بحوزة ابنته فدوى قائلاً، إن شعوره كان عظيما بتوقيه الإتفاقية. ثم أردف قائلا: ((ولعل مرد هذا الشعور هو البساطة السياسية كما قالت إحدى الجرائد السودانية، وإني أعترف بهذه البساطة السياسية فقد كشفت الأيام واقع الأمر)). ومن جانبي فإني أرى أن السيد عبد الرحمن على طه قد حمل على نفسه بأكثر مما ينبغي. فعبد الرحمن علي طه لا يمكن أن يوصف بالبساطة السياسية. بل يمكن القول، وباطمئنان شديد، إنه كان أكثر أقرانه معرفةً، وحنكةً، ودربة. كل ما في الأمر أن السيد عبد الرحمن علي طه كان صادقاً وأميناً، وكان "جنتلمان" بحق وحقيقة. فهو قد اعتمد على ما يؤمن به، من أن الدول تحترم كلمتها، وهو ما ينبغي أن يكون عليه الظن بالدول، وهو ما ينبغي أن يكون عليه شأن الدول في احترام الكلمة. وكون الحكومة المصرية حكومة لم تحترم تعهداتها، لا يجعل من عبد الرحمن علي طه شخصاً بسيطاً، أو سياسياً غرا.

نتيجة للدعاية المصرية المكثفة ولتدفق الأموال لعون الاتحاديين، خسر حزب الأمة أكبر الأحزاب الاستقلالية الانتخابات الأولى، وأصبح السيد اسماعيل الأزهري هو رئيس الوزراء لأول حكومة سودانية منتخبة. وهذا هو ما خطط له المصريون منذ توحيد الأحزاب الاتحادية في القاهرة. وتقول الدكتور فدوى عبد الرحمن علي طه إن البريطانيين عكفوا على تدارس نتيجة تلك الانتخابات وعزوا فوز الاتحاديين فيها إلى عجز حزب الأمة عن جمع الصف الاستقلالي، كما ينبغي. ومن رأيي أن الاستقلاليين أنفسهم قد حال بينهم وبين وضع أيديهم على يد حزب الأمة، أكبر الأحزاب الاستقلالية السودانية، تشككهم أن حزب الأمة كان يضمر إقامة نظام ملكي سوداني. ولقد ألقى السيد عبد الرحمن علي طه كلمة في المؤتمر الاستثنائي الذي عقده حزب الأمة عقب خسارته الانتخابات، جاء فيها: ((لقد كان حزب الأمة في ثقة من أن ما بينه وبين مصر سيدوم ولكن شاءت الأقدار ألا يدوم ذلك الصفاء لأن مصر سلطت علينا كل أساليب الدعاية المعروفة المكشوفة فاتصلنا بها بالوسائل والزيارات ولكن لحكمة يعلمها الله لم تنقطع الدعاية بل تعددت أساليبها واختلفت ألوانها وطرائقها إلى أن كان ما كان من نتائج الانتخابات)). (فدوى عبد الرحمن علي طه، مصدر سابق ص 315).

الإقصاء البريطاني لعبد الرحمن علي طه
    
بفوز الاتحاديين في انتخابات 1953م أصبح خطر ألا يستقل السودان عن مصر خطراً ماثلا. ولذلك كثف الاستقلاليون جهودهم في الأعوام 1954م، و1955م لتجميع الاستقلاليين على صعيد جديد. وقد تكونت الجبهة من حزب الأمة، والحزب الجمهوري الاشتراكي، والجبهة المعادية للاستعمار، والحزب الجمهوري الذي يترأسه الأستاذ محمود محمد طه، وحزب الاستقلال الجمهوري الذي تكون عقب خروج ثلاثة من أعضاء الحزب الوطني الاتحادي. وقد انضم إلى هذه الجبهة عدد من الشخصيات الاستقلالية وعدد من قادة العمال.  وقد جرى اختيار عبد الرحمن علي طه ليرأس الجبهة الاستقلالية في هذه المرحلة الجديدة، غير أن مواقفه الصريحة من الاستقلال التام جعلته يفقد ودَّ بعض قادة العمل السياسي البريطاني. ويظهر ذلك في التحفظ الذي أبداه وليم لوس، مستشار الحاكم العام، الذي رفض الترشيح بحجة أن عبد الرحمن علي طه شديد التمسك بمبادئه ولا يساوم فيها، وأن ارتباطه الوثيق بالسيد عبد الرحمن ربما أثار الختمية. ومن ثم فإن البديل الأنسب لرئاسة الجبهة الاستقلالية من وجهة نظر لوس هو إبراهيم أحمد. (أحمد إبراهيم أبوشوك، منبر الجالية السودانية الأمريكية، http://www.sacdo.com/web/forum/forum_posts.asp?TID=4927). ويمضي أبو شوك فيقول: ((وفي ظل هذا الواقع التآمري، ابتعد الأستاذ عبد الرحمن علي طه عن دائرة الضوء، حيث آثر البقاء بعمارة الجعليين، وظل على صلة بالسيد عبد الرحمن المهدي ومجلس إدارة حزب الأمة. وبحلول انتخابات عام 1958م، عاد مرة أُخرى إلى دائرة الضوء، عندما فاز في دائرة الحصاحيصا الشرقية على منافسه حسن عبد الجليل)) (أحمد إبراهيم أبوشوك، المصدر السابق).        
نقلا عن صحيفة الأحداث 22 نوفمبر 2010