-4-
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أثبت عبد الرحمن علي طه، عبر مسيرته السياسية، أنه لا يرى في الكرسي والوظيفة، سوى موقعٍ يتيح له فرصةَ خدمة الشأن العام. وبهذا المعنى، قدم عبد الرحمن علي طه نموذجاً ساطعاً، لما ينبغي أن يكون عليه حال الآباء المؤسسين. والذين ضربوا نموذجاً لما يجب أن يكون عليه حال الآباء المؤسسين، في السودان، قليلون جداً. والقدر القليل هذا تعرض للإقصاء والدفع إلى الحافة بمختلف الأساليب. ولذلك لم يصبح نموذج هؤلاء شائعاً، وإنما شاع النموذج الآخر الذي يتخذ من الموقع الرسمي وسيلة للجاه وللثروة. استشرت في السودان ظاهرة اتخاذ الموقع الرسمي وسيلةً للثراء وللجاه. وتخلقت نتيجة لذلك سلالات من ورثة الثراء والجاه، الذين لم يكن ليجيئهم الجاه، ولا الثراء، لولا مرور عميد الأسرة بالموقع الحكومي. وبما أن بنية الدولة السودانية أصابها الهزال منذ يفاعتها، وتضعضع فيها حكم القانون، وضعفت فيها المحاسبية، فقد ترسخت ظاهرة الإثراء من الموقع الحكومي وتفشت. وشمل ذلك النهج المنحرف من هم في أصغر المواقع، مثلما شمل من هم في أعلاها. وحتى لا يكون حديثي عن عبد الرحمن علي طه مجرد قصيدة مدحٍ لا تسندها الأدلة، فإنني أود أن استشهد بما كتبه عنه شيخ الصحفيين السودانيين، الراحل، الأستاذ بشير محمد سعيد. كتب بشير محمد سعيد، في مارس 1958م، عقب فوز عبد الرحمن علي طه، في الانتخابات البرلمانية الثانية، ما نصه: ((لو كان لي كلمة في تشكيل الحكومة لرشحته لوزارة الداخلية ... غير أني أعلم أن لسيادته خصوماً كُثر داخل حزبه وفي خارجه. يقفون أمامه بسبب الحسد تارةً وبسبب الحرص على مصالحهم تارةً أخرى. ومن أعني يريدون أن يخدموا مصالحهم الخاصة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ويعلمون أن عبد الرحمن علي طه لن يقبل ذلك ولن يرضاه بل هو سيقاومه ويحطمه مهما كان الثمن وكانت الغاية. ومن هنا كان وقوفهم ضده وحرصهم على إبعاده)). (بشير محمد سعيد، حاجة السودان لخدمات عبد الرحمن على طه تفوق حاجة عبد الرحمن للوظيفة، صحيفة الأيام، 25/3/1958م، باب "متنوعات: أخبار وأفكار"). هذه الشهادة التي كتبها صحفي بقامة الأستاذ بشير محمد سعيد، العارف بتفاصيل ما يدور خلف كواليس السياسة السودانية، تقدم دليلاً ساطعاً على أمرين: أولهما أن الشرفاء والمستقيمن كانوا محسودين، بسبب كفاءتهم، وقدراتهم العالية. أما ثانيهما، فهو أن ذلك الحسد تحول من مجرد حسد يعتمل في القلوب، إلى حراك عملي محموم استهدف إقصاء هؤلاء المستقيمين والشرفاء، من مواقع التأثير. لقد أثبت عبد الرحمن علي طه، عبر مسيرته كسياسي، وكتنفيذي، تسنم أرفع المناصب، أنه لا يطأطئ رأسه إطلاقاً. كان لا يأبه بالمنصب جاء أم ذهب. كما كان صعب المراس في كل أحواله. جابه الإنجليز بصلابة وأنفة، وجابه أطماع المصريين في السودان بوضوح وقوة، كما جابه الكثيرين داخل مؤسسة حزب الأمة التي اختار الانضمام إليها. كان عبد الرحمن علي طه قامةً أخلاقيةً شماء، وكان صاحب شرفٍ مهنيٍ رفيع.

السودانيون لا يستقيلون!!

في مجلس عابرٍ جرى اتفاقاً في حجرة الأستاذ محمود محمد طه، ضم عدداً قليلاً من الجمهوريين والجمهوريات، سمعت الأستاذ محمود يقول بأسىً شديد، ولا أذكر المناسبة بالضبط: ((السودانيون لا يستقيلون!!)). واستطرد ليذكر بعض الاستثناءات. ولعله ذكر من الاستثناءات القليلة، التي جرت في تاريخ الحياة السياسية، والإدارية، السودانية الحديثة، استقالة عبد الرحمن علي طه أيام الإنجليز، من منصب وزير المعارف، بسبب رفض الحاكم العام البريطاني توصيته التي طلب فيها سودنة منصب مدير المعارف. كما أشار الأستاذ محمود أيضاً، في ما أذكر، إلى استقالة القاضيين: بابكر عوض الله، وعبيد النقر، إبان أزمة المحكمة الدستورية، ومؤامرة حل الحزب الشيوعي السوداني، في منتصف عقد الستينات، من القرن الماضي. وقد استقال القاضيين احتجاجاً على تعديل الدستور، وتقويض مادة الحريات الأساسية فيه، واحتجاجاً على ما صاحب ذلك من وضع السلطة التنفيذية لنفسها فوق السلطة القضائية. من روح الحديث الذي جرى في حجرة الأستاذ محمود محمد طه في ذلك اليوم البعيد، أحسست أن الأستاذ محمود كان يود لو أن كان عدد السودانيين الذين ضربوا المثل، في مجال تقديم الاستقالات، أكثر مما هو عليه. وما أكثر المنعرجات في تاريخ السودان السياسي، والإداري، الحديث، التي كانت تقتضي تقديم الاستقالة، ولا شيء غير تقديم الإستقالة. ولكن قل أن يستقيل أحد!!

أزمة ترقية الأستاذ عوض ساتي:

كان عوض ساتي زميلاً لعبد الرحمن علي طه في كلية غردون التذكارية. وقد تخرج في العام 1922م وتم ابتعاثه عقب ذلك إلى بيروت حيث نال درجة البيكلاريوس في العلوم من الجامعة الأمريكية في بيروت. قام عوض ساتي بالتدريس في كلية غردون حتى العام 1946م حيث تم اختياره لمنصب نائب رئيس تحرير بمكتب النشر. وعقب ذلك عمل مديراً لمدرسة وادي سيدنا الثانوية، التي انتقل منها ليصبح مديراً مساعداً لوزارة المعارف. (فدوى عبد الرحمن علي طه، مصدر سابق ص 176). ويبدو جلياُ جداً من سيرة عوض ساتي الموجزة هذه، أنه كان شخصاً مؤهلاً تأهيلاً علمياً جيداً، بمقاييس ذلك الوقت. كما أن تجربته العملية في حقل التربية والتعليم امتدت لربع قرنٍ من الزمان. لذلك لم يكن غريباً أن يقترح عبد الرحمن علي طه، وزير المعارف آنذاك، ترقيته في العام 1953م، ليسودن وظيفة مدير المعارف البريطاني، الذي كان أوان تقاعده قد جاء. وبما أن اقتراح سودنة وظيفة مدير المعارف، وتعيين الأستاذ عوض ساتي فيها، يقتضي تخطي اثنين من الموظفين البريطانيين اللذين كانا يتقدمان الأستاذ عوض ساتي، في الدرجة الوظيفية، فقد رفضت الإدارة البريطانية الاقتراح، رغم وجاهته وتسبيبه الكافي. فما كان من عبد الرحمن علي طه، إلا أن قدم استقالته، من منصب وزير المعارف، بلا أدنى تردد. وقد كتب عبد الرحمن علي طه بنفسه عن تلك الحادثة ما نصه: ((اضطررت إلى تقديم استقالتي من الوزارة ثلاث مرات، آخرها والتي قُبلت فعلاً تخص ترقية الأستاذ عوض ساتي. وبعد أن جمعت أوراقي الخصوصية من المكتب وشرعت في حزم أمتعتي من المنزل الحكومي، أوفد الحاكم العام سكرتيره الخاص للإمام عبد الرحمن المهدي يرجوني ألا أنشر شيئاً في الصحف فرفضت الرجاء ورفضه معي الإمام. وبعد يومين فقط عاد الحاكم العام فقبل ترقية الأستاذ عوض ساتي دون قيد أو شرط، فسحبت استقالتي)) (فدوى عبد الرحمن علي طه، مصدر سابق، ص 176 ـ 177).

كتب عبد الرحمن علي طه استقالته في السادس من نوفمبر من العام 1953م وخاطب في مستهلها الحاكم العام البريطاني، بقوله: ((في مقابلتنا التي جرت في الخامس من نوفمبر، أخطرني سعادتكم، أنه ليس في وسعكم قبول توصيتي بسودنة وظيفة مدير المعارف، بسبب دنو موعد تقاعد المدير الحالي. وأحب أن أخطر سعادتكم، إن كان قرراكم هذا قراراً نهائياً، فأنه ليس أمامي خيارٌ سوى أن أقدم استقالتي من منصب وزير المعارف. أنا أعي تماماً ثقل وجسامة هذه الخطوة، خاصة في الظرف الراهن، وإني لتوَّاقٌ لوضح حقائق هذه المسألة في المضابط الرسمية)). (الترجمة من عندي).

عقب تلك التقدمة، ذهب عبد الرحمن علي طه ليقدم تسبيباً قوياً لاستقالته، مكوناً من إحدى عشر نقطة. وأمام قوة حجج عبد الرحمن علي طه، وأمام مهنيته العالية، واستعداده لفعل ما يقول، وخوفهم من تداعيات استقالته على مجريات العلاقة بالسودانيين، في ذلك المنعطف الخطير، الذي سبق الاستقلال بثلاث سنوات فقط، لم يجد الحاكم العام بداً من الرضوخ للاقتراح، وقبول ترقية الأستاذ عوض ساتي. وهكذا تم لعبد الرحمن علي طه ما أراد. لقد أكد عبد الرحمن علي طه استعداده للتضحية، بمنصب أول وزيرٍ سوداني للمعارف، من أجل ترقية موظفٍ سودانيٍ واحد!!

إخلاء المنزل الحكومي:

مما يجدر ذكره أيضاً، أن عبد الرحمن علي طه، ظل حاسماً جداً، عبر حياته العملية، في سرعة إخلاء المنزل الحكومي. كان يشرع في إخلاء المنزل الحكومي لحظة تقديمه لاستقالته من المنصب. وقد رد في ما كتبه هو بنفسه، أنه شرع، في إخلاء مكتبه، وفي حزم أمتعته في المنزل الحكومي، استعداداً لإخلائه، بمجرد تقديمه لاستقالته للحاكم العام. ولقد تكرر ذلك منه مرةً أخرى، عام 1958م، عندما تسلم من الفريق إبراهيم عبود، قائد انقلاب نوفمبر 1985م خطاب اعفاء من منصب وزير الحكومات المحلية، الذي كان يشغله. أخلى عبد الرحمن علي طه المنزل الحكومي في ثلاثة أيام فقط، وذهب إلى منزله الذي بناه في أربجي منذ العام 1951م. فعل ذلك، مع أن المدة الممنوحة للإخلاء كانت مدتها ثلاثة شهور! لقد ملك عبد الرحمن علي طه كل صفات الآباء المؤسسين، من حيث سعة وعمق المعرفة، ومن حيث القدرة على ضرب المثل الأعلى في القدوة الحسنة، والاستعداد للتضحية. غير أننا في السودان لا نترك أمثال هؤلاء ليرسخوا للمثل الرفيعة، وليؤسسوا لثقافة نظافة اليد، وللعفة، وللمهنية الرفيعة. في السودان يتم فتح الأبواب في السودان للأدنى علماً وخلقاً. وفي حين يصعد الأدنى علماً وخلقاً، يتم إبعاد المستقيمين من مراكز القرار، ومن مواقع ضرب النموذج الأمثل، لينتهي بهم الأمر إلى منطقة الظلال. هناك يتم اسدال الستار عليهم، لتنطمر سيرهم العطرة. وهكذا يحتل قصار القامة، وقصيرو النظر، والملتوون، ومحبُّو الولوغ في المال العام، أماكن النزيهين، والكبار بحق!!

نقلا عن صحيفة الأحداث 11 أكتوبر 2011