عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


لا مناص من أن أعيد على القارئ الكريم، أن هذه الحلقات إنما انطلقت من كلماتٍ مؤثراتٍ قالهن الأستاذ محمود محمد طه، في حق الأستاذ عبد الرحمن علي طه، وهو يقف على ضريحه القائم في جنينته في أربجي، في العام 1972م. وسبب الإعادة مرتبطٌ بالغرض من هذه المقالات. فهي بالإضافة إلى كونها احتفاءٌ بعبد الرحمن على طه، بوصفه أحد أكبر الآباء المؤسسين للسودان المستقل، إلا أنها أيضاً تمثل محاولةً لسبر غور دلالاتٍ أخرى، تتعلق بقامة عبد الرحمن علي طه المعرفية والخلقية، التي كانت فريدة بين قامات المتعلمين الأوائل. فالدلالات التي أود استنطاقها هنا، تذهب إلى ما هو أبعد من مجرد الاحتفاء به. فغرضي من تأمل سيرته، إنما يهدف إلى التَّعُّلم من تجربته الثرة، ونموذجه الفريد، واستصحاب ما يمكن أن نستخلصه من تلك التجربة المتميزة في رسم صورة مستقبلنا، التي ظل الغموض يكتنفها، حتى يومنا هذا. وفي تقديري أن غموض صورة المستقبل، لدينا نحن السودانيين، لها ارتباطٌ وثيقٌ بالتأثيرات المصرية المختلفة التي أضعفت لدينا إحساسنا بذاتيتنا المنمازة عن مصر، كما وهَّنت لدينا القدرة على الاغتراف من معين جذرنا وإرثنا الحضاري التليد. قادنا التكييف الثقافي المصري الذي طالنا في حقبتي الحكم التركي، والاستعمار الإنجليزي المصري، إلى لبس خوذة عقلية ووجدانية ليست لنا!! فاضطراب شؤوننا، عبر حقبة ما بعد الاستقلال، يعود في طرفٍ منه إلى التدخلات المصرية الخفية والظاهرة في شؤوننا. فالأطماع المصرية ظلت، وما برحت، ولن تنفك، متعلقةً بحلم السيطرة على السودان، بل وعلى كل وادي النيل بأسره. سواء، تم ذلك بشكل مباشر، أو غير مباشر.

قلةٌ من المتعلمين الأوائل أولئك الذين برئوا من عقدة الدونية تجاه المصريين. ومن بين هؤلاء الكاتب العبقري معاوية محمد نور، والأستاذ عبد الرحمن علي طه، والأستاذ محمود محمد طه. وعلى خلاف الأخيرَيْن، فإن معاوية لم ينخرط في الأنشطة السياسية، وإنما انخرط بكليته في المجال الثقافي. وقد مات معاوية في وقتٍ مبكرٍ، لم تكن الحركة السياسية السودانية قد أخذت فيه بعد، صورتها المتبلورة. أما السيد عبد الرحمن على طه، والأستاذ محمود محمد طه فقد برزا في الحركة السياسية منذ منتصف أربعينات القرن الماضي، وكان كلاهما استقلالياً، وسافراً في مقاومته للأطماع المصرية والنفوذ المصري في السودان. ونتيجةً لوضوح رؤية الرجلين في ما يتعلق بالشخصية الحضارية المنمازة للقطر السوداني، وبخطورة الأطماع المصرية على مستقبل السودان الحضاري، وحرصهما على خروج السودان بالكلية من دائرة الهيمنة المصرية،  استهدفت كليهما، وبلا هوادة، المؤسسة المصرية الحاكمة. اتفق الرجلان على الخروج التام من دائرة الهيمنة المصرية، على الرغم من أن كُلاً منهما اتخذ لنفسه مساراً سياسياً مخالفاً للآخر. أنشأ الأستاذ محمود محمد طه الحزب الجمهوري، في العام 1945م، وانضم الأستاذ عبد الرحمن علي طه إلى ركب السيد عبد الرحمن في العام 1943م. وعلى الرغم من إنكار الأستاذ محمود محمد طه على المثقفين الأوائل،  انضمامهم إلى الأحزاب الطائفية، إلا أنه ظل يُكِنُّ احتراماً، وتقديراً خاصاً، للأستاذ عبد الرحمن علي طه. والسبب هو أن عبد الرحمن علي طه كان عالماً، وكان صادقاً، مخلصاً، ونقياً، في كل ما يأتي وما يدع. فهو لم ينضم إلى حزب الأمة طمعاً في جاهٍ، أو في منصب، أو في ثروة. والراجح عندي أن عبد الرحمن علي طه رأى أنه بانضمامه إلى قوةٍ قائمةٍ، متشكلةٍ أصلاً، مثَّّلَها السيد عبد الرحمن المهدي، سوف يجد فرصةً مواتيةً لخدمة البلد. ويتبدى الدليل على صدق عبد الرحمن علي طه في ذلك المنحى، بجلاءٍ شديد، في قراره اعتزال السياسة، في العام 1958م، والعودة للبقاء بشكل نهائي في قريته أربجي. فعل ذلك حين اصطدمت مبادئه، التي يؤمن بها، مع ما كان يجري وقتها، مما لم  يكن ليستسيغه. ولسوف يرد تفصيل ذلك في الحلقات القادمة.

وضوح رؤية عبد الرحمن علي طه:

كتاب "السودان للسودانيين"، الذي أصدره الأستاذ عبد الرحمن علي طه، في العام 1955م، كان جزءاً من حملةٍ استهدفت مقاومة الدعاية المصرية المكثفة، والأموال المصرية التي تدفقت على السودان من أجل التأثير على السودانيين في مسالة تقرير المصير قبيل إعلان الاستقلال. هذا الكتاب المتميز بحق، يعكس وضوح رؤية عبد الرحمن علي طه تجاه مستقبل السودان. ففي الوقت الذي كان فيه كثيرٌ من السياسيين السودانيين يتغنون بوحدة وادي النيل، مرددين ما تردده أبواق الدعاية المصرية، كان عبد الرحمن علي طه يضع يده، وبوضوح شديد، على إستراتيجية الهيمنة المصرية الثابتة تجاه السودان. في ذلك الكتاب، ذكر عبد الرحمن علي طه أن زيادة النسل المتسارعة في مصر، وتناقص الغذاء مقابل تلك الزيادة، تمثل إحدى أهم ركائز اهتمام مصر بالسيطرة على السودان. فمصر، تريد من ناحية، أن تضمن لنفسها سيطرةً مطلقةً على مياه النيل. كما  تريد، من ناحيةٍ أخرى، للمصريين، أن يجدوا حقاً في الهجرة غير المقيدة إلى السودان، بغرض تخفيف الضغط المتزايد على القطر المصري. (عبد الرحمن علي طه، السودان للسودانيين، مطابع شركة الطبيع والنشر، الخرطوم، السودان، 1955، ص 13). ولتأكيد النظرة الاستعمارية المصرية تجاه السودان، يورد عبد الرحمن علي طه مقتطفات مما جرى به قلم الكاتب المصري، عبد الرحمن الرافعي بك، الذي تحسر على خروج الحكم التركي المصري من السودان، قائلاً: ((لو أن الموظفين الذين تولوا حكم السودان قبيل ظهور الثورة كانوا مثالاً للعدل والاستقامة والرغبة في الإصلاح لسعد الشعب السوداني في عهدهم ولما وجدت دعوة المهدي من يستمع إليها من الأهلين فهؤلاء الحكام يقع عليهم نصيبٌ كبيرٌ من تبعة نشوب الثورة المهدية، مما أدى إلى ضياع الإمبراطورية العظيمة التي بذلت مصر ما بذلت من الدماء والأرواح والأموال في سبيل تأسيسها)). (المصدر السابق ص 13). ويرى عبد الرحمن علي طه، أن السياسة المصرية تجاه السودان سياسةٌ ثابتةٌ، لا تتغير بتغير الحكومات، فهي مبنيةٌ على مخاوف تزايد النسل، وضرورة السيطرة على مياه النيل، وتثبيت حق المصريين في الهجرة إلى السودان، والتملك فيه. يقول عبد الرحمن علي طه إن هدف مصر الثابت هو: ((ألا تسمح إطلاقاً بقيام دولة مستقلة في السودان ربما تعاديها في وقتٍ من الأوقات فتحرمها فيما تحرمها السيطرة التامة على مياه النيل وهجرة أبنائها إلى السودان))، (المصدر السابق، ص 14). ويضيف عبد الرحمن علي طه أيضاً: ((رسمت مصر هذه السياسة من زمنٍ بعيد لتسير على هديها كل الحكومات المصرية مهما كان لونها، واحتلت هذه السياسة العقل الباطن المصري، ولن تبرحه إلى الأبد)). (المصدر السابق، ص14).

مصر تضع حقوقها في السودان فوق حقوق أهله!!

 ويورد عبد الرحمن علي طه النقاط التي احتجت بها الحكومة المصرية، حين فكر البريطانيون في إقامة خزان سنار على النيل الأزرق في السودان، لزراعة القطن، في العام 1913م. أورد عبد الرحمن بعض النقاط التي رفعتها الحكومة المصرية في اعتراضها على تشييد خزان سنار، وهي تقرأ كما يلي:
1.    لا يجوز للسودان أن يستعمل قطرة من ماء النيل إلا إذا فاض ذلك الماء عن حاجة مصر وخاصةً في زمن التحاريق.
2.    السودان قطر يعتمد على الأمطار، فلا يجوز أن يتجه للزراعة بالري الصناعي، إلا إذا بُحثت إمكانيات الري بالمطر بحثاً وافياً.
3.    إن مشروع الجزيرة قد يزرع القطن طويل التيلة، وفي هذا ما فيه من مضاربة للقطن المصري في الأسواق العالمية.
4.    إن مصر في حاجة للتوسع الزراعي لضمان المعيشة لنسلها المتزايد وللمحافظة على ميزانها التجاري.
ويعلق عبد الرحمن علي طه على هذه النقاط المصرية تعليقاً نبيهاً جاء فيه: ((هكذا رأت مصر ألا يستعمل السودان قطرة من الماء إلا إذا فاض ذلك عن حاجة مصر، وأن يظل معتمداً على الأمطار فلا يلجأ للزراعة بالري الصناعي إلا بشروط، وأن تستمر مصر وحدها في التوسع الزراعي لتحافظ على ميزانها التجاري ولتضمن المعيشة الرفيعة لنسلها المتزايد!! نسيت مصر، أو تناست أن في السودان نسلاً متزايداً أيضاً، على مر السنين، وأن للسودان ميزاناً تجارياً يجب أن يحافظ عليه بالمثل. ولعلها نسيت في ما نسيت أن السودان ـ كما تدعي ـ جزء لا يتجزأ من أراضيها، وأن السودانيين والمصريين شعب واحد، يعيش على نيل واحد. لماذا إذن تأبى التعمير لهذا الجزء من أراضيها؟ ولماذا تفكر في الرخاء للنسل المتزايد في بقعة معينة من أرض الوطن الواحد، وتأبى أن يشمل الرخاء الاقتصادي من في البقعة الأخرى من نسل متزايد؟))!! (المصدر السابق، ص 25). هكذا كان عبد الرحمن علي طه صاحياً، في الوقت الذي كان فيه كثيرٌ من طلائع المتعلمين السودانيين الأوائل، مُخَّدِرين، يرددون في غفلةٍ شديدة، هتافات وحدة وادي النيل، مما ترسله إلى مسامعهم أبواق الدعاية المصرية.  (يتواصل).