عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
      أود أن أبدأ الحلقة الخاتمة من هذه السلسلة، بما بدأ به الدكتور منصور خالد، فصله المسمى "مأزق الهوية السودانية"، في كتابه: "السودان: أهوال الحرب وطموحات السلام، قصة بلدين”  اقتبس الدكتور منصور خالد نصاً من المؤرخ الكبير أرنولد توينبي، تحدث فيه عن أثر استقرار السودان على محيطه الإقليمي في إفريقيا. وتوينبي من المؤرخين المبصرين، أصحاب التنبؤات المستقبلية. كتب توينبي: ((مصير إفريقيا معلق بالسودان، فإن نجح السودان في تحقيق مصالحة بين عنصري الوطن، فإنه يؤدي بذلك عملاً رائداً، تفيد منه القارة، كلها. أما إن دام الصراع في السودان، وأضحى مزمناً، فسيؤدي ذلك إلى ارتفاع حدة التوتر في البلدان الإفريقية المنشطرة كلها. وآجلاً أو عاجلاً ستصبح إفريقيا السوداء بؤرة للتذمر ضد إفريقيا الشمالية)).
التوهان الحضاري:
      أحد أهم محاور هذه السلسلة، هو محور التوهان الحضاري، الناتج عن انقطاع  التواصلية في المسار الحضاري للسودان. فهناك فجوات كبيرة في مسيرتنا الحضارية، قادتنا لكي نصبح اليوم، هذه الأمة التي  تتسم بهذا القدر المروِّع من العجز عن فهم الذات، وعن تجميع الطاقات من أجل التغيير، وعن امتلاك القدرة على إدارة شؤونها، وتحريكها في الوجهة الصاعدة. فالوقدة الحضارية التي انتظمت الممالك النوبية القديمة، وانتظمت الممالك النوبية المسيحية، في ما بعد، وبقدر أقل من سابقه، اضمحلت وماتت. ودخلت المنطقة أثر ذلك، في حقبةٍ رعويةٍ طويلة، تراجعت فيها العلوم، والفهوم، وتراجعت فيها المهارات، وقلَّت الحيلة. هذه الحقبة الرعوية الطويلة الممتدة لا تزال قائمة، وأرجو أن نكون مارين بأخريات أيامها. في حقبة التيه هذه أضحت البلاد فضاءً عاطلاً، خاملاً، منعزلاً. وأصبحت، من ثم، مجرد كنزٍ مهملٍ ملقىً في العراء، مجتذبٍ لأطماع الطامعين، الباحثين عن كنوز الأمم النائمة. يقول محمد المكي إبراهيم، في كتابه الرائد، "الفكر السوداني أصوله، وتطوره" إن اتصال السودان بالخارج، وتفاعله معه، بعد الانقطاع الذي امتد منذ انهيار الحضارات النوبية، يمكن أن يؤرخ لعودته بالغزو التركي المصري. فالسودان قد خرج من دائرة الاتصال بالمراكز الحضرية في العالم، منذ انهارت فيه الحضارة المروية. وبناء عليه، فإننا كأمة تحاول الآن رسم صورة لذاتها بين الأمم،  ظللنا نمخر، ومنذ قرون طويلة، عباب بحرٍ شاسعٍ من انبهام الرؤية، ومن ضياع البوصلة. لقد قادنا الانبتات عن الجذر الحضاري القديم، إلى فقدان المعرفة بالمكونات الجوهرية لشخصيتنا الحضارية، وإلى  فقدان  الثقة في الذات، ومن ثم، إلى التطلع المستمر إلى ما وراء الحدود، طلباً للحلول، وللخلاص. فالحلول في ما استقر في وعينا، مظنونٌ فيها ألا تأتي إلا من الخارج!! وحتى أنسابنا، في السودان الشمالي والأوسط ظلت، منذ ما قبل سلطنة الفونج، تنتهي إلى جذورٍ خارج تربة الوطن! حتى غدونا وكأننا أمة تعيش حالة منفى دائمة، بأكثر من كوننا أمةً تعيش فوق تراب بلادها، التي لها فيها جذورٌ ضاربة في العمق، تعود، على أيسر تقدير، إلى أكثر من خمسة آلاف عام. هذه الغربة عن ذاتنا الحقيقية، هي التي جعلت نخبنا، وطلائع متعلمينا، مستلبين لقوىً خارجية. فقد نخبنا تلهث، وبشكلِ مستمرٍ، طلباً للقبول والإجازة الخارجيتين. ولسوف أورد شواهد مستفيضة حول هذا الأمر حين تتحول هذه المقالات إلى كتاب. هذه الحالة من الإستلاب، هي التي جعلتنا ندير ظهرنا لجزءٍ هام جداً من ارتباطنا العضوي بمحيطنا الإقليمي، الذي يجمعنا معه تاريخ مشترك متشابك، وانسجام روحاني، لم نعي أبعاده ودلالاته العميقة، حتى الآن.
نحن ومصر وأثيوبيا:
لم يعانِ منه قط جيراننا في الهضبة مما نعاني منه. فهم لم يذوبوا أنفسهم في فضاءٍ ثقافي سوى فضاء إثيوبيا. فاليهودية التي دان بها بعضهم قبل ثلاثة آلاف عام، ظلت يهوديةً أثيوبية. والمسيحية التي يدين بها غالبيتهم اليوم، بقيت مسيحيةً إثيوبيةً. ولقد استعصت المسيحية الإثيوبية استعصاءً شديداً على الاستتباع للكنيسة القبطية المصرية، والكنيسة الكاثوليكية الأوروبية.  فمسيحية إثيوبيا ظلت مسيحيةً موطنَّة indigenized، كما تقول الدراسات. وكان من الممكن أن يكون إسلامنا نحن أيضاً إسلاماً موطناًً، لو أننا عرفنا كيف نخرج من قبضة الاستلاب الفقهي العثماني، التي وقعنا فيها قبل ما يقارب القرنين. لم يعول الإثيوبيون في تاريخهم على حلولٍ تأتيهم من الخارج. ولم يغتربوا قط عن شخصيتهم الحضارية، اللهم إلا في حقبة منقستو الشيوعية، وقد كان ذلك اغتراباً قسرياً، وقف وراءه إرهاب الدولة الذي عُرف وقتها بـ "الرعب الأحمر". لقد ظل الإثيوبيون مالكين لقرارهم الوطني، عبر تاريخهم. أما نحن فقد ظللنا نُدار من الخارج، منذ ما يقارب القرنين من الزمان، باستثناء حقبة الثورة المهدية.
      نحن إما مستلبين عروبياً، وإما إسلاموياً، والاستلابان يتشاركان تربةً واحدة، ويخدمان أجندةً خارجيةً واحدة. نحن لم نُجَذِّر فكرياً لما يمكن أن يسند وعينا بذواتنا كأمة. ولذلك ظللنا نتغنى بأشواقٍ هلامية، كـ "الأخوة الإسلامية"، و"الأخوة العربية"، غافلين عن ما تقتضيه إدارة الدولة القطرية، في عهد الدولة القطرية، من حزمٍ، ومن وعيٍ بالمصالح القطرية، ومن إدراك يقظٍ للخصوصية القطرية. لقد ظل السودان وإثيوبيا، والساحل الصومالي، ومنطقة البحيرات، وغيرها من مناطق القرن الإفريقي، هدفاً ثابتاً للتوسع المصري، منذ سوالف الحقب. وقد شهد القرن التاسع عشر تكثيفا غير مسبوق للنهم الخديوي المصري، نحو الفضاء الجنوبي لمصر. فالتاريخ والجغرافيا جعلا عيون مصر، وبالضرورة، مصوَّبةً جنوباً. وقد استوت في ذلك التطلع الثابت صوب الجنوب، مصر الفرعونية، ومصر الأموية، ومصر المملوكية، ومصر الخديوية العثمانية، ومصر الحديثة. ويخطئ من يظن أن الأجندة المصرية في النظر جنوباً قد تغيرت، أو أنها سوف تتغير قريباً. فهي وإن تغيرت آلياتها، المتمثلة في الغزو المسلح، فإن مقاصدها بقيت كما هي. وتصويب مصر لبصرها جنوباً أمرٌ طبيعي، في نظري. فهو شيءٌ تمليه عليها الطبيعة، ولا اعتراض لي عليه. كل ما في الأمر، ينبغي أن نقف في وجه إدارة مصر لاستراتيجيات مصالحها جنوباً، وفق النظرة القديمة الموروثة. تلك النظرة التي لم تستطع النخب المصرية الانفلات من أسرها، حتى هذه اللحظة. علينا أن نقف هوناً ما، مع جيراننا الإثيوبيين، الذين ظلننا مثلهم، نصد غوائل الغزوات القادمة من الشمال. علينا التيقظ، والحذر الشديد، حتى يجيء الوقت الذي تدير فيه مصر أمورها جنوباً وفق قاعدةٍ واضحةٍ لتبادل المصالح، وليس على قاعدة الهيمنة والاستتباع، والابتلاع، واللعب بالكروت المتوفرة، بصورة لا تراعي شيئاً سوى المصلحة الآنية الضيقة.
      عرف الإثيوبيون مخاطر الاستتباع، ووقفوا في وجهها، ولا يزالون. أما المصريون فلا يزالون يستهدفون، وبقسوة، كل من لا يرى رأيهم، ولا يتنازل عن مصالحه لمصلحتهم هم. (راجع هجوم الصحف المصرية على الرئيس ميليس زيناوي، في الشهور الثلاثة الماضية). أما نحن، فلم نعِ ما ظل الإثيوبيون واعين به. ولذلك لم تقم أي حكومة من حكوماتنا، على اختلاف توجهاتها، بالوقوف بالحزم اللازم أمام المطامع المصرية، باستثناء حكومة المهدويين، وحكومة عبد الله خليل، التي لم تستمر في الحكم سوى عامين. ولسوف يمضي وقتٌ، ربما يطول، وربما يقصر، حتى نستطيع أن نضع العلاقة مع مصر في موقعها الطبيعي الصحيح. وأجرؤ فأقول أن وضع هذه العلاقة في إطارها الطبيعي، هو شرط استقرارنا، وشرط تحقق أمنا القومي، بل وشرط بقائنا كأمة موحدة!! غير أن ذلك لن يتم، ما لم نعيد النظر، بشكل جدي، في وعينا بذاتنا، وما لم نربط أنفسنا بجيراننا الشرقيين في إثيوبيا، وإرتريا، ربطاً عضويا. فالسودان، وإثيوبيا، وإرتريا تمثل ثقلاً بشرياً كبيراً، تعدى الآن المائة مليون نسمة.
استلاب الهوية واستمرارية الخديوية!
      أزعم أن الوضعية الشاذة التي اختارها السودان لنفسه في الإقليم كان لها القدح المعلى، في جر السودان إلى أن يصبح ضلعاً في حروب الوكالة، التي انتظمت القرن الإفريقي في العقود الأربعة الأخيرة. ولو نظرنا في جذر هذا الأمر ملياً، لاتضح لنا أن إشكالية الهوية المستلبة، هي التي جعلتنا وكيلاً للمصالح العربية في القرن الإفريقي. والمؤسف أننا وكيلٌ يرعى المصالح "العربية" و"الإسلامية"، من غير أن تكون له مصلحة تذكر في تلك الرعاية. فنحن على الرغم من كوننا نقع في ذات الفضاء الذي استهدفه الغزو الخديوي، المصري، في القرن التاسع عشر، إلا أننا ظللنا نتصرف وكأننا جزءٌ من القوة الخديوية، وجزءٌ من استراتيجياتها المرسومة، لوادي النيل، والهضبة، وإقليم البحيرات!! فالسودان، على الرغم من أنه يقع جغرافياً، وتاريخياً، وعرقياً، ووجدانياً، في قلب المنطقة المرغوب إخضاعها، واستتباعها، إلا أن صفوته ظنت خطأً أن مصالحه لا تنفصل عن مصالح الإمبراطورية الخديوية وتحوراتها اللاحقة في مصر، كما لا تنفصل أيضاً عن المصالح "الخليجية، و"شرق المتوسطية". هذا الاغتراب السوداني عن الجغرافيا، وعن التاريخ، وعن المكان، وعن الروحانية التي تميز الإقليم، هو الذي جعل العارفين بإفريقيتهم، المعتدين بها، يصنفون السودان، في خانة الطابور الخامس المندس في إقليم القرن الإفريقي، والبحيرات!!
      يقول الدكتور فرانسيس دينق، في كتابه "حرب الرؤى"، الصادر عن مركز الدراسات السودانية، في طبعته الثانية، في العام2001، إن السودانيين يُصدمون حين يجدون أنهم لا يُصَنَّفون كعرب. فالغربيون، عادةً، يصنفونهم كأفارقة، والعرب لا يأخذون زعمهم بأنهم عرب مأخذاً جدياً. والسودانيون ـ والمقصود هنا، إنما هم النخب الشمالية، مضافاً إليهم عموم الشماليين الذين اشتروا تلك الرؤية منهم ـ. هذا القطاع المتشبث بالهوية العربية الإسلامية التي لا تحمل اي حمولاً حضارية، يُعَزِّي، نفسه، حين يحيط به ذلك التناقض الحاد، بأن الأمر لا يعدو كونه جهلاً من جانب العالم الخارجي بحقيقة أمره! وقد أورد د. فرانسيس دينق، ما أشار إليه البروفيسور علي مزروعي، الذي يرى في تهميش السودان، تهميشاً مركباً. فهو مُهمَّش بحكم وضعه المتضارب بين العرب والإفريقيين، وبين العالم الإسلامي والعالم المسيحي. فالسودان يعتبر هويته العربية أرفع مكانةً من هويته الإفريقية! هذا مع أنه يظهر لكل أهل البسيطة، أقرب إلى الإفريقية، منه إلى العروبة. ولذلك ينظر كثير من الأفارقة إلى السودان بوصفه خائناً لحقيقة وضعه، وذلك بقبوله وضعية الاستتباع ثقافياً، وسياسياً، للعالم العربي.
سرطان حروب الوكالة  Proxy Wars
      الشاهد، أن النظرة من جانب الدول الإفريقية نحو السودان، نظرة مملوءة بالشك والريبة. فما جرى من السلطات الخديوية المصرية، "العربية الإسلامية"، ومن السلطات السودانية المهدوية، "العربية الإسلامية"، ومن سلطة الإنقاذ الحالية، "العربية الإسلامية"، تجاه الهضبة، يبرر استمرارية النظرة المستريبة، من جانب إثيوبيا، وغيرها من دول الإقليم. هذه الوضعية غير المنسجمة مع المحيط، الناتجة عن الهوية المنحولة، وتصور المصالح تصوراً مؤدلجاً، "مُرَمنسا""romanticized”  ظلت تتأرجح، ما بين المظلة القومية العربية، والمظلة الإسلاموية، هو الذي قاد السودان لكي يصبح قاسماً مشتركاً أعظماً، في حروب الوكالة التي انتظمت، ولا تزال تنتظم القرن الإفريقي. حروب الوكالة الطويلة هذه خلقت حالةً من الاضطراب، أضرت أبلغ الضرر بالنمو الكلي للإقليم. وإذا انفصل الجنوب، لا قدر الله، فإننا مهددون من جديد، بحرب وكالةٍ جديدة، تدور رحاها، هذه المرة، في إقليم دارفور، وربما في أقاليم سودانية طرفية أخرى. باختصارٍ شديد، لكي تصبح دولةٌ مثل السودان، دولةً متماسكةً، لابد لها من أن تعترف بتنوعها، ولابد لها من أن تتصالح مع مواطنيها، بأن تبني هويةً قوميةً تعبر حواجز العرق، واللون، واللغة، والعقيدة، والجندر، والطبقة. ولا يحتاج المرء للتفصيل هنا في سيرة الحروب بالوكالة التي دارت بين السودان وإرتريا، وبين السودان وإثيوبيا، وبين السودان وتشاد، وبين السودان وليبيا، وبين السودان ويوغندا، وبين إرتريا وإثيوبيا، والعكس، فسيرة كل تلك النزاعات لا تزال حية، ومعداتها وآلياتها لا تزال مخزونةً في ترسانات الكيد الجواري.
      حين جاءت الإنقاذ، بدأت، أول ما بدأت، بأطماعٍ هائلة في أسلمة القرن الإفريقي، وقد روى طرفاً من ذلك الدكتور منصور خالد، في كتابه، "السودان: أهوال الحرب وطموحات السلام، قصة بلدين"، نقلاً عن مقابلة للدكتور حسن الترابي، مع صحيفةٍ غربية، قُبَيْل منتصف التسعينات، حيث ذكر الترابي أن القرن الإفريقي سوف يصبح إقليماً متحداً "إسلاميا". أيضا، أورد الدكتور منصور خالد في نفس الكتاب، عن مخاوف إرتريا وإثيوبيا حيال النظام السوداني الإسلاموي، ما نصه: ((ففي البدء تشككت أثيوبيا وإرتريا من مغامرات النظام الجديد في بلديهما، مما جعل رئيسي البلدين يوجهان إنذاراً مشتركا لنظام الخرطوم. وفي يوليو 1994، تقابل الرئيسان أفورقي وزيناوي مع الرئيس البشير، في العاصمة الإثيوبية، وكانت رسالتهما إليه إنذاراً أخيرا: "إما أن توقف التدخل ومحالة التأثير على المسلمين في بلدينا، وتحتفظ بنموذجك الإسلامي داخل حدود بلادك، أو سيكون لنا شأن آخر)).
"حصان طروادة" المياه!!
      من أمثلة الاستلاب السوداني، ما يجري الآن من تجاهل السودان لمصالحه في كهرباء السدود الإثيوبية، وهي مصلحةٌ استراتيجيةٌ كبيرة. كذلك، مصالحة في استراتيجات السيطرة على الفيضانات، التي أصبحت مخاطرها تزداد كل صبحٍ جديد، بسبب تزايد التغيرات المناخية. فلقد اندغم، موقف السودان في أمور مياه النيل، ومشاريع السدود، مع الموقف المصري، بلا فرزٍ كافٍ. فالأجندة المصرية، كالعهد بها دائما، تتعارض استراتيجياً، مع أجندتنا. ونحن ننسى التاريخ القريب! فقد سبق أن هجَّرنا مواطنينا من أجل أن تشيد مصر السد العالي، ورضينا أن تخزن مصر مياه السد في أراضينا، فتغرق مدننا وقرانا وآثارنا الحضارية التي لا تقدر بثمن، من أجل ما نسميه "الأخوة العربية والإسلامية". ولكن حين قام السد، لم ترسل مصر من سدها هذا ولا "فولتاً كهربائياًً" واحداً صوب الجنوب. هذا على الرغم من أن التوليد الكهربائي الكلي في السودان، في ذلك الوقت، كان أقل من بضع مئاتٍ من الميغاواتات! وبالطبع فإن جزءاً كبيراً من اللوم، إنما يقع على حكومة الفريق عبود، التي وقَّعت اتفاقية القبول ببناء السد، وتهجير أهالي حلفا، دون أن تجعل لبلادها نصيباً من كهرباء السد، ولو عن طريق الشراء!! هكذا ظلت نخبنا ذات الوعي المُغَيَّب، تتصرف في مقدرات البلاد!!
مأزق البطاقة الإسلامية:
  إن التمجيد الذي ظلت تلقاه سلطنة الفونج، حتى جعلها كبار شعرائنا جذراً حضارياً أوحداً للأمة، تمجيدٌ يحتاج إلى إعادة فحص. فسنار ليست سوى حلقةٍ متأخرةٍ من حلقات التراجع الذي اعترى حضارتنا التليدة. وليس غرضي هنا سلب سنار فضائلها، وإنما غرضي أن أقول أن فضائل سنار كانت فضائل متواضعة جداً، لا بمقاييس اليوم، وإنما بمقاييس عصرها الذي عاشت فيه. فنحن حين نغلو في إعلاء شأنها، إنما نستعيض بالبطاقة الإسلامية عن المحتوى الحضاري، وعن الإرث الفاعل القادر على صياغة صورة المستقبل. وأحدث تجليات هذا المأزق في حياتنا المعاصرة، إنما تتمثل في الزيف الفاضح، الذي لف دعوة دعاة "تطبيق الشريعة الإسلامية"، منذ استشرائها بُعَيْد منتصف القرن الماضي. لم تترك سنار التي نرفعها إلى مصاف الحضارات العظيمة، من الآثار الحضارية العينية شيئاً يُذكر، ولم تترك من الأدبياتٍ المكتوبة ما يُعتد به! فكل ما وصلنا من أكثر من ثلاثمائة عامٍ من الحكم السناري المتصل، لم يتعد "كتاب الطبقات"، و"مخطوطة كاتب الشونة"، وبعض الوثائق المتفرقة، هنا وهناك!!
      ما من شك أن الإسلام مثل طاقة دفع حضارية كبرى في التاريخ البشري. ولا يزال  يملك في داخله طاقة للبعث الحضاري، وللتمدين، قابلة للتفعيل. ولكن، لا يمكن تفعيل الطاقة الإسلامية في عالم اليوم، إلا كرؤية كونية، أخلاقية، موجهة، وليس كأساس لإنشاء دولة دينية جديدة. ولربما علينا أن نتنبَّه أن الإسلام الذي وفد إلى السودان، لم يمثل سوى خيطٍ واحد من خيوط تجليات الطاقة الإسلامية. وحتى هذا الخيط الواحد، الذي وصلنا، لحظة غروب الحضارة الإسلامية في مجموعها الكلي، لم يكن سوى نثارٍ من حالةٍ حضاريةٍ كليةٍ، خمدت نارها، وتبعثر رمادها. انتشر الإسلام في السودان، بصورة موسعة، على يد المتصوفة. وهم حين جاءوا به، جاءوا به في شكل نهجٍ تعبدي، يطالب السالك بأكثر قليلاً مما تطالبه به الشريعة، بوصفها مدخلاً على التعبد. فالطرق الصوفية حصرت نفسها في التسليك، والتهذيب، عن طريق العبادة، وإدامة الأذكار. لذلك، كان التصوف الذي وصلنا، على قيمته الكبرى، وبصمته المميزة، التي لم يخل منها وجدان أي سوداني، أبعد ما يكون عن القوة القادرة على البناء الحضاري. فالتسليك، والتهذيب، مرتكزهما الأساس هو الزهد. وما أكثر ما كان الزهد حابساً للناس عن ارتياد مراقي الإنجاز الحضاري. والمتصوفة الذين وفدوا إلى السودان لم يكونوا من كبار المتصوفة، وإنما من أواسطهم، وغمارهم. فالذي وصلنا، إنما وصلنا من فضاءٍ غرق في الانحطاط الفكري، والأخلاقي، حتى تفتت. وحتى هذا القدر المتواضع من معاني التصوف، سرعان ما خكدت وقدته بدخول الفقه الأزهري المستتبع للسلطة الخديوية التركية الاستعمارية.
الأقاليم الروحانية:
      تلتقي الشعوب السودانية، على اختلاف هوياتها الثقافية بالشعوب الإثيوبية، على اختلاف هوياتها، هي الأخرى، في القيم الروحانية الكبرى، كعزة النفس، والاكتفاء بالقليل، والتكافل، والتوادد، والتراحم، والمسالمة، والبر المنقطع النظير بالوالدين. هذه القيم مرتكزة على إرثٍ إنساني عميق الجذور، يقع في  ما وراء تبسيطات المؤسسات الدينية الرسمية، وجهالاتِ النخب وأوهامها. أسعدتني الظروف، قبل شهرٍ أو يزيد، بلقاء الإمام الصادق المهدي، في واحدةٍ من ليالي بيت الفنون بالخرطوم بحري. في ذلك اللقاء العابر، أشاد السيد الإمام بهذه المقالات، وقال ما معناه، إن المودة، والمحبة، والتراحم المتبادل، بين الشعبين السوداني والإثيوبي، يدل على أن هناك شيئاً مدفوناً. والشيء المدفون، في نظري، هو أننا والإثيوبيين، ننتمي إلى إقليم روحاني مغاير للإقليم الروحاني المتوسطي!! وعموماً يمكن القول إن الديانة الواحدة يمكن أن تنتشر في فضاءات روحانية متباينة، فتاخذ هيئة تلك الفضاءات. فالإسلام الشيعي، في فارس، مثلاً، له نكهةٍ فارسية. والإسلام السني، في جزيرة العرب له طبيعة إقليمية مرتبطة بتاريخ جزيرة العرب، وبطبيعة أهلها الموروثة. وإسلام الإثيوبيين في الهضبة، يمثل إسلاماً ذا نكهة إثيوبيةٍ خالصة. وإسلامنا نحن في السودان، كان أقرب ما يكون إلى تشيع الفاطميين، غير أنه تحول لاحقاً إلى إسلامٍ ذي صبغةٍ تركية. وعموما، فأهل السودان من المتصوفة، كان لهم في بداية أمرهم مزاج روحاني، أقرب ما يكون إلى مزاج الشيعة، منه إلى مزاج السنة، ولا تزال بقايا هذا المزاج قائمة حتى اليوم. فالإسلام السني في السودان، طغى عقب الغزو التركي. ولقد مثلت الثورة المهدية في السودان، أكبر انقلاب على حالة الاستلاب السنية، التي أحدثتها الحقبة التركية. وبعد القضاء على الدولة المهدوية، أعاد البريطانيون والمصريون الإسلام السني إلى سابق عهده، لكونه يخدم أغراضهم الاستعمارية. ولسوف أعالج ذلك بتوسع في الكتاب الذي سوف يخرج من هذه السلسلة. مثلت الثورة المهدية، في القرن التاسع عشر، صيحةً سودانيةً صميمة ضد الاستلاب العقدي، والثقافي، الأجنبي، مثلما مثلتها، في القرن العشرين، وفي أفق جديد، أطروحات الأستاذ محمود محمد طه، التي تمثل أقوى صيحةٍ لسودنة الإسلام، وترجمته في الإطار الروحاني التاريخاني الموروث للقطر السوداني، مقروناً بطاقة وحاجة الإطار الكوكبي العصري، الذي أخذ ينشد التعايش السلمي، ونبذ العنف، وحكم القانون. ولسوف أعالج، هذا المسار الممتد بين الدعوة المهدية في القرن التاسع عشر، والفكرة الجمهورية في القرن العشرين، في سلسلة مقالات تحت عنوان: "سودنة الإسلام، من الدعوة المهدية، إلى الدعوة الجمهورية". إلى هنا تنتهي هذه السلسلة من المقالات.
      في الأسبوع القادم أكتب ملاحظاتٍ، على هامش الملاحظات التي أبدتها السيدة الفاضلة، الأستاذة أم سلمة الصادق المهدي، في تعليقها على هذه السلسلة، في صحيفة الصحافة، عدد 26 أغسطس 2010